ناطق خلوصي : ليلة رأس السنة

تأخرتا !
تجاوزت الساعة الواحدة ظهرا ً ولم تعودا بعد ، والمكان ليس ببعيد فساوره شيء من القلق .التقط هاتفه النقال  وأوشك  أن يضغط على زر الاتصال حين سمع وقع أقدام يقترب . نهض من مكانه في غرفة النوم وصار في الهول الداخلي  وجها ً لوجه معهما. وقف  مبهورا ً وهو يراها بتسريحة شعرها الجديدة لكنه عاجلها بالقول معاتبا ً :
ــ  تأخرتما كثيرا ً . تجاوزت الساعة الواحدة .
ردّت بعدم ارتياح وهي تسير صوب غرفة النوم :
ــ ماذا نفعل ؟ رأت ابنتك . كان الزحام شديدا ً .
قالت ابنته :
ــ حقا ً يا أبي . كان الزحام شديدا ً حتى انني لم أجد فرصة لتصفيف شعري .
غمغم عن عدم رضا :
ــ لقد انتقلت الينا عدوى الاحتفال بأعياد رأس السنة !
تضاحكت ابنته :
ــ المهم ان أمي عادت إليك عروسا ً هذا اليوم !
تضاحك هو الآخر :
ــ انها عروس حتى وإن لم تذهب الى صالون حلاقة .
بلغها ما قال وهي مازالت تستبدل ثيابها فابتسمت لكن وجهها ما لبث أن اكفهر عندما سمعته يقول :
ــ لكن ما الفائدة ؟ ان تصفيفة الشعر هذه وكل هذه الزينة ليست لي .
تساءلت ابنته محتجة ً :
ــ لمن إذن ؟
قال :
ــ لا أدري . اسأليها هي فقد تخبرك . انها تتكتم معي وتخفي عني بعض الأشياء .
استدرك :
ــ لعلها مدعوة الى حفلة عرس هذا المساء او الى سهرة رأس السنة هذه الليلة .
ضحكت ابنته وصاحت وهي تقترب من باب الغرفة :
ــ أ سمعتِ ما يقوله أبي يا أمي ؟

ردّت وقد أوشكت أن تنتهي من استبدال ثيابها :
ــ دعيه يقول ما يحلو له .
تجاهل ما سمع . قال لابنته :
ــ اذهبي يا ابنتي الى بيتك حيث ينتظرك زوجك وطفلك ولابد ان الجوع قد أمضّ بهما مثلما أمضّ بي .
صاحت من الغرفة :
ــ لا تدعها تخرج . سأجهز الغداء بعد قليل .
قالت الابنة وهي تستدير لتخرج :
ــ شكرا ً يا امي . انهما في انتظاري كما يقول أبي . لقد تأخرت عليهما حقا ً .
دفع ظلفة باب الغرفة ودخل . قالت بنبرة لا تخفي انزعاجها :
ــ لكأنك طردت ابنتك حين طلبت منها ان تذهب الى بيتها .
صمتت لحظة  وأردفت تقول :
ــ ثم ما هذا الكلام الذي تفوهت به أمامها ؟

اتجه نحو سرير النوم :
ــ لم أقل إلا الحقيقة .
لم تشأ أن تناكده وتزيد من مستوى الشكوك التي تستبد به هذه الأيام منذ أن حلّ ابن عمها ، وهو قريبه أيضا ً، ضيفا ً عليهم قبل أكثر من اسبوع  .  قالت وهي تخرج :
ــ على أية حال سأذهب الى المطبخ .
رأته ينظر الى ساعته . قالت :
ــ لا تنظر الى ساعتك . الغداء جاهز ولا يحتاج إلا لبعض التسخين  .
