وجدان عبد العزيز : قصة (إجهاض) بين المعنى التعييني والمعنى التأويلي

القصة بنية من الكلام تتكور حول مغزى يحاول الكاتب إيصاله للمتلقي وإذا ما حاولنا إشراك الكاتب في العملية الإنتاجية لهذه البنية ، نجد أن ثقافة ذلك الكاتب وخبرته وتجربته سواء في ساحات الحياة أو تجربته في الكتابة لها الأثر الذي يجعلنا بالتوصل وإياه إلى ذلك المغزى ، فالنص موضع التحليل لابد من وضع له ترتيبات إجرائية لعملية التحليل أولها ذلك الوصف المتضمن لموجهات القراءة ثم بعد ذلك تقطيع النص لوحدات قرائية بتتبع الأنساق المكونة للنص ، يقول بارت : ( النص سيقطع إلى سلسلة من شذرات قصيرة متجاورة ، ستسمى هنا وحدات قرائية لأنها وحدات القراءة . ولا بد من القول أن هذا التقطيع سيكون اعتباطيا تماما ولن يتضمن أي مسؤولية منهجية ، لأنه سيتناول الدال في حين أن التحليل المقترح سيتناول المدلول فحسب . وستشمل الوحدة القرائية تارة بضع كلمات وتارة أخرى بضع جمل ، فهي مسألة تتعلق بتسهيل المعالجة ، يكفي أن تكون الوحدة القرائية أفضل فضاء ممكن حيث يمكن معاينة المعاني ، وأن حجم تلك الوحدات المتحدد تجريبا وتخمينيا ، سيكون تابعا لكثافة الإيحاءات التي تتفاوت بحسب لحظات النص والمطلوب ببساطة هو أن لا تتضمن الوحدة على الأكثر سوى ثلاثة أو أربعة معان يجري تعدادها )* وحينما ندخل لقصة ( إجهاض ) للكاتبة فليحــة حسن ونتوغل في محتويات البنية العامة لها والمرتكزة على صراع الوجود والعدم نستطيع من خلال هذا أن نعثر لمحطة أولى في التحليل إلى ثلاثة أنساق قد تتفرع منها أنساق أخرى وهكذا الى مالانهاية ، ولكن في أولى هذه الأنساق والذي تمثل بالبنية الأجتماعية وأشارت لها الكاتبة بقولها :( فكيف لي وأنا المعيلة لهم أن أضيف فماً سادساً للأفواه التي أكدُّ في سبيل حصولها على ما تأكله)
وهذه الإشارة إحالة إلى صور الفقر والغنى وماراثون الحصول على الخبز ، إكسير الحياة  وتنشأ من خلال هذا الصراع البنية الصحية وسبل الخلاص من حمل تكوّن بدون إرادة وهو غير مرحب به نتيجة لصعوبة الحياة الإجتماعية والذي دفع ببطلة القصة محاولة التخلص من حملها بطريقة اضطرارية ، وهي عملية الإجهاض وبهذا فأن بنية العنونة عانقت المتن وافترشت بنيات النص الأخرى من البنية الإجتماعية إلى البنية الصحية التي نشأت بمخالفة المسار الصحي العام بواسطة الإجهاض إلى البنية النفسية التي تولدت كصور تعتري تلك الأمرأة والتي دخلت حيّز التنفيذ من خلال تناول الحبوب والأعمال المجهدة .. هذه الإشارات أكدت دخول المرأة عالم الخوف والمجهول حيث أشارت الكاتبة كراوي عليم بقولها : ( بعد برهة فتحت الباب وشعرتُ بوجود جسد طويل يحمل بيده رمحاً استلها ليغرسها في كتفي الأيسر، سقطتُ، اجتمع كل من كان في البيت واعني عائلتي وحملوني الى هناك) ومسار السرد أظهر لنا صراع المرأة بين الوجود والعدم وصراع الوليد أيضا الذي تداخل بطريقة فنية ليتوحد في الصراع الأساسي الذي أشرنا له حتى يكون النص متشكلا من تضافر وتشابك وإنجدال عدد من الأنساق لتكوين البنية العامة للقصة والتي سعت لها الكاتبة فليحة حسن حيث تحولت من المعنى التعييني كما يسميه بارت إلى النص الأدبي القائم على الإيحاء ، ففكرة الأجهاض تعنيني أقرتها اللغة المتداولة إلى فكرة صنعت منها الكاتبة نصا أدبيا قابل لتعدد القراءة مما يعطي لنا مسوغا لجعله نصا ثقافيا فيه روح لغة ثانية فيها متعة البحث والإكتشاف حاملا اشارات ايحائية كثيرة تتحقق كما قلنا من خلال تعدد القراءات المقصودة ( وهذا يعني أن المعنى المنتج لا يكون هو الذي فكر به المؤلف بل المعنى الذي يراه المتلقي ( القارئ ) عند ذاك يكون المعنى هو التعويض أو البديل ولم يحدث ما حدث الا نتيجة من نتائج عصر المتلقي كما سميّ )** وفي الثلث الأخير من القصة تكشف الكاتبة كلام افتراضي للطفل الذي حاولت الأم التخلص منه دون جدوى ونقلت عنه كلامه الغرائبي في بطن الأم ومن ثم اخراجه للوجود ونبوءة ، انه يكون قاصا وبالتالي فان القصة اجهاض هي من تأليف ذلك الوليد ومن المعنى التعييني الواضح يتخلق المعنى التأويلي من خلال تحليل النص إلى بنى وأنساق .

هوامش :
/ كتاب (التحليل النصي) رولان بارت ت:عبد الكبير الشرقاوي /دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر دمشق ـ سوريا ص13

/ كتاب (استرداد المعنى) عبدالعزيز إبراهيم / دار الشؤون الثقافية العامة بغداد ـ العراق ط1 2006م ص177

شاهد أيضاً

سميح صباع شاعر غادرنا قبل الأوان
انت حي بشعرك أيها الشاعر !!
نبيل عودة

تحل في هذه الأيام، الذكرى السنوية لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه، مخلفا …

عصمت دوسكي بين الإحساس والوجود
كلستان المرعي- سوريا

* نعلم أن العدالة مستحيلة في أوطاننا فوزعوا الظلم بالعدل . !! * غنى التشابيه …

المقولاتُ الكونيَّة الكبرى في شعر: د. ريكان إبراهيم

تسعى هذه المقاربة إلى استكناه المقولات الكونيَّة الكبرى في شعر د. ريكان إبراهيم التي وجدنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *