في ذكرى رحيله : ((أحماض الخوف؛أحماض الغريزة المميتة))

تحليل قصّة: ((أحماض الخوف)) للمبدع الراحل ((جليل القيسي))

حسين سرمك حسن – ناقد عراقي مقيم في دمشق
hussein_sarmakjalel_alqayse من وجهة نظري الشخصية ، وقد أكون مخطئاً ، أنّ المبدع ((جليل القيسي)) قد أضاع شوطاً طويلاً ومضنيا من مسيرته الإبداعية ، في إنجاز نصوص يمكن أن أصفها بـ ((الذهنية)) – في القصة القصيرة بشكل أساسي ، وفي النصوص المسرحية بشكل أقل – ، وهي النصوص التي يصوغها من أجل غاية أساسية هي استثمار ثقافته الأدبية العالية في ((تشخيص)) قناعات فكرية ورؤى أخلاقية وفلسفية من خلال استدعاء شخصيات من الأدب العالمي ؛ مؤلفون أو أبطال روايات معروفة لأولئك المؤلفين (أبطال دستويفسكي مثلاً) أو مقابلة شخصيات ورموز أسطورية معينة ، وإدارة حوارات طويلة معها يكون محورها موضوعات نظرية وإيديولوجية وفلسفية طرحها أولئك الكتاب في أعمالهم أو مناقشة الثيمات المركزية التي حفلت بها الأساطير التي يستعيد رموزها أو يرحل بذاته نحو أزمانها الغابرة ليكون بطلاً أساسياً في قصصه تلك . كنت اقرأ تلك القصص فأجدها ((عقلانية)) أكثر مما يجب ، و ((جافة)) لا يسري في عروقها نسغ العواطف الإنسانية واحتدام المشاعر البشرية وتصارع العلاقات الشخصية.كنت أراها أشبه بمرافعات فكرية ، واقرب إلى حوار مع شخوص متحف أدبي متخيّل منها إلى القصّة الإنسانية الساخنة المعيشة التي شكلت شخوصها من طينة المجتمع العراقي – طبعاً هذا لا يعني الدعوة إلى كتابة قصّة واقعية فجّة – .وقد قدمت أنموذجاً من هذا المنحنى في دراستي: ((صورة نادرة لجليل القيسي)) التي حللنا فيها قصّة القيسي ((صورة نادرة لفرانتس كافكا))التي يتصور فيها نفسه في زيارة إلى العاصمة ((براغ)) من أحل اللقاء بالكاتب الشهير الراحل((فرانتس كافكا)) ودخوله معه في حوار طويل عن العزلة والشهرة والتواضع وأخطاء العظماء التي تُغفر دائماً…الخ.
ولكن يبدو أنّ القيسي ، هذا المبدع المقتدر, قد تنبه الى هذا الأمر، وشعر بأهمية العودة الى نبع القصّة الذي لا ينضب ، نبع الواقع البالغ الثراء- وأؤكد من جديد على أنّ ليس المقصود من قولنا هذا الانتصار للمنهج الواقعي في الكتابة القصصية – عاد،وبإمكانياته المذهلة ، ليغادر الكتابة من ((الذاكرة)) وأرشيفها المنظم البارد،الى نحت المفردة وتشكيل الشخصيات والسلوكيات من لحم ودم اللغة بأنامله المقتدرة ، تحوّل من((الغاية)) النظرية ومسلّماتها المقرّرة التي تثير السأم والتي هي جديرة بمولع بالفلسفة أو بواعظ أدبي إذا جاز التعبير،الى((الوسيلة))وصراعاتها وإشكاليات الأرادات المتضادة وآلام المواقف المتخذة وتمزّقات النفس القلقة . وكنتاج لهذه العودة المباركة ، قدّم لنا القيسي واحدة من قصصه القصيرة الرائعة: ((أحماض الخوف)) والتي نشرها في صحيفة ((الأديب)) البغدادية العدد الثاني- يوم الأربعاء- 24/12/2003.

يستهل المبدع قصّته بالقول: ((قبل أن يهبط الظلام بدقائق،انتابتها حالة من الغمّ الشديد ، وكآبة لزجة حلّت محل ذاك الفرح الدبق المتأجج الذي ظلّ يهزّ جسدها منذ الظهيرة،عندما سمعت صوته الرقيق في الهاتف ، وهو يقول : سأكون عندك ليلاً . ذهبت على رؤوس أصابعها وأزاحت الستارة قليلاً من النافذة التي تطلّ على تقاطع ثلاثة شوارع. . ألقت نظرة هادئة حزينة الى السماء،وارتعشت بحزن عندما رأت الشيء نفسه منذ الظهيرة : دوّامات من الغبّار ، والمطر الذي راح يتساقط برفق تارة ، ثم بقوة كما لو أنّ يداً خرافية فتحت ملايين الحنفيات في السماء..عوت الرياح))….. وهكذا ، ومنذ الخطوة الأولى،يضعنا القاص في مركز الدوّامة المحيطة ببطلته التي أوجعتها لعبة الانتظار،ولا أجانب الصواب إذا قلت أنّ القاص ((جليل القيسي))هو المبدع العراقي الأول الذي تخصّص بـ ((أدب الانتظار)) إذا جاز التعبير . ففي قصصه ومسرحياته على حدّ سواء،هناك لعنة انتظار مديد ومتطاول يتقلب البطل على جمره الحارق ؛ انتظار موجع لغائب أصبح الأمل في عودته قصيّاً أو مستحيلاً.وفي كلّ حالة انتظار موجعة يتدخل القاص، وفي اللحظة الأخيرة ، ليجهض اللقاء المصيري ويدّمر كل شيء عن طريق الموت . وقد تناولنا الانتظار الفاجع في الأدب المسرحي لجليل القيسي في دراستنا : ((لقاءات المصير المُجهضة)) .أمّا في القصّ , فإنّ هذه القصّة : ((أحماض الخوف)) تشكل أنموذجاً فريداً ومتكاملاً لفرضيّتنا السابقة ،فها نحن نشارك المرأة قلق انتظارها لحبيبها الذي سيزورها ليلاً بعد انقطاع وغياب ،ولسنا وحدنا ، كقراء ، من يتعاطف معها في ذلك، فهناك ،قبلنا وأولى منّا بذلك،القاص الخالق الذي نعرف عنه أنه شديد التعاطف مع أبطاله،و((التوّحد)) بهم وتمثل آلامهم ، الى الحدّ الذي قد ينعكس على الصياغات اللغوية التي يسبكها للتعبير عن انفعالاتهم. فهو يقول-على سبيل المثال- في الاستهلال :
((..كآبة لزجة حلّت محل الفرح الدبق المتأجج الذي ظلّ يهز جسدها منذ الظهيرة….)) ومقابلة الكآبة((اللّزجة))بالفرح((الدبق))يربك الوقع النفسي للجملة لأنّه يجعل الاكتئاب الخانق مساويا ، في الطبيعة، للانشراح والفرح المرادف عادة للتخفّف والانتشاء وانفتاح الروح والأسارير،فعندما يكون الفرح دبقاً فأنّه يحمل سمة غير محبّبة من ناحية ولا يستطيع أن((يتأجج))ولا أن((يهزّ))جسد المرأة النشوانة بقرب الوصال.وليس مردّ هذا الارتباك في الوصف هو أنّ المبدع حاول تصوير((شدّة))حالة الفرح بصورة مساوية لـ((ثقل))حالة الاكتئاب حسب،بل لأنّه بيّت أمراً بليل التصميم المسبق للقصّة لا علاقة له بالمخزون والإمكانات اللغوية طبعاً بالنسبة لمبدع مقتدر مثل جليل القيسي . بعد سطور يعود القاص ليصف جانباً من معاناة المرأة وهي تشعر بأنّ الطرقات السريعة للمطر مسامير تنفذ في أذنها لأنّ هذا المطر الظالم سوف يحبط لقائها المنتظر بحبيبها فيقول:
((شعرت بحمّى حارة لزجة وألم راح يلامس قلبها ويهصره مثل يدٍ قاسية))…. ووصف الحمّى باللزوجة هو وصف دقيق وتام التعبير عن طبيعتها التي لابد أنّ كلاّ منا قد خبرها يوماً ما.
وهذه الحمّى الحارة تحيلنا،من جديد،الى حماسة المبدع لموضوعته المركزّية التي وضعها نصب عينيه والتي يسوق الوقائع لاهثاً للوصول الى النهاية المدمّرة التي رسمها سبقياً وهو يخطط التصميم الأولي لأحداث قصّته . ولو منح القيسي نفسه لحظة هدوء ومراجعة لوجد أن وصف ((الحمى الحارّة))هو تحصيل حاصل ، ومن الغريب أن يلجأ إليه مبدع مثله لأنّ الحمّى حارة بطبيعتها ، لكنه ولأسباب ستتجلى بصورة أكبر لاحقاً يحاول تجسيم وتضخيم معاناة بطلته والظروف السلبيّة المحيطة بها ، من أجل تحقيق أقصى استجابة صادمة في نفس المتلقي .
والحمّى((الحارّة)) اللزجة والألم الذي يصهر قلب المرأة قد نجما عن تظافر عوامل موضوعية وأخرى ذاتية ؛ فقد جنّت الطبيعة منذ أن اتصل بها حبيبها عند الظهيرة . لقد امتزج الغبار بالمطر ، وفاضت الشوارع بماء غريني..و((كانت ومضات البرق تمزّق أحشاء السماء بين حين وآخر وتكشف البنايات وهي مبلّلة ومستسلمة لظلام السماء ولشآبيب المطر،وصفعات الريح، وتموّجات الغبار))..لقد سقطت المدينة في قبضة الظلام.. وانقطعت الاتصالات الهاتفية ، وكل ذلك يعني أنّ حبيبها الذي وعدها بأن يزورها في بيتها بعد أن هجرها،بقسوة ، شهراً كاملاً،سوف لن يستطيع الإيفاء بوعده. ((مطر قوي وعنيد،وومضات سريعة من البرق،ورياح عاصفة مجنونة،هذه العناصر الغاضبة غيّرت أحلامها اللّذيذة التي منذ الظهيرة وهي تتفتح مثل براعم ربيعية في كلّ بوصة من جسدها))..ومن الطبيعي أن تتوقع هذه المرأة أن تعيق هذه الظروف القاسية حضور حبيبها وأن تزرع في داخلها الحزن والخوف الشديدين.ولكن هناك ما هو أهمّ من ظروف الخارج ويرتبط بطبيعة العلاقة بين المرأة وحبيبها من ناحية وعلى نحو أكثر دقّة بالتركيبة النفسية للمرأة من ناحية أخرى . فبالنسبة للعلاقة العاطفية بين الاثنين فإن ما أفصحت عنه المرأة في تداعياتها عن صلتها بحبيبها يكشف أمام النظرة الفاحصة المحلّلة أنّها علاقة((غير متكافئة)) نفسياً . فهناك اندفاع ملتهب من جانب المرأة: ((إلهي..آه..آه.. مجرد أن يلامس صوته طبلة أذني يجعلني اختلج بنشوة،برعدة مثل تيار لذيذ..آه..يا إلهي ، كم كنت أمور بالرغبة ، والشهوة تترجرج في داخلي.. أنظر الى هذا الليل المشدود خارج البيت ، أرهف سمعي علّي أسمع خطواته..آه..أصغر نأمة منه تملأني بنشوة مرتعشة،جامحة ، وأحياناً هستيرية..))..وهو اندفاع حارق وعاصف يجعلها تتساءل هي نفسها عن سرّه:
((إلهي، لماذا أحبّه بجنون،وأنا لا أفهمه ؟ كيف أفهم أعماق هذا الأديب الغامضة ؟ هناك دائماً فيضان من الأفكار في رأسه وروحه ، لكنني أحبّه..)) ولكنّنا ، ومن خلال تداعيات المرأة نفسها ، نجد البون شاسعاً بين موقفها الجامح وبين موقف ((حبيبها)) المتعالي والذي يتميّز بالبرود. هي نفسها تقرّ أمامنا بأنه يعاملها بالبرود((الانكليزي))ويستغل استسلامها ويمارس معها ، كعادته ، مزيداً من السادية . وحين تقارن ذاتها المنسحقة حبّا والمتلهفة لرؤيته بردود فعله ، نجدها تشكك في أن تكون لديه الاستجابة نفسها :
((قالت مع نفسها : إنّه الآن حتماً في البيت..ترى هل لديه في هذه اللحظات مشاعري نفسها ؟ أشك..))