استلقى على السرير . انه في حالة عدم ارتياح حقا .ً لقد فرض على نفسه  حالة اقامة جبرية في البيت منذ جاء ابن العم الذي كان قد قال انه سيمكث عندهم يوما ً أو يومين لا أكثر قبل أن يجد فندقا  يليق به ، لكن يبدو ان المقام طاب له هنا ، فها ان أكثر من اسبوع  مر دون ان يظهر ما يشي برغبته في المغادرة . قد يمكث أكثر من شهر فهو جاء لتصفية ما تبقى من الأملاك التي لا يعرف أحد كيف حصل عليها . كان الناس يتضورون جوعا ً في أيام الحصار وهو منشغل بشراء العقارات . قد تستنزف تصفية الأملاك هذه  اجازة الشهر التي حصل عليها بشق الأنفس . انه ليس مطمئنا ً من ضيفه فهو زير نساء كما يعرف وإن كان يكبره ببضع سنوات  وفي وسامته وعسل كلامه ما يجعله محط اهتمام النساء ، وحتى القريبات ، اللاتي لا يخفي اعجابه واهتمامه بهن لاسيما الجميلات  مثل زوجته التي قد تحل بها لعنة الجسد وتنساق وراء غواية هذا القادم بعد  سنوات غياب ، مثقلا ً بشبق  تتجلى ملامحه في نظراته وكلماته الماجنة وحكايات شخص ممسوخ ومحموم بالجنس  ، جاء الى بلاده من غربته ليوظف خبرته فيها ، ليس في مجال من مجالات العلوم او التكنولوجيا أو في مجال من مجالات الاستثماروانما في الأكثر ضعة ً من مجالات الابتذال  . من حقه أن يضع زوجته تحت رقابة صارمة بعد أن لاحظ ان ابن عمها لا يتورع عن النظر اليها نظرة متوله حتى في حضوره وقد تنبه الى ان زوجته رفعت الكلفة بينها وبينه ربما لأنها بدأت تضعف أمام اغراء وسامته ولسانه المعسول أو لأنها تجد في طبيعة علاقة القرابة الحميمة به ما يتيح لها ذلك . لا يدري على وجه التحديد .
جاءه صوتها من المطبخ يدعوه لتناول الغداء .
جلس قبالتها حول المائدة الصغيرة وصار يتأملها  دون أن يخفي اعجابه . انتبهت اليه وهو يفعل ذلك . قالت :
ــ هل أعجبتك التسريحة ؟
رد على عجل :
ــ جدا .ً لقد أعادتك عشر سنوات الى الوراء .
صمت لحظة وما لبث أن أردف يقول :
ــ  ولكن ما الذي جعلك تتذكرين صالون الحلاقة هذا اليوم  على وجه التحديد بعد أن نسيته منذ زمن ؟
قالت وكانا يلوكان الطعام ببطء :
ــ ألا يسرك أن أفعل ذلك ؟
ــ يسرني بالتأكيد . ولكن ربما وجدت من يلومك على إهمال نفسك فحفزك ذلك !
وجمت لحظة ثم قالت على عجل :
ــ لا أحد على الاطلاق . انها محض رغبة شخصية مني .
أربكها أن يقول :
ــ ستديرين رأس ابن العم هذا اليوم !
قالت دون أن تخفي انفعالها :
ــ ولماذا ادير رأسه ؟
ــ انه معجب بك وسيزداد اعجابا ً حين يراك وانت بهذه التسريحة . الم تنتبهي الى انه  ينظر اليك وكأنه يريد التهامك بعينيه ؟
احتد صوتها قليلا ً :
ــ لماذا تقول هذا ؟ هل أنا أجمل من النساء اللاتي تركهن وراءه ؟
ــ ربما يراك أجمل الآن ، لاسيما وانت ترفعين الكلفة بينك وبينه .
ــ ماذا تقصد برفع الكلفة ؟
ــ تجلسين أمامه حاسرة الراس وانتِ بثياب البيت وحتى بثياب النوم  أحيانا ً.
