في ذكرى اغتيال شهيد الثقافة العراقية المفكر ” قاسم عبد الأمير عجام ”

إشارة :
في يوم أسود من أيام الثقافة العراقية الدائمة ، أغتيل الربيع الثقافي كما كنا نسميه ، أبو ربيع – المبدع المفكر “قاسم عبد الأمير عجام ” على أيدي قتلة أوغاد .. إنسانا كان قاسم رجلا بقلب أم .. يحتضن الجميع ويحنو عليهم ويمد يد العون لهم رغم ضيق ذات يده …. إنسانا كان يقطع الكيلومترات ماشيا على قدميه – واسألوا أهل الحلة وأهل جبلة – رغم أنه كان بإمكانه أن يحصل على عشر سيارات بطرق كانت مألوفة آنذاك .. ومبدعا كان أنموذجا للمثقف المهذب المتحضر المتسامح الصبور الداعي أبدا إلى الحوار وعدم التعصب .. إن ما أخاف الأوباش في أبي ربيع هو هذا الربيع الإنساني الدائم وليس المبدع والمفكر المتميز حسب .. من ينسى الإبتسامة الحيية الدائمة والنظرة الآسية الحنون شبه المنكسرة والخدان المتوردان وكأنه خجل من وقوف إنسانيته العظيمة عند حدود لا يستطيع تعديها .. قاسم من النوع الآدمي الذي خلقه الله على صورت “ه ” والهاء تعود على الله وليس على آدم كما اجتهدت بعض الفرق الإسلامية الأصولية .. من سأل عن عائلة قاسم الصبور المجاهدة ؟؟ .. من تفقد أبناءه الذين تساءلوا حتما وبحق عن أين هذا الوطن الذي قدم له أبوهم النجيب حياته ودمه ؟؟ وإدارة موقع الناقد العراقي إذ تستذكر شهيد الثقافة العراقية قبل يوم رحيله الرسمي ، وتزجي شكرها للعزيز المبدع علي عبد الأمير عجام الذي استجاب لطلبها وزودها بمقالة الراحل المهمة هذه التي تعبر عن جانب من فكره الثر وروحه الديمقراطية .. نقول إذ نستذكر الشهيد قبل يوم رحيله الرسمي فلأن الإنسانية الشهيدة لا موعدا رسميا للإحتفاء بها أولا ولأننا نريد أن نذكر وستنفع الذكرى ثانيا .. أبا ربيع دمت في عليين …

في ما يقال عن النقد … وأهله *

قاسم عبد الامير عجام
qasem_ajamفي يوم واحد … في صحيفتين من صحفنا، نشرت مقالتان تتصديان لمهمة واحدة : هي إيضاح بعض
أسس ومستلزمات النقد الأدبي ( الحقيقي )، فتضيفان لسلسلة مقالات مماثلة تابعناها منذ فترة ليست بالقصيرة، رقما جديدا في ( النصائح )، التي تسدى لنقّادنا وهي تنعى فقرهم لعدة النقد وتأخذ عليهم الكثير مما تراه نقصا أو تقصيرا في ممارساتهم للنقد إختيارا أو مضمونا ناهيك عن مقالات اخرى تتهم نقّادنا باللاموضوعية بكل درجاتها إبتداء من العشائرية الى تبادل المنافع بين الناقد والمنقود. وهكذا تديم تلك الكتابات”أزمة ” النقد قائمة مستمرة على العكس مما تثيره القصة أو الشعر من أزمات دورية !!
وهنا لا نريد ان ندفع عن نقّادنا و نقدنا ما تنسبه إليهم تلك المقالات لأننا لا نرى المسألة، مقاضاة، كما ليس من الإنصاف ان نقبل الإطار الذي تضعه لها تلك المقالات … بل نراها تعبيرا عن افتقار تقاليد ثقافية عميقة وعن إحساس بحاجة ماسة الى تلك التقاليد والى عنصر السماحة والروح الديمقراطي فيها بالذات … ويمكننا بشيء من الصبر ان ندرك ذلك لو تأملنا في مصدر تلك المقالات، فهي على الأغلب مقالات يكتبها أحد إثنين:
الأول: مبدع ( شاعر على الأغلب ) أثبت وجوده وشخصيته الفنية لكنه لا يرى في النقد ما ينصفه سواء بالتقاعس عن دراسته أو بأحكام لا تكشف عن سعة تجربة أو بعدم اتفاقه ودارسيه فيما توصلوا إليه.