ولعل من أكثر الأدلّة وضوحاً وإرباكاً في نفس الوقت هو أنّ الحبيب الكاتب قد اختار- وبعد غياب شهرين عن حبيبته – يوماً رهيباً عاصفاً ممطراً مرعداً ، مثل هذا اليوم كي يزورها ويصالحها. نقول وضوحاً بالنسبة للمراقب المحايد وللعاشقة المتيّمة لأن اختيار مثل هذا اليوم المجنون هو دليل على حرارة الحبّ ومصداقية النوايا العشقيّة ، وإرباكاً للناقد المحلّل الذي سيصدم باستنتاجاته العقل الآمن الذي ركن للمسلمات المقرّة ، وللعاشقة المتيّمة نفسها عندما يكرهها العذاب ورصّ الآلام والخيبات المتكرّرة على رفع نظارة الحبّ القاتمة التي تعمي البصر والبصيرة ولو للحظات ، للتفكّر في دوافع((بعض))مواقف المحبوب . وهذا هو حال هذه المرأة العاشقة التي تتساءل الآن ، وبشكل عابر ، عن السبب الذي جعل حبيبها يختار مثل هذا الطقس المرعب ليزورها بعد شهر من الهجران . إنّه اختيار يشرّف الشعور في غاياته الظاهرة ، ولكن اللاّشعور تحت أستاره ، وبمكر، يمرّر نواياه المسمومة . فطرف العلاقة الأول ،الرجل الكاتب ، يمارس تلاعبه السادي بأعصاب طرف العلاقة الثاني ، المرأة المتيّمة التي جعلها هذا الاختيار والتوقيت تتقلب على مسامير القلق والترقب :
((كانت السماء مغطاة بسحابة غبشاء تنذر بالمزيد من المطر القوي والمتواصل : لا..لا..أكيد لن يستطيع المجيء،ليته يتصل بي ، حلّ ظلام صبري..شعرت باكتئاب ثائر هادر وبكت بحرارة وهي تقول بصوت راعش : إنني خائفة..بكت أكثر لتخفف من لهيب توترها ، وقالت:أين عساي أن أهرب من الهروب الى هروب آخر،لم يقبل الحب بكلّ هذا الذلّ ؟ ))
وتساؤل المرأة الموجع الأخير : لم يقبل الحب بكلّ هذا الذلّ ؟ سينقلنا البحث عن إجابة شافية عنه الى ما سميّناه بالوضوح المُربك،وسيدفع بنا الى أنّ نرود مجاهل عميقة الغور في نفس هذه العاشقة . فهناك الكثير من الدلائل ،التي تمر سريعاً فيعزّ علينا التقاطها كقرّاء، دلائل تثير التعاطف، بل الشفقة أحياناً على هذه العاشقة الوحيدة الصابرة التي يتلاعب بوجودها ومشاعرها((كاتب حقيقي))اعتاد- كما تقول- في هكذا جوّ عاصف ممطر أن يهرب الى عوالم غريبة من الخيال . إنّها تزّين صورة مثالها المحبوب الذي استعبد أناها ولم يفكر حتى في أن يهاتفها ، وهي الوحيدة الخائفة، كي يطمئنها قبل أن تسبب العاصفة في انقطاع خطوط الهاتف . مقابل ذلك نجد المرأة التي كانت تشعر بكبرياء أنثى مجروحة المشاعر أنّ اتصالها به هاتفياً سيشكل ضرباً من الاستسلام ، وربّما يستغله ويمارس كعادته مزيداً من السادية والبرود((الانكليزي))معها ، تسحق أحاسيس كبريائها وترفع سماعة الهاتف في لحظة توهّج غريب وتقول باضطراب :
((يجب أن اهتف له . يجب . أريده بأيّ ثمن . أريد أن أسمع صوته . أنا خائفة . خائفة . أريده أن يجيء وإلاّ أفقد عقلي من الخوف!!))
وهي،وسط اشتعال مخاوفها ، لا تني تعيد مساءلة نفسها : لماذا تحبه بجنون ، وهي لا تفهمه ؟.لماذا بمجرد أن تسمع صوته ، تغفر له هجرانه ، لا مبالاته، عناده، صمته ، وتبرّر كل هفواته المتعمّدة ؟
إنها تحاول العثور على ذرائع ، مهما كانت متهافتة ، لتبرير قسوته وتماديه وهفواته ((المتعمّدة))من ناحية وتبعيّتها وانذلالها في مواقفها تجاهه من ناحية أخرى.فهي تعتقد أنّه كاتب كبير و((في قلب كلّ كاتب كبير تجتمع كل عيوب البشرية ومحاسنها ، كل عظمة الإنسان وبؤسه..))..تارة أخرى ترى أنّه عاشق استثنائي((يبحث عن السعادة المستحيلة،ويؤكد لها : ما قيمة السعادة العادية..سعادة القطيع))وأنّه أخذها الى حياة فيها أضواء كثيرة، و- يالها من معادلة – خسوفات كثيرة أيضاً . في لحظة تساؤل أخرى تحاول إلباس موقفها المنكسر لبوساً فكرياً يقابل بين سيكولوجية الأنوثة وسيكولوجية الذكورة فتقول: ((يا إلهي،لماذا نحن النساء جوهر حياتنا الحب ؛ الحب الذي يحفر بالأسيد في لحمنا ))..وقبل ذلك وضعت مقارنة بين حاله وحالها ، بين قلّة اهتمامه بها وتعاليه عليها في علاقتهما وبين محنتها في انتظارها المتطاول وولائها المستميت ، مقارنة لامست النواة الحسيّة ونزوعها نحو الإشباع ولكنها أجهضتها بسبب نزوعها نحو التبرير:
((إنه في هكذا جو يهرب مثل كل كاتب مبدع الى عوالم من الخيال،والأحلام،واللاواقع…وأنا في هذا الانتظار كأنثى رمالي المتحركة في عاطفتي الشديدة،في عمق حبي له،في عناقه،في قبلاته،في لغته التي عبرها يمنحني حياة لها مذاق الحياة فعلاً )) .
احتمالات متضاربة حيرى وذرائع متلاحقة هائمة لا تتيح لنا التقاط الدافع الحقيقي لهذه العلاقة غير المتوازنة.لكن كلّما كان الشعور مرتبكاً في تحديد أسباب اختياراته كلّما كان هذا الاختيار ليس من عندياته الأصلية ، وأنّ هناك((ماهو))لائب مكبوت خلف أستار اللاّشعور .المكبوت يبحث عن الإشباع ولا يجد فرصة للإفلات من قبضة الكبت والمرور أمام أنظار الرقابة إلاّ من خلال بلبلة الشعور وإرباكه بتضارب الاحتمالات وتصادم الذرائع . وشعور المتلقّي نفسه لا يستطيع حتى الآن الوقوف بثبات على سر هذه العلاقة غير المتكافئة ، فقد أحاطته المرأة العاشقة بتبريرات متضادة جعل إخراجها الجمالي على يدي القاص من الصعب حصر الدافع الأساسي ، بل – وهنا تتجلى عظمة الإبداع – دفعه الى مشاركة المرأة وجدانياً في محنتها، فقد غيّب القاص المقتدر انتباهة القاريء و” سحبه ” نفسيا ، وبهدوء ، ليتحرك مع المرأة العاشقة الممتحنة وهي تتحرك مرعوبة بين غرف البيت المظلمة .
لكن هل يعرف المبدع نفسه الدوافع الحقيقية للمرأة – بطلة قصته ؟
ليس من واجب المبدع أن يفسر . إنه يصف ويصوّر سلوكيات شخوصه وما يعتمل في أعماقهم . يغوص في ظلمات تلك الأعماق بلا وجل . يمزق أستار الشعور الخادعة ويكشف ما هو مكبوت ومقموع في أغوار اللاشعور ليشكله في صورة شخوص حيّة نتعاطف معها ونشاركها همومها ونشعر أنها جزء منا ، أو أنها تعكس جانبا مما نكبته نحن أنفسنا . إنه ينطلق من حفزة مكبوتة لديه هو ذاته ، ليقوم بتنكيرها وتمريرها ، والأهم مضاعفتها ، من خلال امتزاجها بحفزات الشخصيات التي يصممها والتي أثارته ، واقعية أو متخيلة . أي أن المؤلف لا يموت أبدا ، بل يتمظهر و ( يستحيل ) فيخدعنا بـ ( موته ) . وبالنسبة لنا ، كأناس عاديين ، فإن تلك الحفزات المكبوتة تربك حياتنا وقد تمرضنا وتوقعنا في براثن العصاب . لكن المبدع يستطيع الاقتراب منها والإمساك بها بجسارة زتقديمها بصورة جمالية خلاقة و ( مشخصنة ) في نتاجه الفني الآسر . وفي هذه القصة : ( أحماض الخوف ) مثلا ، يعلم القاص أن هناك دائما علاقات حب غير متوازنة ، فيها طرف يوقع العذاب وألم الانتظار في نفس طرف آخر يستقبل هذا العذاب بانتشاء متوتر ومضن وكأننا أمام حالة جدل هيغلي نفسي : طرف سادي / أطروحة نفسية + طرف مازوخي / طباق نفسي ، فينتج لنا ( تركيب ) نفسي علاقاتي تضيع في ثناياه سمات الطرفين المتفردة ، تركيب سادومازوخي مضلل يصعب فصل مكونيه . ومن البدهي أن نقول أننا كلنا نعرف ، مثل القاص ، أن هناك علاقات حب غير متوازنة ، لكن من منا يستطيع تشكيل و ( شخصنة ) الأطروحة والطباق النفسيين لانتاج المركب المغيّب بصورة متكررة لا تُمل ، نرى فيها أنفسنا ونفرغ من خلالها انفعالاتنا الحبيسة . نحن الآن متعاطفون مع المرأة المتيمة المحاصرة بالخوف والوحدة المفزعة ، لا يمر في أذهاننا – وحتى في ذهن المبدع أحيانا – أنها تسير ، ولو بارتباك – نحو تدمير ذاتها ، وأن تجربة الحب الرائعة القلقة هذه ، وموعد اليوم الجنوني هذا بالذات هو المدخل ( غير المقصود ) لتحقيق دمار الذات الكامل . إن مقتلنا يكمن ، دائما ، في المسالك التي نطلب فيها الحياة . علينا ، باستمرار ، أن نحذر الطرق الآمنة ، فخلف منعطفاتها ، يتربص الفارص الأسود ؛ غريزة الموت والعدوان .
تذهب المرأة العاشقة لاإراديا ، كما يقول القاص ، إلى النافذة ، ترنو طويلا إلى شآبيب المطر والبنايات ، بعد قليل وبحركات ميكانيكية ، ذهبت إلى النافذة الأخرى التي تطل على الحديقة .
زلّة سردية وقع فيها القاص :
قال القاص ، كما نقلنا عنه قبل قليل ، أن المرأة ذهبت بحركات ميكانيكية إلى النافذة التي تطل على الحديقة . هناك نفد صبرها وشعرت باكتئاب ثائر هادر وبكت بحرارة . لكن القاص يقول بعد قليل :
( ذهبت هذه المرة إلى النافذة التي تطل على لحديقة )
وهي زلة كتابة لا مجال لمعاملتها في منهجنا وفق منظور العفوية والتلقائية والنسيان البريء المنزه من أي قصد لاشعوري . القاص ، كما قلنا ، منفعل لانفعال بطلته ، ومشاعره متضاربة ومتضادة مثلها . وفي المرة الأولى عندما جعل المرأة تذهب إلى النافذة المطلة على الحديقة ، لم يكن هناك فارق في ( المنظور ) أو في المسار الحدثي في القصة . فمثلما وقفت عند النافذة المطلة على تقاطع الشوارع الثلاثة نظرت إلى السماء المكفهرة وشآبيب المطر واستعادت ذكرياتها المريرة مع حبيبها الكاتب . لكن بعد أن ذهبت في المرة الأولى إلى النافذة المطلة على الحديقة وبكت بحرارة ، بدأ القاص صفحة جديدة في مسار القصة ؛ صفحة تلاعب المحظور الجنسي ، تلاعبه بصورة مباشرة عبر استثارته من خلال عملية التحام بين هرّ وقطة في الحديقة ، لتشكل هذه العملية الحيوانية رمزا للرغبة الحارقة التي تعصف بكيان المرأة . ولأنه – أي القاص – هو الوحيد العالم بجبروت هذه الرغبة العاتية ، ولأنه ملتحم ببطلته بصدق وحرارة ، فقد أطل معها من خلال النافذة على الحديقة إطلالة اعتبرها الأولى ناسيا أنه كان قد أوصل بطلته قبل قليل إلى المكان نفسه .
ولأن القاص ، كما قلنا يصوّر ولا يفسّرر ، ويوحي ولا يقرّر ، فإنه يصور لنا شراسة الضغوط الجنسية التي تعاني منها لمرأة من خلال انفعالها بالمشهد الذي صمّمه لتراه من خلل النافذة المطلة على الحديقة :
( رأت هرّا يغازل قطة ، مواء هستيري لاستثارة الجسد للشهوة . أثارها المواء المتموّج للقطة . القطة تجيبها بمواء أقوى فيه لذة قوية وابتهاج متدفق . ثمة هلع بين الطرفين يغمر جسديهما . أطفأت الضوء وتركت الستارة تسقط ، وذهبت بعصبية إلى النافذة التي تطل على تقاطع الشوارع الثلاثة . رعد قوي ) .
لقد تفاقم توتر أعصابها الآن بفعل قلق النتظار والوحدة الموحشة وضغط الحفزات الجنسية الباحثة عن الإشباع ، والتي أجهها منظر المواقعة الحيوانية . لكن القاص المقتدر وهو يدخل المشهد الشهوي الحيواني ، لن يكتفي بجعله مرتكزا رمزيا يعبر عن الجوع الجنسي الهادر الذي يزعزع كيان المرأة المستوحدة وعن نداءات هذا الجوع في صورة زعيق الحيوانين الهستيري ، بل سيوسع استثمار هذا المشهد الرمزي ويوظفه من أجل طرح رؤية شاملة حول تصارع دوافع الموت مع دوافع الحياة داخل النفس البشرية ممثلة بالمرأة العاشقة من ناحية ، وتلاحمها المدمر في إطار العلاقات الإنسانية ممثلا بمشهد جديد يصمّمه القاص من ناحية أخرى . ويتفاعل هذان الجانبان وفق تصاعد درامي محكم ، وشديد التأثير استثمر فيه المبدع ثقافته السينمائية الواسعة كما هو معروف عنه . وبالمناسبة فقد سافر جليل القيسي في مقتبل شبابه إلى هوليود لغرض احتراف التمثيل ولم يفلح .