احتد صوتها من جديد :
ــ هل نسيت انني ابنة عمه وهو أقرب الناس اليّ ؟
ــ أعرف وأعرف أيضا ً ان ثمة نساء لا يقابلن حتى آبائهن دون أن يغطين رؤوسهن .
ــ هل يعني هذا انك تريد أن أتحجب أمامه ؟ أو ربما أن أتحجب أمامك أيضا !
ــ وماذا في ذلك ؟ الحشمة مطلوبة .
أدار وجهه عنها ليخفي ظلال ابتسامة صغيرة .  لم يكن يعني في قرارة نفسه ما يقول فما قاله انما هو ابن لحظته انساب على لسانه  ربما ليناكدها به.غمغمت :
ــ لم أكن أعرف انك متخلف الى هذا الحد . أين أفكارك التقدمية إذن ؟
ــ انها لا تتعارض  مع ضرورات الحشمة .
سادت لحظات صمت قطعها قوله وهو يحاول ان ينحرف بالحديث الى اتجاه آخر :
ــ كم كلفتك التسريحة؟
ردّت باقتضاب :
ــ خمسة .
ــ رخيصة . هي وصبغ الشعر؟
ــ لا .. اشتريت الصبغ على حسابي .
ــ ومع ذلك تظل رخيصة . لا أدري لماذا أبقوا تسعيرة تصفيف الشعر واطئة مع ان كل شيء تضاعف سعره إلا الانسان .
بدت كأنها تحاول التخفيف من غلواء تذمره وشكوكه :
ــ كيف وجدت طبخة هذا اليوم ؟
ــ لذيذة ورائعة . كل شيء فيك رائع لولا ….
قالت على عجل :
ــ لولا ماذا ؟
قال وهو ينهض :
ــ لاشيء . مجرد زلة لسان .
سبقها الى غرفة النوم وحين جاءت قال :
ــ  لم أسمع رنين هاتفك النقال هذا اليوم !
ــ نفد الرصيد منذ عصر أمس .
ــ ولماذا لم تخبريني ؟ أم ان هناك من وعدك بأن يأتيك بـ “كارت ” ونسي .
ــ لم أشأ أن ازعجك .
ــ أي كلام هذا ؟ من المسؤول عن ذلك في المرات السابقة ؟ على أية حال إليّ به .
ــ أفي هذا الوقت والجو البارد ؟
ــ لا يهم . لا يصح ان تبقي دون هاتف هذا اليوم أيضا ً .
اختطف الهاتف من يدها واحتمى بمعطفه وتابعته ببصر قلق وهو يخرج . قالت لنفسها : أيكون محقا ً في شكوكه بابن العم ؟ منذ جاء وهو يرثي لحالها .. يعبـّر عن أسفه لأنها تدفن نفسها في وحل هذا الوسط بعيدا ً عن مرابع الترف في ذلك العالم الذي ينفتح على آفاق الرفاه والتقدم . في كل مكالمة يزيّن لها نمط الحياة التي يعيشها هناك وكأنه يريد أن يغريها بمرافقته  . يلح في ذلك الى الحد الذي جعل قناعاتها الحالية تكاد تتزعزع . كأنه يمارس عملية غسل دماغ لها  . تلوم أباها الراحل الآن لأنه كان قد أصر على عدم الموافقة على زواجها منه حين تقدم منها وهي في السادسة عشرة معللا ً ذلك بأنه لا يطمئن اليه . وهاهو صوته يرن في أذنها : ” صحيح انه ابن أخي   ، لكنني لا أرتاح له . أكاد أقول انه مشبوه لا أعرف طبيعة الجهات التي يرتبط بها ولا مصدر الأموال التي تتجمع لديه يوما ً بعد آخر . ” حقا ً من أين جمع ثروته التي هرّبها وهرب معها في أواسط سنوات الحصار ، ليستقر هناك ، بعيدا ً في ذلك البلد الأوربي دون أن يعرف أحد عنه شيئا َ ؟  يظل مع ذلك رجلا ً يملأ العين إذا ما قورن بزوجها الذي يكبرها  بعشر سنوات  وهي تقترب من الأربعين محتفظة ً بما تتوافر عليه من بقايا جمال  يأسر ابن عمها أو أنه يتظاهر بذلك لغاية ما . هل ستضعف وتنساق وراءه ؟ لا تدري حتى الآن ، لكن ثمة إحساسا ً غامضا ً وغريبا ً ينمو في داخلها هذه الأيام بشكل خاص .
اشترى كارت رصيد من محل قريب وعاد فجلس على كرسي في الطارمة الأمامية وصار ينشغل بتعبئته . عنّ له بعد ذلك ان يتفحص الهاتف وهاله ما وجد . قرأ احدى رسائله اليها . أليس من حقه أن يشك إذن ؟
كان قد اشترى لها الهاتف قبل وقت قصير ولم تتعرف بعد تماما ً على آليات عمله لذلك لم تعمد الى مسح المكالمات أو الرسائل الواردة والصادرة أو لعلها نسيت أو تكاسلت أن تفعل ذلك . لابد انها وابن عمها كانا يستغلان فرصة غيابه عن البيت ساعة ً ضحى كل يوم يذهب خلالها للتسوق ، فيتبادلان المكالمات !
لينهض . قد تستبطئه وتساورها الشكوك . حين صار في غرفة النوم ، رآها تستلقي على السرير واجمة ً بعض الشيء . ناولها الهاتف فتلقفته شاكرة ً ووضعته على المنضدة الصغيرة المجاورة لرأس السرير القريب منها . استلقى الى جوارها عاقدا ً العزم على أن لا يتسرب شيء من الغضب الذي تملـّكه وهو في الطارمة . قالت متوددة :
ــ لقد أتعبت نفسك من أجلي .
ــ لا أبدا ً . انه أمر بسيط ، فأنت تستأهلين أكثر من ذلك .
فجأة رن ّ الهاتف فالتقطته وقفزت من السرير وغادرت الغرفة على عجل . لم يساوره الشك في ان المكالمة من ابن العم . غابت قليلا ً وعادت وعلى وجهها بقايا ابتسامة . قالت وهي تستلقي الى جواره :
ــ انه ابن العم .
واكتفت بذلك ولم يشأ ان يسألها عن سر المكالمة أو فحواها  لكنه قال لها وكأنه فوجىء بالمكالمة :
ــ هل تتبادلان المكالمات ؟
قالت مرتبكة ً :
ــ في مرات قليلة . لقد أخذ رقم هاتفي احتياطا ً للطوارىء .
ابتسم :
ــ أتدرين انه لم يكلمني في يوم من الأيام ، بل انه لم يأخذ رقم هاتفي على الاطلاق ؟
ردت وهي تداري شعورا ً بالاحراج :
ــ ربما اكتفى برقم هاتفي . ما الفرق بيني وبينك ؟
ــ لا فرق بالتأكيد .
قال وهو يحاول ان ينهي الحديث عن الهاتف لكي لا يفلت من بين شفتيه ما يشي بأنه اكتشف سرالمكالمات  :
ــ اريد ان أنام القيلولة لساعتين في الأقل لأن أمامي سهرة هذه الليلة .
أفزعها قوله فقالت على عجل دون أن تخفي عدم ارتياحها :
ــ أية سهرة ؟ سهرة رأس السنة ؟
ــ لا .
ــ إذن ؟
ــ سهرة مع الكومبيوتر .
ــ ما حاجتك للسهر معه ؟ ألست مجازا ً من الدائرة ؟
ــ نعم ، لكن صلتي بعملي في الدائرة ما تزال قائمةً . كلفوني هذا اليوم بمتابعة موضوع يخص طبيعة عملها .
رأى وجهها يشحب وسمعها تقول بما يقرب من الهمس :
ــ ولماذا لا تقوم بهذا العمل الآن لترتاح ليلا ً ؟
قال متوددا ًوقد استيقظ الشك في داخله :
ــ انت تعرفين ان الجلوس الى الكومبيوتر ليس هيـّنا ً . انه يتطلب صفاء ذهن ويقظة ذاكرة  وهما لا يتوفران حين يكون المرء متعبا ً أو نعِسا ً مثلما أنا عليه الأن .
صمت هنيهة وأردف يقول :
ــ هل ان سهري يتقاطع مع أمر ما تنوين القيام به هذه الليلة ؟
ردّت على عجل وبارتباك واضح :
ــ لا أبدا .
قال بعد لحظات صمت :
ــ أرجو أن توقظيني حالما يصل ابن العم .
قالت منزعجة ً بعض الشيء :
ــ وما حاجتك الى ذلك ؟
ــ لا يليق بي أن أظل نائما ً وضيفي حاضر .
ــ وهل هو غريب لكي تشعر بالاحراج ؟
ــ أعرف  ، لكن الأصول تقتضي ذلك حتى وإن لم يكن غريبا ً ً.
عاد يقول :
ــ ولو انني أظن أنه لن  يأتي هذه الليلة . سيسهر في مكان آخر على ما أعتقد .
قالت على عجل :
ــ لا . سيسهر هنا .
ــ ومن قال ذلك ؟
ــ هو .
وخفت صوتها وكأنها شعرت بالندم . قال وهو يكتم غيظه مرة اخرى :
ــ هل هو الذي أخبرك بنفسه ؟
ــ نعم . هاتفني أمس صباحا ً وأخبرني بذلك .
احتد صوته قليلا ً :
ــ ولماذا لم يخبرني أنا ؟
اختلقت له عذرا ً :
ــ قال انه لا يعرف رقم هاتفك  فكلفني أن أخبرك أنا لكنني نسيت .
ــ وما حاجته الى استخدام الهاتف ونحن نلتقي هنا كل يوم ؟
اسقط في يدها فغمغمت :
ــ  ما أدراني أنا ؟ اسأله انت .
امتدت دقائق صمت بينهما ما لبث صوتها أن قطعه :
ــ يبدو لي انك أخذت تشك فيّ منذ مجيء ابن عمي !
ردّ وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة :
ــ لا أشك ، إنما أخاف عليك وأحرص على حمايتك .
صمت قليلا ً وهو يتأمل وجهها ليتبين ردة فعلها . نظرت اليه بعينين ذاهلتين  . قالت بصوت منكسر :
ــ ممن تريد أن تحميني  ؟
ــ من ابن عمك . أصارحك انني أخاف عليك منه .
قالت محتجة ً
ــ تخاف منه وهو ابن عمي ؟
ــ اعذريني فأنا أعرف عنه ما قد لا تعرفينه .