الثاني: وهذا يكاد يكون المصدر الرئيسي للهجوم على النقد، أديب شاب نشر انتاجه في كتاب أو على صفحات الدوريات الثقافية وقد منحه ثقة كبيرة وآمالا واسعة في ان يحقق له مكانة متميزة في ساحة الأدب ودورا حتى في التغيير الثقافي وبالتالي يوجب على النقد والنقّاد ان يكشفا تلك المكانة المتميزة وحجم الدور الذي اصبح لذلك المبدع الصاعد، فإن لم يفعلا فليس للنقّاد في دنيا النقد عميق جذور ولا نقدهم نقدا!
وفي الحالتين – وهذا في الحقيقة التقاء مؤسف، ليس اسهل على الكبار – والشباب من المزايدة على النقّاد بإستعراض معلوماتهم عن أسس النقد وأصوله … متناسين ان تلك الأسس والاصول قد لا تريحهم في كثير من الحالات لو طبقت بموضوعية وصراحة على أعمالهم ذاتها.
وإذن، فالمنطلق ذاتي في الحالتين حتى ليكاد يكون دفاعا ضد هجوم وإن كان موهوما – او هجوم وقائي ضد داهية متوقعة – وإن كانت وهما … لاسيما ان النقّاد أنفسهم لم يكلفوا انفسهم عناء مناقشة ما يوجّه إليهم، متوهمين هم الآخرين ان صمتهم ذاك ( ترفعا ) او ربما تجاهلا يرد على منتقديهم، وبذلك يحصرون المسألة في إطارها الذاتي مما يسمح لنا هنا بتأكيد ما نذهب اليه من ان المسألة بالأساس تعبير عن غيبة التقاليد الثقافية الناضجة وروحها السمحاء، مشيرين الى ان هذه التقاليد محصلة كل العوامل المؤثرة في الحياة الثقافية والاجتماعية بما في ذلك مستوى الانتاج الثقافي نفسه، بكل روافده، مؤكدين بشكل خاص على حقيقة ان المستوى الرفيع للأعمال الابداعية او الدراسات الفكرية يستطيع بحد ذاته ان يحرك ماركد حوله وان يحفز نقاشا مثمرا ينطلق منه شريطة ان تتوفر لذك الانتاج الرفيع ظروف ممارسته لكامل تأثيره، وعنى ذلك ببساطة انها مسؤولية مشتركة بين المبدعين والنقّاد وكل اطراف الحركة الثقافية، ويستطيع كل طرف، كما نرى، ان يساهم بالخروج من هذه المماحكة الذاتية الى رحاب العمل المثمر.
ففي الحالة الاولى مثلا، ما ضر لو ان المبدعين الاساتذة وقد اكتشفوا بما أتيح لهم من ثقافة وخبرة، قصور النقد وفقر عدة النقّاد، ما ضر لو مارسوا هم انفسهم العملية النقدية على ضوء إستيعابهم لأسس النقد ومستلزماته التي يعيبون على نقادنا افتقارهم لها كلها او بعضها, فيضيفون لأسماء النقّاد أسماءهم هم، بعد ان اثبتوها مبدعين، لهم انتاجهم وجمهورهم ؟ أو ليس ذلك افضل من ان يرتضوا لأنفسهم مهمة عذّال يشاغبون على النقد بشماتة لا تليق بهم؟! انهم في مايسدون من نصائح يمارسون لاسيما بالطريقة واللهجة التي يكتبونها بهما – يمارسون – شاءوا ام أبو – نقابية ضيقة تتهرب من المسؤولية الثقافية بإلقائها على ما اصطلح لها من حدود وظيفية، فيما ان فلانا وفلانا قد قدموا انفسهم نقادا فإن عليهم ان يفعلوا كذا وكيت، فإن لم يفعلوا فهم دون مسؤولياتهم وعليهم ان يتحملوا ذلك !! حسنا لكن هذا وجه واحد حتى لو صحت الفرضية فأين الوجه الآخر؟
إنه يا اساتذتنا ان تتقدموا انتم الى الساحة لتملأوها بما تعلنونه من معرفة قصر عنها غيركم، وبذلك تؤكدون ممارسة ثقافية رفيعة حصيلتها انتصار المعرفة الأغزر والاستنتاج الاذكى والجهد الاعمق، فلماذا لا تفعلون؟ هذه ليست مماحكة وانما اقولها بحرارة، فإن العديد من مقالات الاساتذة تحتشد بمعرفة نقدية ثرية لا يملك القاريء إزاءها إلا ان يتساءل لماذا إذن تنعون غيبة النقد .. ها انتم نقّاد مدركون، فدونكم الساحة.
