د. علي داخل فرج : إشكالية الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر العربية. قراءة في جهود النقاد العراقيين (لقسم الأول)

لا يخفى أنَّ مرحلة التأسيس لمقولة الإيقاع الداخلي لقصيدة النثر العربية قد بدأها أدونيس في مقالته الرائدة (في قصيدة النثر) المنشورة في العدد الرابع عشر من مجلة (شعر) البيروتية عام 1960م، ويبدو أنَّه في مقالته التأسيسية هذه حاول أنْ يستبق آراء المعترضين على مشروعه الذين ما انفكوا يؤكدون أنَّ الوزن والقافية يوفران عنصرا موسيقيا لا يمكن الاستغناء عنه في كتابة الشعر، وقد جاء رد أدونيس عليهم من خلال الإشارة الى أنَّ قصيدة النثر وإنْ كانت تخلت عن الوزن فإنها لم تتخلَ عن الجانب الإيقاعي للشعر، وهو في هذا السياق يؤكد ” إنَّ الشعر لا يحدد بالعروض، وهو أشمل منه، بل إنَّ العروض ليس الا طريقة من طرائق التعبير الشعري “(1)، ولبيان رأيه في علاقة الشعر بالموسيقى يذكر أدونيس أنَّ نشأة الشعر لا بد أنْ تكون مرتبطة بأصل موسيقي، وأنَّ تكرار الصوت في فواصل منتظمة، وتساوي اللحظة الموسيقية في الأبيات التي يحققها الوزن الشعري المقنن توفر للشعر عنصرا موسيقيا لا يمكن إنكار أنه ضرورة من ضرورات الشعر، ولكنه من جهة ثانية يؤكد أنَّ ” إيقاع الجملة، وعلائق الأصوات، والمعاني والصور، وطاقة الكلام الإيحائية، والذيول التي تجرها الإيحاءات وراءها من الأصداء المتلونة المتعددة – هذه كلها موسيقى، وهي مستقلة عن موسيقى الشكل المنظوم..”(2).
ويرى أدونيس ومثله رفيقه أنسي الحاج أنَّ لقصيدة النثر إيقاعا متنوعا مختلفا عن الإيقاع القديم الذي يصفه الثاني بأنَّه مفروض على القصيدة من الخارج(3)، ويذكر أدونيس أنَّ هذا الإيقاع ” يتجلّى في التوازي والتكرار والنبرة والصوت وحروف المد وتزاوج الحروف وغيرها “(4).
وقد وجدتْ آراء أدونيس حول قصيدة النثر وإيقاعها الخاص المختلف عن إيقاع الشعر العمودي صداها عند مناصري قصيدة النثر العربية الذين أخذوا يرددون مقولات من قبيل ” الشعر إيقاع لا عروض “(5) و” إنَّ الوزن ما هو الا صورة الإيقاع… وهو جزء من الإيقاع. فالإيقاع سابق للموسيقى والشعر “(6). وكانت لعدد من هؤلاء المناصرين محاولات واجتهادات أخرى سعوا من خلالها الى إقناع الآخرين بتوافر قصيدة النثر على إيقاعها الخاص، وقد استعان عدد منهم لتحقيق هذه الغاية بدراسات لنصوص عدد من شعرائها، ولعل مما يلاحظ على هذه الجهود أنها لم تختلف كثيرا عن جهود أدونيس السابقة، بل هي في كثير من الأحيان لم تزد على أن تكون ” صدى لآراء أدونيس أو تعليقات تنطوي على الكثير من المغالطة والتمحل “(7). ومما لا يخفى أنَّ هذا الخطاب النقدي تضمن إشارات لا تخلو من أهمية الى عناصر إيقاعية يمكن رصدها في عدد من القصائد النثرية التي اختيرت بعناية وقصديه، ولكنه بالمقابل من ذلك لم يُفلح في وضع ضوابط محددة لهذا الإيقاع، ومن ثمَّ لم يستطع إقناع الآخرين بما ذهب إليه من آراء، وقد كانت هذه حال معظم من درس إيقاع هذه القصيدة من النقاد العرب ومنهم النقاد العراقيون الذين سنعرض لآرائهم الآن.
يقف الدكتور حاتم الصكر في مقدمة النقاد العراقيين الذين حاولوا دراسة إيقاع قصيدة النثر العربية، وقد جاءت محاولته هذه مقترنة بدراسة نصوص مختارة لثلاثة من شعرائها البارزين، وهم محمد الماغوط، وأنسي الحاج، وأدونيس. وقبل أنْ يشرع  بقراءته النقدية للنصوص المذكورة، يقرُّ الصكر بصعوبة المهمة التي تقع على عاتق من يبحث في إيقاع قصيدة النثر أو الإيقاع عامة، فموضوع البحث هذا يدخل – على حد قوله – ” ضمن ما لا يوصف رغم أنه يدرك بالمعرفة “(8). ولعل أولى الإشكاليات التي انطوى عليها جهد الناقد المذكور تتمثل في إشارته الى ” أنَّ الإيقاع الداخلي يأتي غالبا تعويضا عن الإيقاع الخارجي الغائب في النصوص الحديثة، وعدم توفره في نماذجها المتنازلة عن صدى القافية ورتابة التفعيلة.. مما يجعل الإيقاع الداخلي يؤدي وظيفة تكوينية بإزاء المهمة الإطارية للإيقاع الخارجي “(9)، فهذا الكلام لا يمكن أنْ يمر من دون مناقشة، لأنه – كما سيتضح الآن – ينطوي على مغالطة وتمحل كبيرين، وأول ما يؤكد هذه المغالطة أنَّ الناقد أصدر حكما مطلقا عندما افترض منذ البدء أنَّ ما سمّاه الإيقاع الخارجي (الوزن) أصبح غائبا عن النصوص الحديثة، وكأنه بذلك يريد أنْ يربط الحداثة الشعرية بالتخلي عن الوزن وربما بقصيدة النثر نفسها، وهو أمر غير دقيق، لأن الحداثة لا يمكن أنْ ترتبط بشكل معين دون سواه، ولعلنا نستطيع أنْ نستدل على ما قلناه بأنَّ عددا من شعراء قصيدة النثر العرب (وهم دعاة متحمسون للحداثة الشعرية) ما زالوا يكتبون القصيدة الموزونة، وفي مقدمة هؤلاء أدونيس نفسه، فكيف يكون التخلي عن الوزن مقياسا للحداثة الشعرية مع أنَّ دعاة هذه الحداثة أنفسهم لم يتخلوا عنه كليا فيما يكتبون؟ إننا – في حقيقة الأمر – نلمس في كلام الدكتور الصكر هذا حماسة زائدة وربما انحيازا واضحا الى شكل كتابي اعتمادا على معيار مسبق هو التخلي عن الوزن، وهذا الموقف قد لا يكون مختلفا عن موقف خصوم قصيدة النثر ورافضيها الذين انتقدهم هو نفسه في موضع آخر من كتابه لأنهم يشترطون الوزن معيارا للقبول بانتماء الكتابة الى جنس الشعر(10).
وثاني الإشكاليات التي انطوى عليها كلام الدكتور الصكر تتمثل في عده الإيقاع الداخلي بديلا عن الإيقاع الخارجي الغائب عما سمّاها النصوص الحديثة التي تنازلت عن (صدى القافية و رتابة التفعيلة)، وهو يؤكد في هذا السياق فضل الإيقاع الداخلي على الإيقاع الخارجي، فالأول يؤدي – بحسب قوله – وظيفة تكوينية بينما يؤدي الثاني مهمة إطارية. ومن الواضح أنَّ هذا الكلام ينطوي على تناقض لا يمكن تجاوزه، فإذا كانت مهمة الإيقاع الخارجي إطارية كما يدعي، لماذا إذن يبحث شعراء قصيدة النثر عن تعويضه بالموسيقى الداخلية؟ وهل يمكن – حقا – أنْ يكون الإيقاع الوزني إطارا لا غير في الشعر الموروث بصورة مطلقة وبمستوى التعميم نفسه الذي وجدناه عند الباحث؟! إنه من غير المقبول حتما أنْ نجرد الإيقاع الوزني من كل وظيفة يؤديها في الشعر وندعي أنَّه ليس سوى إطارا تُؤطر به القصيدة، كما أنه من غير الصحيح أنْ تُبسَّط المسألة التي يعترف دعاة قصيدة النثر أنفسهم بمدى تعقيدها ويُزعم أنَّ للإيقاع الداخلي أفضلية على الإيقاع الخارجي حتى قبل أنْ يقتنع الآخرون بوجوده أصلاً ، ولعل الأجدر في هذا السياق أنْ ينصرف الجهد الى إثبات وجود هذا الإيقاع أو في الأقل الوصول الى ضوابط تمكن الآخرين من تلمسه والإقرار بوجوده قبل أنْ ندعي أفضليته على سواه.
ولعل الجزء الأهم في جهد الدكتور الصكر يكمن في محاولته إقناع المتلقي بتوسُّع مفهوم الإيقاع في الفكر النقدي العالمي المعاصر، وقد كانت له في هذا السياق التفاتات الى جهود الشكلانيين الروس الذين ينقل عنهم ” استنتاجهم أنَّ الخطاب يمكن أنْ يبقى شعرا حتى مع عدم المحافظة على الوزن “(11)، وهو يرى أنَّ المبدأ الذي يؤديه الإيقاع يتمثل بالانسجام الذي يمكن أنْ يتحقق بطرائق عديدة ليس الوزن الا واحدا منها، وانطلاقا من إيمانه بأنَّ هذا الانسجام يمكنْ أنْ يتحقق في غير الشعر كما يتحقق فيه، ينتهي الدكتور الصكر الى نتيجة مفادها أنَّ مفهوم الإيقاع لم يعد محصورا بالشعر، وأنه تجاوزه الى النثر والفنون الأخرى، حتى أصبح شائعا الحديث عن إيقاع للوحة وإيقاع للمسرحية وإيقاع للنثر الفني، وهذا كله – برأيه – يؤكد شمولية الإيقاع وعدم صحة محاولات تحديده بأعداد أو أنغام معينة (12). من هذا المنطلق تبدو مهمة الدكتور الصكر في البحث عن إيقاع قصيدة النثر ليست بالعسيرة بل هي، وفق هذا المنظور، تكاد تتحقق بمجرد الكشف عن انسجام معين أو علاقات صوتية أو دلالية بين مكونات النص الأدبي، ويكفي بعد ذلك القول إنَّ هذا الانسجام وهذه العلاقات هي التي تؤلف الإيقاع الداخلي له.
وبعد أنْ ينتهي من الجانب التنظيري لبحثه ينتقل الدكتور الصكر الى التطبيقات التي استهلها  قبل أنْ يشرع بدراسة قصائد الشعراء الثلاثة المذكورين، بدراسة لنص صوفي من (كتاب المواقف و المخاطبات) للنفري، وقد حاول الناقد أنْ يرصد علاقات التوازي والتضاد بين مكونات النص المذكور، فضلا عن محاولته رصد نسقي التكرار والتعاقب، ليتوصل من خلالها الى بنيته الإيقاعية التي وجدها تقوم على ما سمّاه (إيقاع الفكرة)، أما المستوى الصوتي للإيقاع، فقد جاءت الإشارة إليه بشكل مقتضب من خلال الجزء الأخير من نص النفري ( يا عبدُ قد رأيتني في كل قلب فدلّ كلّ قلب عليَّ لا على ذكري لأخاطبه أنا فيهتدي، ولا تدله الا عليَّ فإنك إنْ لم تدله عليَّ دَللته على التيه فتاه عني وطالبتك به)، إذ وجد الناقد في تكرار الجار والمجرور تجسيما للصوت الموجِّه للخطاب من خلال التركيز على ضمير المتكلم (الياء) وما يقابله من ضمائر أخرى(13).
