رحلتم.. عليكم لعنة الله ايها الخنازير الغزاة.. حسين سرمك حسن : العرس الأميركي الوحشي

هناك الكثير من المشاهد والمواقف التي نطالعها في الفن القصص والروائي فترسخ في ذاكرتنا وتعلق بأذهاننا فلا نمل من استعادتها أو مراجعتها، وفوق ذلك نجد أنفسنا، مع كل استعادة أو مراجعة، نكتشف أشياء جديدة أكثر ثراءً وغزارة بالمعاني الجمالية والنفسية. وما هذا الثراء المتجدد إلا تعبير عن قدرة المبدع الفائقة على الالتحام بالحياة وتماهيه مع شخوصه لتجسيد أدق انفعالاتهم. من هذه المشاهد المشهد الذي يتفسخ فيه جسد الأب (زوسيما) وتخرج الديدان منه في الأخوة (كرامازوف) لدستويفسكي، والموقف الذي تضطجع فيه (إيما بوفاري) على السرير منتظرة عشيقها والكيفية التي تضع فيها الوردة بين نهديها، والجولة التي يدور فيها بطل (ماركيز) في (أحداث موت معلن) على الأبواب المغلقة وهو يمسك بأمعائه التي مزقتها الطعنات ممزوجة بالبراز، ووصف (يوسف إدريس) الكيفية التي تلد فيها بطلة روايته (الحرام) جنينها المحرّم ثم مرضها وهذيانها، والكيفية التي ترتدي بها بطلة قصة (المئذنة) (لمحمد خضير) ملابسها أم المرآة قبل انطلاقها إلى المبغى القديم ولحظات انفعال (منيرة) بطلة رواية (الرجع البعيد) (لفؤاد التكرلي) وهي تفكر بالانتحار وحوارها المدمر مع (مدحت).. وغيرها. قبل سنوات قرأت رواية (العرس الوحشي) للروائي الفرنسي (يان كيفليك) والذي نال جائزة غونكور للأدب وحظي بلقب (فوكنر الفرنسي) كما ذكرت ذلك مترجمة الرواية القديرة (ميسون ضياء أبو الحب) في تقديمها للرواية، في هذه الرواية مشهد لا ينسى يتمثل في سادية ثلاثة جنود أمريكيين يقومون باغتصاب (نيكول) المراهقة الفرنسية ببشاعة في قاعدة للجيش الأمريكي تم إخلاؤها من فرنسا. كانت في الثالثة عشر من عمرها، بريئة وجميلة تظاهر الجندي الأمريكي (ويل) بأنه يحبها، ولأنه سيغادر فرنسا بعد يومين فقد أعلن أمامها عن رغبته في الزواج منها وبأنه سيعود لأخذها. أقنعها بصعوبة بأن القاعدة الملغاة ستقيم حفلا كبيراً وطلب منها أن تحضر كصديقة له، صدقته المراهقة المسكينة المتيمة، وذهبت معه إلى القلعة الخاوية، وهناك يقدم لنا الكاتب (يان كيفيليك) واحداً من أفظع المشاهد التي تكشف سادية الجنود الأمريكيين وروحهم العدوانية التي لا تعرف الرحمة. (أدار ويل حاكياً كانت ذراعه في وضع الانتظار قد ثبت سلفاً على أسطوانة حزينة (لفرانك سيناترا)، جالت عيناه الخضراوان بشراهة على جسد الفتاة  المراهقة وهما تعبران عن رغبة فاضحة جداً دفعت الفتاة إلى الإبقاء على ذراعيها متشابكتين. أطلق (ويل) صفيراً مقيتاً: اجلسي يا حبيبتي ولا تخافي). ترددت (نيكول) المذهولة أمام صناديق العتاد وهي تخشى على ثوبها من التجعد. (اجلسي على السرير، السرير هو المكان الذي يجب أن تذهبي إليه يا حبيبتي، أتشعرين بالعطش؟ – لا يا (ويل)، شكراً – لا تعاود الشرب ثانية. – بل سأشرب، وستشربين أنتِ أيضاً معي يا حبيبتي). أطلق ضحكة فاجرة وراح يتمايل في مكانه ثم طوقها بعنف، وبصق في وجهها!! وعيناه غائرتان وأمرها (اشربي). أمسك برقبتها وحاول وضع فم الزجاجة داخل فمها فقاومت بخوف وهلع كانت من الشدة حتى أنها أدت إلى انسكاب الكحول على ثوبها. ثم قفزت إلى الباب وهي تصرخ، وما أن أدارت المقبض حتى جذبها من شعرها وتراجع بسرعة وألقى بها إلى السرير. صرخت بأعلى صوتها فصفعها (ستغلقين فمك، وستشربين) ثم أغرقها بالويسكي من قمة رأسها حتى أخمص قدميها. اختنقت فحاولت أن تخربشه بأظافرها وأن تهرب (ستتوقفين عن الزعيق وإلا..) وكان قد أشعل ولاعته فشاهدت (نيكول) بعينين جاحظتين خصلات شعرها التي يقطر منها الويسكي وهي تحترق. ضج (ويل) بالضحك فتحولت النظرة في تلك العينين الخضراوين إلى رصاص، انتزع خصلة أخرى من الشعر الأشقر وراح يحرقها بين أصابعه، حاولت الهرب من جديد إلا أنها كانت تترنح رعباً فسقطت وسلخت ركبتيها. عاجلها بركلة من قدمه ثم ارتمى فوقها على أطرافه الأربعة وهو يلهث. أذى شفتيها المضمومتين وهو يحاول إجبارها على احتساء الشراب غير آبه باصطدام فم الزجاجة بأسنانها. وكان يعج بالضحك كلما رآها تختنق. (لا.. يا ويل.. لا) وكانت تلك هي الكلمات الوحيدة التي استطاعت أن تتلفظ بها في تلك الليلة، وكانت الأخيرة أيضاً. صمّ أذنيه عن سماع صرخات الألم وأغمض عينيه عن رؤية دموعها وكانت الدماء تنـزف من فمها ومن جسمها حين سحبها إلى السرير. (أيتها الفرنسية الصغيرة العزيزة) ثم توجه إلى الباب وصرخ في وجه الظلام الذي كان يهبط، (هيا، أيها الشباب). وعلى إثر ندائه، يأتي الجنديان (الدو) و(سام) وهما مع (ويل) الوحيدان اللذان بقيا في القاعدة الملغاة. وتستمر فصول المأساة، يجلب (ويل) ديكاً يخنقه فوق (نيكول) ولا يرخي قبضته إلى أن يشاهد الدفق الأحمر يغطي منقاره المشرئب إلى أمام ثم يكسر بيضة بإبهامه فوقها ويجلس الثلاثة لأكل البيض المقلي بكل برود والضحية الصغيرة ممزقة الروح والجسد و: (عندما طلعت الشمس كان العنف قد اختفى ولم يبق ما يجمع بين الرجال الثلاثة وضحيتهم غير غمامة اللوم. كان البحر قد التزم الصمت ولم يكن يسمع غير خشخشة ذارع الحاكي التي وصلت نهاية دربها، وكانت رائحة طعام عفن تفسد الهواء.. أما (نيكول) التي كانت ما تزال محتفظة بإحدى فردتي حذائها الأسود فراحت تتأمل بعينين نصف مغمضتين طلاء الصدأ المتآكل في السقف، دون أن ترى شيئاً). (تقدم سام منها ليداعبها ثم غمغم بصوت غبي (دم)، وكرر (دم). بدا منتشياً وهو يقلب يده تحت المصباح، كما لو أن دم الاغتصاب من الذهب الخالص، قبل أصابعه ثم هز رأسه ملتذاً وردد من جديد (دم) ثم راح يلون وجهه على طريقة الهنود…)) .. ثم يواصل الروائي عرض فصول هذه المأساة الدامية ببراعة هائلة.. إلى أن يختمها بمفارقة تقطع القلب وتوضح البون الشاسع بين تطلع المراهقة الرومانسي الحالم في علاقتها بالجندي الأمريكي وبين حيوانية الأخير الكريهة حيث يهجم (ويل) على (نيكول) ويمسك بحقيبتها اليدوية: (نقود، نقودك يا مومسي الصغيرة) ومن الحقيبة، سقطت صورة (لنيكول) في لباس البحر خط عليها: إلى (ويل) مع حبي إلى الأبد). لم يجعل الروائي عملية الاغتصاب محوراً للمشهد الروائي، بل جعل – وهنا يتألق فعل الفن – الجو الموصل إليها والتفصيلات المحيطة بها هي مركز السرد وبؤرة الصف. عينا الوحش الخضراوان اللتان تعلقت بهما الصبية العاشقة واللتان تحولتا إلى رصاص ثم إلى بقعة من الوحل هي التي تعكس مراحل انفعال الضحية. هذا الانفعال المدمر الذي تتشارك معه الأشياء والموجودات. الديك الذي يخنق والبيضة التي تكسر على الجسد الجريح.. ومع قرب نهاية الفاجعة يلتزم البحر بالصمت ويفسد الطعام ويخمد صوت الحاكي.. والضحية تحتفظ بفردة حذائها الوحيدة وهو الحذاء الذي اختلسته من خزانة أمها لتبدو أكبر من عمرها. مشهد العرس الوحشي هذا لا يمكن نسيانه أبداً بسبب عامل آخر مهم، فالروائي المجيد لا ينشر المشاهد والمواقف في روايته كيف شاء، إن كل مشهد يكون حلقة ضمن سلسلة حلقات محكمة الارتباط كي يحافظ على وحدة وقائع روايته. وأعظم المشاهد هو المشهد – المفتاح، أم الحوادث التي تنطلق منها وتعود إليها مسارات سلوكيات شخوص الرواية، تنطلق منها بقوة دفع الواقعة التي غالباً ما تكون واقعة موت وخراب لتشكل الأفعال والمشاعر وتصوغ العلاقات ثم تعود لتتغذى منها بشحنة العدوان كلما أوشكت طاقة التأثير والتأثر الانفعال على النضوب ليقود الروائي – من جديد – شخوصه المركزيين عبر مسارات خراب جديدة. وهذا ما فعله (يان كيفليك) في عرسه الوحشي. ستحل اللعنة على حياة الضحية (نيكول) وكل من يرتبط بها، أمها وأبوها، العجوز الذي ستتزوجه في محاولة يائسة للخلاص، خالتها التي تحاول إنقاذ مولودها السفاح وغيرهم. لكن الأهم هو الدمار الذي سيعصف بحياتها وحياة وليدها (لودو) حتى النهاية. لن تستطيع أن نخلع من ذاكرتنا تلك المحاولات الآثمة التي تحاول بها الأم وابنتها الضحية إسقاط الجنين المحرم أو خنقه… وكل شيء ينطلق من ذاك المشهد – المفتاح ويعود إليه – من هذا المشهد يحدد الروائي فلسفته المتمثلة في أن العدوان لا ينجب إلا ضحية أخرى. (نيكول) تحاول حتى قتل ابنها السفاح فهي تكرهه وترفضه بقسوة. هذا الموقف الرافض ومعاملة الجنين البشعة جعلته يصاب بمرض نفسي خطير هو أقرب إلى الجنون.. لكنه لم ينسه شيئاً واحداً هو بحاجة إليه، ألا وهو حب الأم وحنانها.. ولكن من أين ستقدم له أمه الحب وقد سلبها الجندي الأمريكي كل قدرة على التعاطف وزرع في أحشائها بذرة عدوانه السوداء، لقد خرب عالمها وزرع في كل قلب سماً زعافاً.. اقترف الجندي الأمريكي جريمته ورحل.. لكن شبح ساديته أبى الرحيل وظل غرابه المقيت يحوم فوق رأس (نيكول) الهاربة من غيلات فاجعتها وابنها المتصدع الهارب نحوها حتى يسدل الروائي ستارة الختام السوداء بمشهد نهائي فاجع لا يقل هولاً عن مشهد البداية حيث تعثر الأم الصغيرة على ابنها المعذب الهارب من مصحة الأمراض العقلية بعد إحراقها منـزوياً في حطام سفينة متآكلة على ساحل البحر. ولا حل أمام الصبي وسط عالم معاد بأكمله، سوى حل أخير يتكفل به الموت نفسه، فردوس البائسين المطرودين، فيخنق أمه ويهوي بها وهو يحتضنها بحنان إلى جوف البحر المظلم.
هذا هو العرس الأمريكي الوحشي الذي جربوه في فرنسا وفيتنام.. وأبي غريب..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

2 تعليقان

  1. عذاب الركابي

    الصديق الكاتب والناقد المبدع د. حسين سرمك حسن .. تحية وتقدير .. لقد أجدت .. سلمت أصابعك الودودة وهي تنثرُ في دروبنا هذهِ اللآليء المضيئة .. هذه المشاعر التي تعجز عن القبض عليها الكلمات بالرغم من بلاغتها الجميلة .. ( رحلتم عليكم اللعنة .. أيها الخنازير ) كانَ ملفاً رائعاً .. وضرورياً فكل كلمة فيه .. وكل دمعة فرح وحرقة من هؤلاء الكتاب الرائعين المبجلين هي حزمة ضوء في طريق العراق الجديد .. هي شجرة كرامة بثمرها ..وعصافيرها ..وأفيائها .. شكراً لك أيها الوفي – عذاب الركابي

  2. شكرا لأخي الأستاذ المبدع “عذاب الركابي” على ثقته ولطفه، هو العراقي الغيور الذي جبل من تراب الديوانية المقدس وفراتها الطهور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.