لكنها كما أرى بعض سمات افتقارنا الى السماحة الفكرية، فبدلا من التلذذ بالكشف عن قصور الآخرين، جدير بنا ان نقدم ثمار تفوقنا نحن لعلنا نحفزهم على اللحاق بنا، وبدلا من المواعظ، نلقيها بنبرة متعالية تنز بالوصاية الخانقة، لنتذكر ان تكرار الوعظ تعبير عن فشل الوعّاظ في إبلاغ مواعظهم، ولنتدبر الامر بإناطة المهمة للفعل القوي المؤثر عمقا وذكاء، هذه ناحية ، والناحية الثانية .. لماذا يفترض الاساتذة المبدعون ان لإبداعهم وجها واحدا هو الذي افترضوه له، فإن لم يكشف النقد عنه كان عليه ان يقف متهما بالتقصير؟ وان يتلقّى منهم المواعظ ضئيلا فقيرا كليل بصر !! لماذا لا تتسع صدورهم لرؤية اخرى ليست بالضرورة نتيجة ثقافة اقل من ثقافتهم؟ ثم وهذا جائز كما ارى – كيف افترضوا او بعضهم على الاقل، ان لكل اعمالهم القيمة الفنية والفكرية التي توجب على النقد ان يقيم على تخومها خياما لا تطوى؟ وهل يكون اتهام النقد بالقصور مبررا للتخلص من واجب مراجعتهم هم لانتاجهم ومعاودته بالتأمل والدراسة والتجويد؟ أم ترى ان المبدعين الاساتذة لا يعترفون للنقد بحق الصمت تجاه بعض الاعمال موقفا نقديا؟
وفي الحالة الثانية لا نستطيع ان نجد وراء نرجسية الشباب واعتدادهم المبالغ به بما انجزوه وبحجم تأثيره … لا نستطيع ان نجد وراء ذلك إلا حياة ثقافية لم يخصبها الحوار ولم تفتح بين اركانها معابر التأثير، فكل دروبها واحدة الاتجاه وكل من نهض عليها جاء متجاهلا من سبقه, لا يجد بأسا في إلغائه او شطبه ولنا في العديد من الحملات المتبادلة بين عدد من كتّابنا وشطبهم لبعضهم أمثلة عديدة ولذا لم يجد الشباب صعوبة في ان يستلوا من جعبة الوسط الثقافي نفسه ذات السهام ليسددوها في اكثر من اتجاه، لاسيما بعد ان وجدوا في سهولة النشر ما صور لهم حجما اكبر من حقيقتهم، بل ان ذلك أوحى لهم وكأن الساحة قد خلت إلا منهم !! وبما انهم يبدعون ويبدعون فان النقد قد تخلّف عن استيعابهم !! …. وبما انهم يتجاوزون ويتجاوزون فإن نقّادنا افقر عدة من ان يحيطوا بفتوحاتهم، وإلا لكان عليهم ان يكتبوا كذا وكيت وان يطلعوا على هذه و تلك من المدارس الحديثة التي تمكنهم من فهم فتوحات الشباب وتفردهم !! …. وأغرب من ذلك ان يصرو على ان يكون نقادهم منهم وإن احتضن النقد هذا او ذاك من الشباب، فالعيب في الأديب الشاب الذي نال تعاطف النقّاد !!* راجع ندوة ” ألف باء” مع بعض الادباء الشباب في العدد 935 بتاريخ 27/8/86* … غير انهم مهما ابتدعوا من مبررات لما يرونه في النقد من عيوب، لن يستطيعوا إخفاء منطلقهم الذاتي المتمثل في إحساسهم بالتفرد والتجاوز الذي لم يفه النقد حقه !! وهم في ذلك ضحايا نموذجية لغيبة التقاليد الثقافية المنصفة التي تعطي لكل ذي حق حقه، فلا تسمح بإختلاط القمح والعوسج ولا تسمح للأوهام واحلام اليقظة ان تخلق عباقرة على مقاسات تلك الاحلام، فلو كانت تجارب هذه الاصوات العالية قد نضجت في دفء التواضع العلمي والانحياز الصريح للجودة فحسب، لوفروا الكثير مما يهرقونه الآن من حماسة للمثابرة على تطوير إبداعهم وإغنائه !!