أما قصيدة الماغوط (أغنية لباب توما) فقد كانت أول النصوص الشعرية التي حاول أنْ يدرس بناءها الإيقاعي، واستهل الناقد جهده هذا بملاحظة مهمة لافتا النظر الى المفارقة المقصودة التي يحققها عنوان القصيدة ” فهي أغنية لا تقدم إيقاع الأغنية الشائعة. أغنية تطرح الوزن والقافية والمجانسات الزاعقة، وهي موجَّهة الى (باب توما) المكان الذي سنكتشف منذ البيت الثالث أنَّ الحزن يجلل عيون نسائه، ولا شيء فيه يستدعي الغناء والفرح…”(14)، وكما هو الحال في النص السابق يضع الدكتور الصكر يده على مجموعة من علاقات التوازي والتكرار بين مكونات القصيدة، ويشير الى أنَّ هذه العلاقات أسهمت مع إيقاع الحزن (عيون النساء الحزينة، ومخاطبة الأم) التي لوَّنت النص، في إنتاج الإيقاع العام الذي ساد القصيدة وهو إيقاع التناقض القائم على الصور الحادة المتنافرة الذي لخصه الناقد بما سمّاه جملة النص الكبرى: (جمال الفقر وعذابه)(15). وربما اتضح لنا – الآن – أنَّ الإيقاع الداخلي الذي لمسه الدكتور الصكر في كل من النصين السابقين يكاد يتأسس في مجمله على مقولة (إيقاع الأفكار) التي نقلها عن رتشاردز(16)، ولعل هذا ما سيتضح لنا بصورة جلية عندما نقرأ تحليله لقصيدتي أُنسي الحاج، وأدونيس.
ففي تحليله لأُولاهما (قصيدة أُنسي الحاج)، يبحث الناقد في العلاقات الداخلية بين ما أسماه الجمل الشعرية الصغرى في النص، وما ترتبط به هذه الجمل بمجموعها من علاقة بكلية النص، لافتا النظر في الوقت نفسه الى أنساق التوازي التي أسهمت في تأليف تلك الجمل الصغرى. وكما هو الحال في القصيدة السابقة، لا يغفل الدكتور الصكر الإشارة الى عنوان النص (خطة) الذي يراه موجها قويا له دور فاعل في إنتاج إيقاع النص ودلالاته، فهذه (الخطة)  تشبه ما يحدث في الحرب، وقد عمد الناقد إثر ذلك الى دمج الجملتين (1،3) ليؤلف منهما جملة كبرى تُعرِّفنا على ما كانت تفعله المرأة:
–    كنتِ تصرخين بين الصنوبرات، يحمل السكون رياح صوتكِ الى أحشائي: تعالَ يا حبيبي!
وبالمقابل من هذه الجملة الكبرى، يؤلف الناقد جملة ثانية عبر دمج الجملتين (2،4)، وهذه الجملة تعرفنا بما كان يفعله الرجل:
–    كنتُ مستترا خلف الصنوبرات، أختبئُ، أتلقى صراخكِ وأتضرع كي لا تَريني، فأجيءُ إليكِ، فتهربي(كذا) (17).
ينتهي الدكتور الصكر بعد ذلك الى أنَّ التوازي الدلالي و التركيبي بين الجملتين المذكورتين، وما ينطوي عليه النص من مفاجأة أو مخالفة للتوقع في الجزء الأخير منه ” إذ نحسب أنَّ المتكلم يختبئ كي لا يستجيب لندائها، فيما يتضح أنه يخشى أن تراه إذ يدعوها إليه أو يجيء إليها “(18)، فضلا عن تراتب الأفعال بالصورة التي وردت في القصيدة، لم تأتِ الا وفق منطق دقيق بُني عليه نص الحاج، فالشاعر – على حد قوله – ” يبث إلينا نصا لا يمكن فهمه وتلمس إيقاعاته الا بالتعرف على منطقه الدقيق “(19).
أما نص أدونيس (رقعة من تاريخ سري للموت)، فقد بحث فيه الناقد كعادته عن صور أخرى لعلاقات التوازي بين مكوناته، كالعلاقة بين السؤال والمعرفة، مشيرا الى أننا ” لا نستطيع التعرف على إيقاع الفكرة في هذا النص الا اهتداءً ببنية السؤال والبحث عن إجابة مستحيلة “(20)، ومنتهيا الى أنَّ ثمة توازيا بين الفكرة وتجلياتها النصية، وفي هذا التوازي بالذات يمكن – برأيه – تلمس الإيقاع الخاص للنص المذكور(21).
وعلى الرغم من أهمية الأفكار التي انطوى عليها جهد الدكتور الصكر في بحثه عن الإيقاع الداخلي للنصوص الأربعة، ولا سيما أنه استطاع أنْ يضع يده على خصائص نصية لا أحد يستطيع انكار دورها الفاعل في إنتاج شعرية النصوص التي قرأها، فإنه في الوقت نفسه لم يستطع أنْ يتوصل الى نتائج يمكن الاطمئنان إليها، أو أنْ يُثبت بالدليل القاطع انتظام هذه النصوص على بنية إيقاعية معينة، فهو في حقيقة الأمر لم يفعل شيئا سوى استثمار بعض مقولات أدونيس عن إيقاع قصيدة النثر، ومحاولة تطبيقها على النصوص المار ذكرها.
وفي مسعى مماثل لما وجدناه عند الدكتور الصكر، تأتي محاولة ناقد عراقي آخر هو الدكتور محمد صابر عبيد لدراسة الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر، وقد جاء جهده هذا ضمن دراسة مطولة سعى من خلالها الى تلمس البنيتين الإيقاعية والدلالية للقصيدة العربية الحديثة. وإذ يُقرُّ الدكتور عبيد بأنَّ ” قصيدة النثر خالية من الوزن الذي يقوم بهندسة الأرضية الموسيقية للقصيدة الحرة، وهي تفقد بذلك عنصرا من عناصر النجاح غاية في الأهمية “(22)، فإنه يؤكد من جهة ثانية، كسابقه، أنَّ هذه القصيدة تطمح الى ” تشكيل إيقاعها الخاص بالاستعاضة عن بحور الخليل (بانسجام داخلي) لا يفتأ يتجدد و لا يخضع الا لحركة الرؤيا والتجربة الشخصيتين “(23)، ولمعرفة أثر هذا الانسجام في إنتاج إيقاع قصيدة النثر يتوقف الناقد عند ثلاثة نصوص لثلاثة من شعرائها، ولعل من الجدير بالملاحظة أنَّ الشعراء الذين وقع عليهم الاختيار هم أنفسهم الذين اختارهم سابقه (الماغوط، وأنسي الحاج، وأدونيس).
وأول النصوص التي وقع عليها الاختيار هي قصيدة (رسالة الى القرية) لمحمد الماغوط، التي أشار الناقد الى أنَّ إيقاعها يقوم على براعة في التصوير واستخدام التشبيهات الصورية الطريفة، فضلا عن العفوية والتلقائية المدهشة(24). ومن هذه الملاحظة الأولية يبدو حديث الدكتور عبيد عن الإيقاع أكثر تساهلا من سابقه، فالبراعة في التصوير يمكن أنْ تعد معطى إيقاعيا في النص، وهكذا هو الحال مع استعمال التشبيهات الطريفة، والعفوية،  والتلقائية، وعلى هذا الأساس يصبح الحديث عن الإيقاع ممكنا ومشروعا في أي نص أدبي ما دامت تتوافر فيه العناصر المذكورة!
ولا أحسبنا نحيد عن الصواب إذا قلنا أنَّ إستراتيجية الناقد تكاد تقوم في مجملها على إقحام لفظة الإيقاع أو الموسيقى في كل حديث عن خاصية من خصائص النص التي يكتشفها أو يضع يده عليها بحيث أنَّ دلالة هذه اللفظة عنده تبدو مقاربة لدلالة مصطلح (الشعرية) ” بوصفها العلم الجديد الذي يكشف عن القوانين العامة للأدب ، من حيث هي قوانين محايثة تنتج عنها الأعمال الأدبية وتجليها في آن “(25)، وهكذا نجده يتحدث عن شاعر القصيدة الذي عمل على (موسقة الفكرة) التي أراد أنْ يعبر عنها (الغربة المزدوجة في المدينة) عبر تسلسل حكائي مبني على تتابع اللقطات التصويرية، وينبِّه الى أنَّ هذه اللقطات رسمت من خلال التشبيه الذي تتابعت أدواته (الكاف، مثل) بشكل لافت في النص، ثم الإشارة الى أنَّ هذه الأدوات تحقق نوعا من (التوازن الإيقاعي) بين المشبه والمشبه به، ثم بعد ذلك الحديث عن المتلقي ودوره في أنْ (يشكل إيقاعا) للقصيدة عبر تفاعل النص مع أحاسيسه ومشاعره(26).