لا تستطيع المرأة – بسبب قلقها وغرائزها اللائبة ، أن تستقر في مكان واحد من بيتها ، وتنتقل من مكان إلى آخر ، لتستقر أخيرا عند النافذة المطلة على تقاطع الشوارع الثلاثة حيث تشاهد المشهد المرعب الجديد الذي رسمه القاص ببراعة . ففي الظلام الفحمي الذي اشتد بعد أن أطفئت مصابيح الشوارع ، وتحت ومضات البرق المتتالية ، وفي الشارع الغارق بالمياه ، رأت شبح رجل طويل وآخر أقصر في وضع عراك . ولأنها منشغلة حد الهوس بالموعد الذي ضربه لها حبيبها ، فقد عادت إلى الغرفة لتدقق في وجهها الحزين في المرآة . لكنها عادت ( لاإراديا ) – كما يقول القاص – إلى النافذة حيث شاهدت الرجلين يضربان بعضهما بعنف ووحشية ، كان أحدهما شاب والآخر نحيل طويل أشيب الشعر ، يكيلان اللكمات العنيفة لبعضهما ، فترتفع الآهات والصرخات المتوحشة ، فكيف كان رد فعل المرأة تجاه هذا المشهد المخيف ، في تلك الليلة المجنونة ؟ .
كانت ، وهو أمر غريب حقا ، مغيّبة بصورة شبه تامة ، منسحبة إلى عالمها الاخلي ، تستعيد اللحظات النابضة بالحب وانفجارات الأحلام مع حبيبها !! . يقول القاص :
( مرة أخرى ( بآلية ) ذهبت إلى النافذة التي تطل على الشارع . الرجلان مازالا في قتال وحشي . أخرج الرجل النحيف مدية ، لمع نصل المدية تحت مصباح الشارع ( لكن مصابيح الشارع أطفئت ! ) . هجم باندفاع نحو الشاب . الشاب ، بباطن يديه ، يحاول إبعاد الحركات اللولبية للمدية المتهورة . المدية ترتفع وتهبط مثل بندول سريع الحركة .. تتأرجح . الشاب يتراجع صارخا في الريح . المدية تدمي باطن كف الشاب ثم وجهه . عبثا يصرخ . تتزحلق قدمه اليمنى ثم اليسرى . يسقط في بركة الماء . الرجل النحيف يغرس مديته في صدر الشاب … ) .
.. والآن ، وفي هذه اللحظة الرهيبة ، كيف أصبحت استجابة المرأة ؟
من جديد ، وإنه لأمر غريب حقا أن تكون استجابتها ( معقلنة ) وباردة وذات طابع ( شعري ) لا يتناسب مع التأثير النفسي المخيف الذي تخلّفه جريمة قتل وحشية في وجدان وأعصاب من يشاهدها . فهي تسائل نفسها بهدوء وهي تشاهد الرجل النحيف يغرس مديته في صدر الشاب في معركة غير متكافئة :
( لماذا؟ هل كان الرجل لحظة غرس المدية في صدر الشاب في رحم الجنون ؟ في لحظة من الزمن المعطل ؟ أو تحت تأثير صعقة من مسّ عقلي غريب ؟ أو في تخاريف الجنون ؟ .. والشاب .. يا إلهي .. كيف تلقى لحظات الصلب الأليمة ؟ ) . ثم تطلق صرخة مكتومة وهي تراقب الحركات الأخيرة للشاب وهو يموت فتقول : ( ربّاه ، أفي مثل هذا الزمهرير ، والعاصفة يقتل إنسان شابا ؟
إنطفأت الأضواء ، مرة أخرى قالت يصوت مخنوق :
– لقد مات الشاب .. لماذا قتله ؟
منظره وهو ممدد في البركة ذكرها بأفلام الحرب ، قالت :
– سيبقى ممددا تحت المطر حتى الصباح ) .
وبدلا من أن تهرع إلى جهاز الهاتف لإخبار رجال الشرطة ، بعد أن أصبحت الشاهدة الوحيدة على الجريمة ، نجدها تسارع مذعورة للاتصال بحبيبها تحت غطاء أنها ستفقد عقلها من الخوف إن لم يحضر . هنا ينصب اللاشعور – أو أنه نصب فعلا – مصائده الماكرة التي قد تكون مميتة في بعض الحالات . يتحرك الشعور وفق اختيار تبدو عليه المنطقية والعقلانية ، فالاتصال بالحبيب ، في الظاهر ، هو اختيار ، من بين اختيارات أخرى ، قد يوفر لها المساندة المطلوبة في موقف مدوّخ كهذا . لكن ، وتحت أستار هذا القرار العقلاني ، قد تتخفى بدهاء ، دوافع اللاشعور . فمع الاشتباك العنيف بين الرجلين والضربات الوحشية ، كانت المرأة تستمع لمواء القطة الموجع ، وهو رمز نداء غريزتها الموجع ، نداء ممزق وحيواني الطابع ، لكنه بالنسبة للمرأة بلا رجاء وبلا أمل . إنها تلوب وتشترك مع القطة في قوة النداء وشدّة إلحاحه ، ولكنها تختلف عنها في أن صيحتها هي صيحة حرمان أصبح شديد العنف ، لأن طاقة القلق والخوف قد انضافت وبقسوة إلى طاقة الرغبة الجنسية المحبطة . وعندما مات الشاب وشاهدته ممدا في البركة تحت المطر ، سمعت مواء موجعا وطويلا للقطة . وهذا المواء الآن ، ليس نداء في الخارج موازيا لزعقات النفس الممزقة في الداخل ؛ إنه نداؤها الفذ بطابعه الغريب في لحظتها الراهنة . فقد ( شعرت ( لاإراديا ) بتوهج غريب في جسدها ورعدة في رأسها . قالت ياضطراب : يجب أن أهتف له .. أريده بأي ثمن .. أما خائفة .. رفعت سماعة الهاتف : العاصفة عطّلت خطوط الهاتف … ) .
الشعور يرتجف مأخوذا ، واللاشعور يتلمظ .. ونوشك أن نستعيد حكاية الثمرة المحرمة من زاوية جديدة ولكن شديدة التعقيد وإن تكن بجوهر مماثل . فأعظم لذة تحققها قوى الحياة ، تحصل تحت رقابة قوى الموت ومع زخمها . الحياة بليدة وذات ملامح كسولة ، لكنها تتألق وتشتعل حيوية عندما يقترب منها شبح الموت . وما مواء القطة الموجع إلا هتاف الذروة الناجمة عن أقصى درجات امتزاج الألم باللذة ، ليكون الناتج ( تركيبا ) لذّيا غير مسبوق . وهاهي دوافع الحياة ودوافع الموت تلتحم في أعماق المرأة المهيأة أصلا بحكم تركيبتها المازوخية لاستقبال ( تركيب ) من قوّة مدمرة غريبة .. ومجنونة .. نابعة من الداخل ستمزق وجودها مثلما مزّقت العاصفة الطبيعة في هذا اليوم المجنون . فالرعد والبرق والعاصفة وطوفان الأمطار والجريمة التي تجري في الخارج ، هي صورة سبقية مسقطة للرعد والبرق والعاصفة وطوفان الغرائز الذي يكتسح كل شيء في ( الداخل ) ليمهد لـ ( الجريمة ) التي ينسج اللاشعور مصيدتها من خيوط الدولفع السادومازوخية . وكل ذلك يتم ( لاإراديا ) و ( آليا ) و باستيجابات ( ميكانيكية ) و( جون قصد ظاهر ) . وهي الأوصاف التي قدمها القاص لأفعال المرأة ووضعناها بين أقواس منطلقين من أطروحة التحليل النفسي في أن أبسط الأفعال والتصرفات التي تبدو بلا معنى شعوريا في الظاهر تحمل مقاصد لاشعورية خطيرة في الباطن . وها هي المرأة بعد أن تأكدت من عطل الهاتف : ( مرة أخرى ، وبنفس حركاتها ( الآلية ) ذهبت إلى النافذة . كانت أضواء الشارع كامدة بلون البرتقال الذابل . كانت الجثة ممددة في البركة تحت المطر ، وبقية نصل المدية تلمع فوق الصدر الخامد . عاد الرجل . انحنى وسحب المدية من صدر الشاب . غسل المدية في بركة الماء . هرب الرجل النحيف بعد أن ألقى نظرة باتجاه النافذة ، واختفى في زقاق مظلم ) .
لقد وضعنا صفة ( الآلية ) بين قوسين من عندنا ، كما هو الحال مع المفردات السابقة التي قد يُفهم منها البواعث التلقائية واللاقصدية . بالنسبة لنا نرى أن كل أفعال المرأة ( اللاإرادية ) هي أفعال مقصودة صمّمها اللاشعور من وراء ستار ، صممها بهدوء وبأنامل حاذقة وسط دخان الخوف والعزلة ومشهد الجريمة الدامي الذي زلزل كيان المرأة ، ووسط عواصف وأحداث تلك الليلة المشؤومة وإيقاعها المجنون سيبدو للمراقب المحايد أن هذه المرأة ستكون ضحية أقدار جائرة مرسومة في لوح ( الغيب ) . ولكن لو راجعنا الحوادث ( القدرية ) التي أصابتنا في حياتنا وقصمت ظهور أعمارنا ، وحللناها بهدوء وعمق وفق معطيات علم نفس الأعماق ، لوجدنا أن أغلب هذه الأقدار والحوادث المصيرية ، قد أسهمنا نحن ( دون أن نعلم ) و ( من دون قصد ) و ( لاإراديا ) في رسم مساراتها وصياغة أشكالها المهلكة . ولا نجانب الصواب إذا قلنا أن مصائرنا مرسومة في لوح لاشعورنا الذي هو لوح غيب لأننا نجهله ، ولأن شعورنا المتنفج يجعلنا نشعر بأننا ( نعلم ) كل شيء ، في حين أننا لا نعلم أي شيء أو النزر اليسير المموّه عن الأشياء التي تجري في حياتنا الباطنة .
وصاحبتنا المتيمة الهائمة المرعوبة تتنقل ( لاإراديا ) و ( آليا ) و ( ميكانيكيا ) من مكان إلى آخر ، ومن نافذة إلى أخرى في بيتها ، دون أن تشعر ، ولو للحظة واحدة ، بالقوة ( القدرية ) التي كانت تسوقها ، مغيبة البصر والبصيرة ، إلى مصير فاجع ودموي . وهذا التغييب معقد ومركب بحيث أنه ضرب غشاوة على بصرها وبصيرتها . فلو عدنا إلى اللحظات التي أعقبت مراقبة المرأة للحركات الأخيرة للضحية / الشاب وهو يموت والمدية مغروسة في صدرلو عدنا إلى اللحظات التي أعقبت مراقبة المرأة للحركات الأخيرة للضحية / الشاب وهو يموت والمدية مغروسة في صدره ، فسنجد أن القاتل / الرجل الطويل قد أرسل نظرة طويلة باتجاه النافذة التي كانت تقف عندها ولوّح بيده ، أي أن القاتل قد شاهدها كشاهدة على جريمته ، ولابد أن يعمد إلى تصفيتها . ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل عادت من جديد لتتابع تفاصيل الجريمة من خلال النافذة ، فرأت القاتل يسحب المدية من صدر الشاب ….. وقبل كل ذلك لم تضع المرأة في حسابها ، وهي تقف عند النافذة تتابع الجريمة ، أي احتمال أن المجرم قد يشاهدها . وحتى بع أن شاهدها لم تفكر بالقيام بأي فعل تحسبي أو عمل يجهض ما قد يقوم به المجرم .
وقفة بسيطة :
————
عُرف عن المبدع جليل القيسي دقته في انتقاء المفردات ، وفي سبك الجمل المتماسكة. لكننا ، وفي هذا المشهد ، نجده يقول :
( سحب المدية من صدر الشاب ، غسل المدية في بركة الماء ) وهي جملة مترهلة ، وكان بإمكانه أن يقول : ( سحب المدية من صدر الشاب وغسلها في بركة الماء ) دون الوقوع في هذا التكرار الذي أضعف بلاغة الجملة . وهناك تكرارات ونقاط رخاوة أخرى قد تعود إلى انفعال المبدع بوقائع قصته . وقد يكون هذا التوكيد نوعا من ( المشاركة النشطة ) والفاعلة في إكمال جريمة القتل التي برع القاص في وصف دقائقها و ( تصوير ) الفعل السادي للقاتل .
… شاهدت المرأة القاتل يسحب الدمية من صدر الشاب ثم يهرب بعد أن ألقى نظرة باتجاه النافذة . أي أن القاتل قد شاهدها للمرة الثانية . فلماذا لم تتحسّب لهذا الأمر الخطير ، كونها الشاهدة الوحيدة على جريمة قتل عرف مقترفها هويتها ومكانها ؟ لماذا لم تتخذ أي إجراء احترازي لحماية نفسها ؟ كيف اطمأنت ، وببساطة ، إلى أن القاتل الذي نفذ الجريمة البشعة بهدوء ، حتى أنه غسل المدية بالماء ووضعها في جيب ( دشداشته ) ، لن يعمد إلى تصفية الشاهد الوحيد على فعلته النكراء ؟ .
استمرت صاحبتنا في ( عماها النفسي – psychological blindness )، لا ( ترى ) على مسرح ذهنها أي متغيرات سوى الإصرار المتصلب على التعامل مع فكرة واحدة فقط ، فكرة متسلطة ، وقسرية استولت على عقلها وأزاحت كل شيء من طريقها ، حتى الأفكار المرتبطة بالبقاء والسلامة الشخصية ، وديمومة الوجود الشخصي ؛ وهي فكرة اللقاء بحبيبها وإطفاء جذوة الغريزة المشتعلة .
يرن جرس الباب وسط دوي الرعد وتشظي الومضات المتتالية للبرق ، واشتداد عواء الريح ، ومشهد القتل مازال طريا . إنها مساقة بقوة غاشمة نحو اللقاء المصيري . تفكر ، فقط ، في الكيفية التي سيلامس صوت حبيبها طبلة أذنها ، فيجعلها تختلج بنشوة وبرعدة مثل بتيار لذيذ ( ويبدو هذا وكأنه وصف لعملية جنسية !! ) . تفكر في أن أصغر نأمة منه تملأها بنشوة مرتعشة ، جامحة ، وأحيانا هستيرية . والغريب أيضا هو أنها ، قبل وقت بسيط ، تعتقد أن حبيبها لن يأتي في هذا الجو المجنون ، بل فوق ذلك ، كانت مقتنعة بأن حبيبها قد اختار هذا اليوم الرهيب لكي يجد عذرا يتعلل به لعدم الحضور للقائها . لكنها ، الآن ، تقفز متحمسة وتصيح بهوس :
( جالا يا حبيبي .. حالا ..
كانت متشظية الذهن ، مضطربة ، سعيدة إلى درجة الذهول ، مضببة البصر ، تردّد بصوت فرح وسعيد : لحظة يا عزيزي ..
فتحت الباب بسرعة وهي تقول : إذهب إلى غرفتي بسرعة ، فيها دفء جيد . لقد هيأت لك كل شيء ..
دخل ودفع الباب خلفه بقوة . عندما رأته في الغرفة أطلقت صرخة مخنوقة وقالت :
لا .. لا .. من أنت ؟ ماذا تريد ؟
مسكها بقوة من رسغها ، وأخذها بامتداد الغرفة . كانت تتبعه بخوف وذلّ الشاة أمام الذئب . ترك رسغها . ركضت إلى زاوية بعيدة ، ووقفت ترتجف مثل عصفور مبلل ، وتردد بصوت مخنوق : أرجوك ، أرجوك ، ماذا تريد ؟ من أنت ؟ ) .
… والآن : أوصلها ( قدرها ) المرسوم في ( لوح غيب ) لاشعورها إلى الحلقة الختامية من مصيرها الفاجع ، الذي خطت بداياته هي من خلال الروح المازوخية التي وسمت علاقتها بحبيبها ، والتي صاغت ذروة هائلة لها في هذا اليوم المجنون ، الذي يعبر جنونه عن استفحال دوافع الموت في الخارج والداخل ، خصوصا دوافع تدمير الذات وخروجها عن نطاق أي سيطرة شعورية . ها هي المرأة الآن في غرفة واحدة مع القاتل ، الذي جاء ليصفي حسابه معها بصفتها الشاهدة الوحيدة . لقد فتحت الباب لهذا ( الزائر ) من دون أن نسأل من الطارق ، أو تتريّث قليلا لتسمع صوته ،ومن دون أن تدقق في ملامحه أو هيأته عند الباب ( وهو الذي يرتدي دشداشة !! ) . ببساطة وفرح أوصلته إلى غرفة نومها . وعلى الرغم من أنها قد شاهدت جريمة القتل وتأملتها مليا وطويلا ، وشاهدت على الأقل ، الملامح الخارجية للقاتل ( بدشداشته وكونه نحيل وطويل وأشيب الشعر ) فإنها لم ( تسجل ) هذه الملامح في ذاكرتها ووقفت أمامه ( محتارة ) تسأل نفسها في خوف شديد عمّن يكون ، وكيف ولماذا اختار بيتها بالذات ، في حين أن كل معطيات تسلسل وقائع هذه الليلة تفرض عليها أن تكون متحسبة وقادرة على تمييز أوصاف الرجل القاتل فورا . على العكس من ذلك ، وإمعانا في إحكام المأزق المحيط بالذات ، نجدها تضع افتراضات إيجابية عن هوية الرجل ( فتعطّل ) بذلك ردّ الفعل المناسب تجاه الموقف المرعب :
( من يدري ، ربما أنه إنسان طيب كريم السجايا ، اضطر بسبب العاصفة والجوع أن يدخل البيت ) .
وحين نتفحص ملامح ومظهر هذا الرجل ، سنجد أنها كلها تشير إلى أنه أبله حقيقي كما يقول القاص . فقد كان واقفا كالتمثال ، مبللا بالطين والمطر ، دشداشته مهلهلة ، فتحتي أنفه مسدودتين بالمخاط الذي تيبس شريط منه فوق شاربه الأبيض الكث . كان يشن المخاط مثل طفل صغير . ومثل هذا الأنموذج يتطلب معاملة خاصة تهدّئه ولا تستثيره . وقد أدركت المرأة ذلك فقررت أن تتماسك وتسيطر على أعصابها ولا تستفزه . لكن يبدو نها لا تستطيع أن تفي بوعدها لنفسها ( هل سنقول أن هذا هو قدرها ؟ ) ، فلم تكن قادرة عل السيطرة على انفعالها و ( عدوانها ) المقابل . كانت قدرات القاتل العقلية محدودة ، ولم يكن يردد أمامها سوى كلمة واحدة هي ( أنت .. أنت ) ، بصورة مضطربة وانفجارية أحيانا تعكس اضطرابه النفسي . ومع ذلك نجد المرأة تصفه ب_ ( الأخرس ) :
( لاحظت من خلال عينيه الصغيرتين أن كلماتها الأخيرة دفعته إلى حالة نفسية جامحة ، وتشوه منظر وجهه وأصبح فمه جافا ) .
وكلما عاهدت نفسها على التريث والهدوء وإزجاء المداهنة ، تنفلت أعصابها وتقول أشياء تشعل انفعاله :
( قالت بصوت خافت متضرّع :
لماذا لا تتكلم ؟ هل تسمح لي أن أغادر البيت وتتصرف كما تشاء ؟ أنت مريض ؟ جائع ؟ مجنون ؟
شاط وجهه احمرارا ، عندما سمع كلمة مجنون ، وتقدم خطوة إلى الأمام ) .
وحتى قبيل اللحظة المأساوية الأخيرة تصر على وصفه بالمضطرب وغير المتوازن ، فيطلق في وجهها عبارته الوحيدة : ( أنت الوحيدة التي رأتني أقتل ذاك الشاب . كنت خلف النافذة طوال الوقت تراقبينني ) ثم يهجم عليها بغتة وبحركة سريعة يغرس المدية في بطنها عدة مرات ، وهو يردد بصوت مثل فحيح الأفعى : ( القاتل لا يرغب أبدا أن تتقلب أفكاره ليل نهار ، عكسا وطردا ، بخصوص قضية حساسة بين هذا الشاهد وذاك ) .
وحين نراجع وحين نتأمل التبرير الأخير الذي قاله القاتل لقتله المرأة ، سنجد وبوضوح ، أن القاص قد دخل بنفسه الآن إلى ساحة القصة بعد أن كان متخفيا خلف شخوصها ، فطبيعة هذا التبرير ، وبناؤه اللفظي وبنيته البلاغية لا تناسب أبدا أبلها حقييا كما وصف الكاتب القاتل . لقد اقتحم القاص عالم القصة بشكل سافر ، ليضع كلاما ذا مضمون نفسي و ( فلسفي ) على لسان قاتل أبله تيبس المخاط على شاربه ويشنه مثل طفل صغير . ولكن القاص منفعل برؤياه بحق ، وملتحم بشخوصه بصدق وحرارة ، وقد صمم وقائع هذه القصة المحتدمة كلها من أجل أن يتوجها بلحظة التنوير هذه ، والتي سيستكملها بعد قليل . فهذه اللحظة التي قام فيها القاتل الأبله بقتل المرأة ( بسادية قاتل عديم الشفقة ، وبشعور بتألق وحشي جذلان ، اشتمله إحساس القتلة المحترفين ) ، تعبر عن الحزم الصارم الذي تمتاز به غريزة العدوان ، بعد أن تزيح ، وإلى الأبد ، أذرع غريزة الحب التي قد تحاول التعلق بها . وفي ذلك إشارة مستترة إلى ا، الحبيب الكاتب هو بالنسبة لقاتل أبله أشد سوءا وعدوانا في علاقته بالمرأة حيث وضعها ، بمساهمة فاعلة منها طبعا ، في عذاب متواصل . إن ( التركيب ) الذي سيطر على حياة المرأة العاشقة ( التركيب السادومازوخي الناجم عن تعالقات دوافع الموت والحياة ) قد حطم وجودها لأنه جعل التردد والصراع المؤلم بين الإقدام والإحجام ، بين الإقبال والغدبار ، وما يتضمنه من خسائر نفسية ، يعتقل إرادتها ويشل الفعل المبادر في تعاملاتها العاطفية . نعم ، لقد تردد اقاتل للحظات بعدما قالت له المرأة : ( أفي هذا العمر تتصرف مثل الوحش ؟ ألا تشعر بالخزي ؟ ) وأسبل جفنيه وتنهد بعمق . ربما استشعر أحاسيس الخزي والكمد . لكنه سرعان ما حسم الأمر بطعنات مديته المميتة . يبدو أن اختلاجة قلب أو نأمة أسى ، عامل شديد التعطيل والتشويش على إرادة التدمير . لقد حاولت المرأة الغنكار ، لكن تردد القاتل وتقلب أفكاره بين هذا الشاهد وذاك ، يسلبه سمته الحاسمة والأساسية ، ويضعه في النهاية ، وإن عن طريق المغايرة ، في نفس موضع المرأة ( الإنساني ) الذي ذاقت منه الأمرّين وتقلبت على ألسنة نيرانه طويلا .
وقد يعتقد القاريء أن القاص قد نسي أو أهمل استثمار الدلالات الرمزية لمشهد القطة والهر الذي حمّله معان عميقة سابقا . فقد قطع شوطا طويلا من السرد دون أن يستعيده . لكن أمرا مثل هذا لا يمكن أن يحصل مع مبدع مقتدر مثل جليل القيسي ، فالآن والمرأة تهوي ميتة على الأرض ، ( خيم صمت قبري لدقائق شقّه فجأة مواء حارق ومتتالي للقطة ، أعقبه مواء أكثر عنفا وعنادا للهر ) . لقد مزق هذا الزعيق الحيواني أستار الصمت الذي حل بعد الموت ليعلن ديمومة هذا الصراع الأبدي بين الموت والحياة ، بل اشتباكهما الخلاق الذي يجسده فعل الحيوانين حيث تمتزج اللذة بالألم . هذا الاشتباك هو الذي يمنح حياة الإنسان بهاءها ، في الوقت نفسه الذي يقودها فيه إلى العذاب والخراب . ومن بين معاني فعل الحيوانين ، فوق امتزاج حفزات الألم بحفزات اللذة ، يتجسد فعل ( الإغتصاب ) المبارك إذا جاز التعبير ، وهي صورة مصغرة لكنها ليست بعيدة عن أي علاقة حب وتحديدا حين تغيب وعي الإنسان وتقوده إلى الخراب ، وهو ما وسم علاقة المرأة المتيمة بحبيبها المتعالي ، سسواء في التوقيت أو في طبيعة الفعل . لكن هذه العملية تجري الآن بمباركة المرأة / الضحية اللاشعورية لأذى جلّادها الذي يتلذذ بعذابها بروح سادية تفصلها خطوات بسيطة عن روح القاتل الأبله . وهذه الضحية أشقاها عقلها / شعورها الذي جعلها تعتقد أنها ( تعلم ) كل شيء وقادرة على التحكم بكل شيء يتعلق بحياتها ومصيرها ، في الوقت الذي كان فيه ( لوح الغيب / لاشعورها ) – القدر المجنون ، ينسج ( بحكمته ) المصيدة العنكبوتية لجريمة قتل الذات ، وإن جرى التنفيذ على يدي ( آخر ) جاءت به ( المصادفة ) في تلك الليلة ( المجنونة ) . وقد يكون تدمير الذات منطويا ، في جانب منه ، على تدمير المحبوب ( المتعالي ) الذي احتوته الذات طويلا وأمعن في عذابها طويلا أيضا . وقد يكون هذا واحدا من الاحتمالات النهائية التي ستشغل أذهاننا لمدة ، بفعل النهاية المفتوحة التي رسمها الكاتب لقصته حين تصبح واقعا فعليا . فبعد أن قتل الرجل الأبله المرأة ، غادر الغرفة باتجاه الباب الخارجي .. و .. , ( مصادفة ) كما يقول القاص : ( ارتفع رنين متتالي للجرس الخارجي .. رنين متتالي . صمت .. هيفاء .. هيفاء . صوت رعد قوي وزخات مطر قوية ..وصوت الرجل يردد : هيفاء .. هيفاء .. مواء حاد صفيري للهرّ يختلط بمواء القطة ) .
قد تكون من الدروس الأخلاقية التي أراد القاص توصيلها للمتلقي هو أن إنشغال أي منا بأنانية رغباته – مثلما حصل للمرأة المنشغلة بموعدها مع حبيبها وعدم اتصالها بالشرطة – لا يعني أنه سيكون بمنأى عن مدّ الموت الجارف ، مثلما قد يتمثل – وعلى طريقة دستويفسكي في ( الجريمة والعقاب ) – بدرس وجودي ( وهو يفيد رجال السياسة أيما فائدة ) يتمثل في أن الدم لا يولد إلا الدم ، وأن مجرد كسرنا حاجز حرمة الحياة مرة واحدة بفعل دموي واحد يعني عدم التوقف حيث قتل المجرم الشاب ثم المرأة وسيقتل حبيبها . فغريزة الموت عمياء ، لذلك يكون مسارها أيسر من غريزة الحياة المبصرة . ولكن الدرس الأكبر الذي يقدمه جليل القيسي ، وهي الخلاصة التي تتفق مع فلسفته الإبداعية منذ مجموعته الأولى : ( صهيل المارة حول العالم ) – هو أننا ضحايا لعبة مجنونة اسمها ( الحياة ) .. نحياها بشقاء وتوتر في قبضة خراب لا منطق لها ..يتساوى فيها الأمير والفقير حسب وصف جلجامش ( ألا يتساوى الأمير والفقير في حضرة الردى ) .. وأن أبسط الكائنات ( القطط مثلا ) هي أكثر راحة منا .. فقد استمر الهر والقطة في فعلهما الجنسي الشرس تحت المطر والرعد والعواصف .. ولا موت أو قتل أو صراع غرائز .. والأهم لا إبداع ولا هم يحزنون .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.