ثم اذا تركنا حالتي الشباب والاساتذة بكل ما فيها من حجج وما عليها من ردود، تبقى المسألة التي تتجاهلها المقالات الواعظة بأركان النقد وهي العلاقة العضوية بين الابداع والنقد كما ونوعا، فمن وحي هذه العلاقة لا بد ان نتساءل أين هو العمل، الذي ارتكب او يرتكب النقد ذنبا في تجاهله او العجز عن كشف أبعاده؟ وكم لدينا من اعمال حديثة بقيت بعد ان كتب عنها بحاجة لوقفات اخر ورؤية من زوايا متعددة؟
اننا ومن وحي هذه العلاقة ايضا نشير الى حاجتنا الى اعمال ابداعية تستفز النقد وتحرضه على شحذ اكثر من منظور للكشف عما فيها من غنى وإلا فان الاعمال التي تضيف للإنتاج الثقافي رقما جديدا فحسب لا تؤكد في علاقتها بالنقد إلا علاقة الكعك بالعجين …. وبعد هذا وذاك تبقى الساحة تفتقد اسهامات اساتذة النقد الاكاديميين، فليس سرا ان المقالات الواعظة اياها ( تستضعف ) نقّادنا الذين كونوا انفسهم بالمثابرة والتجربة دونما دراسة اكاديمية للنقد، ولذا فنحن بحاجة لإسهام اساتذتنا في وضع الامور في نصابها لا بالمشاركة بهذه المماحكة التي تحاول مقالتنا هذه الاشارة الى حقيقتها، وانما بإرساء الاصول النقدية واشاعتها في الحياة الثقافية العامة اضافة لما يقدمونه من عطاء تعليمي وبحث دراسي في رحاب الجامعة.
أجل … إنهم مدعوون بأكثر من صوت ولأكثر من سبب لأن يفتحوا سواقي النقد تروي ساحة إبداعنا بالنظر والتطبيق وان يقلبوا في ارضنا مرات ومرات وحتى تستوي مهدا لأفضل الغراس بالمبادرة الفردية او بالتعاون مع رابطة نقّاد الادب … فان اسهامهم هذا وهذه النهضة المباركة لدار الشؤون الثقافية ونشرها الاعمال الرصينة تأليفا وترجمة يمكن ان يبددا كثيرا من الاوهام وان يوفرا زادا ثقافيا يعصم ممن يتغذى منه عن اطلاق الاحكام جزافا … وفي تلك العصمة ركن مكين من اركان حياة ثقافية خصبة هي مهد لكل الاحلام الجميلة بغد أجمل !!!
*مقالة مكتوبة بتاريخ 20-9-1986 ويتضمنها كتاب سيصدر قريبا بعنوان “قتل الملاك في بابل” ويتضمن مختارات من اعمال الناقد والمفكر قاسم عبد الامير عجام الذي اغتيل في 17-5-2004 الى جانب مختارات مما كتبه في رحيله الدموي كتاب ومثقفون عراقيون.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.