وفي تحليله للمقطع الموسوم (استطراد رابع) من قصيدة أدونيس الطويلة (مفرد بصيغة الجمع) يحاول الدكتور عبيد التوقف عند جوانب صوتية يرى أنها تحققت بوساطة الزخم الفعلي الذي يوفر –  على حد قوله – إمكانية تطور درامي لحركة فعلية أو تقابلية ذات إيقاع متوازن، ويضيف أنَّ القصيدة تشتمل في مقطعها الصغير هذا على مساحات من البياض أو الفراغ، وهذا برأيه – أيضا – يوفر ايقاعا خاصا عبر توزيع سواد الكتابة بطريق مخالفة وغير مألوفة(27).
ويستمر الناقد في منهجه هذا، ويذكر، فضلا عما تقدم، أنَّ الصورة الشعرية التي اشتملت عليها القصيدة قُدمت ” بإيقاع جديد نابع من غرابتها وعمقها وقابليتها على الإدهاش “(28)، ويحاول بعد ذلك أنْ يتلمس بعدا إيقاعيا في المستوى الدلالي للنص، فيشير الى أنَّ ثمة تناوباً حاصلاً بين أفق الدلالة الموجب وأفق الدلالة السالب، وهذا التناوب يعمل – برأيه – على تشكيل تنوع حركي في الإيقاع(29).
أما قصيدة أنسي الحاج، وهي الثالثة التي تناولها الناقد، فقد جاء تحليله لـ (إيقاعها) بالطريقة نفسها التي اتبعها في النصين السابقين، إذ نراه يؤكد اشتمالها على (أنماط إيقاعية) من خلال (نبض اللقطات)، و(الجمل القصيرة جدا)، و(تنوع الأساليب اللغوية)، و( توزيع الكلمات)، و(ترددات الأصوات المتشابهة)، و(التكرار)، وغيرها(30).
من كل ما تقدم يتبين لنا بوضوح مدى توسع مفهوم الإيقاع عند الناقدين المذكورين وغيرهما من أنصار قصيدة النثر، وقد أشرنا من قبل الى أنَّ هذا التوسع بني على أساس الأفكار التي طرحها أدونيس في تنظيره لهذه القصيدة، فضلا عن استثمار مقولات عن أنماط إيقاعية كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، كإيقاع السرد وإيقاع الحوار، وإيقاع البياض، وإيقاع الأفكار(31).
ولم يكتفِ قسم من النقاد بالأنماط الإيقاعية المذكورة فراح يتحدث عن نمط آخر سمي بـ (الإيقاع البصري) أو( العروض البصري) الذي يرى الدكتور عبد الإله الصائغ أنَّه”يحوِّل الموجات البصرية الى موجات سمعية استنادا الى قدرة المتخيل على وضع التماثل في اللاتماثل “(32)، وفي محاولة منه لتحديد مسالك هذا النوع من الإيقاع يُشير الدكتور الصائغ الى عناصر كتابية، وصوتية، ودلالية، يمكن تلمسها في النص الشعري، وقد ذكر من هذه العناصر، التكرار البصري، والتكرار الدلالي، والاجتهاد في طول الشطر الشعري، وتصاقب ملفوظات الكلمات، والإيقاعات التلقائية، وغيرها(33). ومن الواضح أنَّ الاشتمال على هذه العناصر كلها يؤكد أنَّ مفهوم الإيقاع البصري لا يقل سعة عن مفهوم الإيقاع الداخلي، بل هو يكاد يكون مرادفا له، وكلا الإيقاعين مما لا يمكن قياسه أو تحديده بصورة واضحة، لأنه مرتبط ارتباطا وثيقا بفعل القراءة، وبمدى استعداد المتلقي للتعامل بإيجابية معه.
لقد حكمت الرؤية التي تقوم على توسيع مفهوم الإيقاع، وبشكل واضح، جهوداً نقدية لعدد آخر من الدارسين العراقيين الذين أخذوا يرددون: ” إنَّ الإيقاع معادلة عامة تشمل كافة مجالات الحياة(كذا)، بما فيها النشاط الأدبي، الذي ينضوي ضمنه، مجال رحب من الإيقاع النثري “(34) و” إنَّ الإيقاع في قصيدة النثر هو إيقاع مفتوح. بينما في القصيدة الموزونة مغلق “(35)، وفي كل مرة يحاول هؤلاء بيان هذا الإيقاع مستثمرين مقولات أدونيس التي أشرنا إليها فيما سبق، وبطريقة تكاد تكون آلية، مما أوقع بعضهم في أخطاء فادحة، وحسبنا أنْ نشير، لإثبات ذلك، الى استشهاد أحدهم بمقطع من  قصيدة (عبور الوادي الكبير) للشاعر سعدي يوسف لقياس ظاهرة التكرار التي عدها إحدى مكونات ما أسماه (الإيقاع الشكلي) في قصيدة النثر(36):
هاهي شمس القرى تمنح النخل غابا من الريش أحمر
ها هي شمس القرى تمنح النخل غابا
ها هي شمس القرى
ها هي..
ها هي..
ها…
هي…
ففي الوقت الذي ينصب فيه جهد الباحث المذكور على بيان أثر تكرار ضمير الغائب (هي)، وأثر الحذف الذي أخذ يتصاعد ابتداءً من السطر الثاني لتبدو القصيدة وكأنها(تأكل نفسها)(37)، نجده يغفل عن مظهر إيقاعي لا يمكن أنْ يختلف عليه اثنان، وهذا المظهر يتلخص في أنَّ القصيدة ليست قصيدة نثر بالمطلق، بل هي قصيدة موقَّعة أفاد الشاعر فيها من تقنية التداخل بين تفعيلات أكثر من بحر شعري في ظاهرة أصبحت شائعة في الشعر الحديث حتى تنبه لها أكثر من ناقد(38)،  وهذا ما سيتضح بعد تقطيع المقطع الذي استشهد به الباحث:
هَاهِيَ/ شَمْسُلْ/ قُرَى تَمْ/ نَحُنْنَخْ/ لَغَابَنْ/ مِنَرْرِيْ/ شِأحْمَرْ
فاعلُ / فاعلْ / فعولن  /فعولن / فعولن / فعولن  / فعولن
هاهيَ/  شمسلْ/ قرى تم/ نحننَخ/ لغابا
فاعلُ / فاعلْ  / فعولن  / فعولن / فعولن
ها هي/  شمسلْ/ قرى
فاعلُ  / فاعلْ /  فعو
ها هي..
فاعلُ
ها هي..
فاعلُ
ها…
فا
هي…
علُ
القصيدة إذن من الشعر الحر وهي تقوم على التداخل بين تفعيلتي المتدارك (فاعلن) والمتقارب (فعولن)، مع تنويع في الأضرب أجازه حتى المتشددون في تحديد معايير هذا النوع من الشعر، ومنهم نازك الملائكة(39)، وهذا ما كان غائبا عن الباحث الذي بدا مولعا ومأخوذا بترديد مقولات الآخرين حول نوع من الإيقاع كان وما زال مثار جدل كبير قد نجده محتدما حتى بين أنصار قصيدة النثر أنفسهم، ولا يهمه بعد ذلك ي أنْ يغض النظر عن إيقاع ظاهر لا خلاف عليه كالإيقاع الوزني الذي أثبتناه في القصيدة.
الهوامش:
1) في قصيدة النثر، مجلة (شعر): 75.
2) المصدر نفسه: 77.
3) ينظر: لن: 12.
4) في قصيدة النثر، مجلة (شعر): 80.
5 ) الشعر العربي الحديث/3، الشعر المعاصر، محمد بنيس، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2001م: 41.
6 ) ما لا تؤديه الصفة: 29-30.
7 ) إشكالية الحداثة في الشعر العربي الحديث: 110.
8 ) ما لا تؤديه الصفة: 37.
9 ) ما لا تؤديه الصفة: 32. و ينظر مصدره.
10) ينظر: المصدر نفسه: 28-29.
11 ) ما لا تؤديه الصفة: 31.
12 ) ينظر: المصدر نفسه: الصفحة نفسها.
13) ينظر: ما لا تؤديه الصفة: 38. و ينظر نص النفري في الصفحة نفسها.
14) المصدر نفسه: 40. وينظر نص القصيدة في الصفحة السابقة.
15 ) ينظر: المصدر نفسه: 40-41.
16) ينظر: مبادئ النقد الأدبي، رتشاردز، ترجمة مصطفى بدوي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1963م: 197.
17 ) ما لا تؤديه الصفة: 42. ويقارن بنص القصيدة في الصفحة السابقة.
18 ) ما لا تؤديه الصفة: 42.
19 ) المصدر نفسه: الصفحة نفسها.
20 ) المصدر نفسه: 44. وينظر نص أدونيس في الصفحة السابقة.
21 ) المصدر نفسه: الصفحة نفسها.
22) القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية و البنية الإيقاعية: 80.
23) المصدر نفسه: 72. وينظر مصدره.
24) ينظر: المصدر نفسه: 73. وينظر نص القصيدة في الصفحة نفسها والتي تليها.
25) نظريات معاصرة: 219.
26 ) ينظر: القصيدة العربية الحديثة بين البنية الإيقاعية البنية الدلالية: 75.
27) ينظر: المصدر نفسه: 77.
28 ) المصدر نفسه: الصفحة نفسها.
29) ينظر: المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
30) ينظر: القصيدة العربية الحديثة بين البنية الإيقاعية و البنية الدلالية: 79-80.
31 ) ينظر: المصدر نفسه: 38-56. و شعرية الإيقاع السمعي ونبوءة الرؤية الشعرية، د. محمد صابر عبيد، مجلة الأقلام، العدد الثالث، 2002م: 6.
32) دلالة المكان في قصيدة النثر: 19. و ينظر مصدره.
33 ) ينظر: المصدر نفسه: 19-26. و الإيقاعات التلقائية عند الناقد هي الإيقاعات الوزنية التي تأتي على نحو غير مقصود في النص الشعري.
34 ) البناء الفني في قصيدة الماغوط النثرية (أطروحة دكتوراه): 16. و ينظر: المصدر نفسه: 22، 27.
35 ) قصيدة النثر في الأدب العربي الحديث (رسالة ماجستير): 132.
36 ) ينظر: المصدر نفسه: 133. وينظر نص القصيدة في: الأعمال الشعرية، سعدي يوسف، المجلد الأول (الليالي كلها): 162-167. وجدير بالذكر أنَّ الباحث لم يكن موفقا في كثير من استشهاداته، إذ وقع اختياره في أكثر من مرة على نصوص ليست لها علاقة بقصيدة النثر، ففضلا عن قصيدة سعدي يوسف، يمكن أنْ نذكر قصيدة أخرى موزونة للشاعر نفسه، ونصوصا لجبران خليل جبران بعضها مكتوب أصلا بالإنكليزية، وغيرها. ينظر الصفحات: 109، 98، 91، 92، 68-69 على التوالي.
37 ) استعير هذا التعبير من إحدى قصائد الشاعر فاضل العزاوي. ينظر: سلاما أيتها الموجة سلاما أيها البحر، فاضل العزاوي، دار العودة، بيروت- لبنان، 1974م: 89.
38) ينظر: دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر، د. محسن اطيمش، دار الرشيد للنشر، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1982م: 285 وما بعدها. والقصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: 231 و ما بعدها.
39 ) ينظر: قضايا الشعر المعاصر: 23 و ما بعدها.

   (من الفصل الثاني من كتاب: محاكمة الخنثى)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.