كيف لا يخاف بعد الذي سمعه منه في جلساته التي كان يحضرها في غرفة الضيوف وهو بصحبة أصدقائه الذين رمم علاقته السابقة بهم ؟ لقد أحال  الغرفة  الى ملتقى لأصدقائه وبينهم محامٍ من معارفه هو أيضا ً فضلا ً على سماسرة العقارات والمتاجرين بها . ليلة أمس كانت تجمعه جلسة مع اثنين منهم وكان هو حاضرا ً وقد انطلق ابن العم يتحدث حديثا ً مكشوفا ً فأومأ له أن يخفض صوته لكي لا يصل حديثه الى سمع زوجته لكنه تمادى في ذلك ورفع صوته أكثرلكأنه يعمد أن يصلها ، فنهض وأحكم سد الباب لكي لا يتسرب الصوت الى الخارج . كان ابن العم يجلس منتفشا ً مثل طاووس وهو يسرد مغامراته وغزواته النسائية . سكت قليلا ً وما لبث أن بدأ  الحديث عن غزوة أخرى . يتحدث مباهيا ً بما يوحي ان النساء هناك رهن اشارة من اصبعه ً . كيف لا يخاف إذن من عربيد الجنس هذا وهو يجالس زوجته ؟
أغمض عينيه لكنه لم يستطع ان يستسلم لسلطان النوم ، وكانت ما تزال الى جواره وفجأة أحس بها تنسل من تحت اللحاف . رآها خلل عينيه نصف المغمضتين تلتقط هاتفها النقال وتخرج . غابت بعض الوقت وعادت ووضعت الهاتف في مكانه المعتاد وما لبثت أن ذهبت الى مرآة الزينة وجلست أمامها لبعض الوقت لكأنها ترمم زينتها أو تعيد تزويق وجهها . لماذا تفعل ذلك بعد خروجها وعودتها ؟ لم يصعب عليه أن يحدس السر . عادت وتسللت الى جواره تحت اللحاف من جديد . احتكت به عامدة ً ففتح عينيه . قالت وعلى وجهها ظلال ابتسامة خادعة :
ــ انظر ! لقد تزينت من أجلك . لكي لا تعود وتدّعي ان زينتي ليست لك .
تأمل وجهها  وساوره احساس بأنها ليست صادقة . قال وهو ينظر اليها بعين غضبه :
ــ ولماذا لا تقولين انك هاتفته وأخبرك انه قادم وفعلت ما فعلتيه استعدادا ً لذلك ؟
انتفضت غاضبة ً :
ــ انك تراقبني إذن  وتقول انك لا تشك في ّ !
رد بهدوء :
ــ من حقي أن أفعل ذلك .
قالت وقد حشرج  صوتها عن حنجرة متوترة :
ــ لم أعد أطيق العيش معك . طلقني !
رد وما زال صوته محتفظا ً بهدوء نبرته :
ــ هذا خيار يختمر في ذهني أيضا ً .
احتدّ صوتها :
ــ وماذا تنتظر ؟
ــ أمهليني الى الليل .
ــ ولماذا الى الليل ؟
ــ ثمة اعتبارات يتوجب علي ّ أن أراعيها . انت تعلمين ان هذه الليلة هي الحد الفاصل بين سنتين : واحدة تتدحرج الى الوراء وستصبح في عداد الماضي وأخرى تولد من رحم الزمن . وقد تكون حدّا ً فاصلا ً بيننا نحن الاثنين أيضا ً .
خنست وأحس بها تزداد اقترابا ً منه وكأنها ندمت على ماقالت ولم تتوقع ان يكون رده بالشكل الذي سمعته .
لم تمر ساعة حتى سمع وقع اقدام ابن العم وهو يجتاز الممر ويصبح في الهول الداخلي. لديه نسخة من مفتاح الباب الخشبية . قفز هو أولا ً وتأخرت هي قليلا ً ربما لكي تتأكد من اكتمال زينتها .
ما إن رآها حتى أحدث صفير اعجاب فابتسمت وخفضت بصرها . قال زوجها :
ــ ألم أقل لك انك ستديرين رأس ابن عمك ؟
هتف ابن العم وهو يتجه نحو المطبخ :
ــ لم تدر رأسي فقط وانما قلقلت دماغي .
وانفجر ضاحكا ً . كانت تصغي لما يدور بسرور خفي وأدهشها ان زوجها بدا كأنه راجع نفسه وتراجع عن نيته بالطلاق مثلما تراجعت هي وأحست بالندم . سمعت زوجها يقول :
ــ لا أدري كيف أقنعت نفسها بالذهاب الى مصففة الشعر هذا اليوم .
أرجع ابن العم ظهره الى الوراء وتمطى قليلا ً وقال وهو ينظر اليها :
ــ في الواقع  يمكنك أن تقول ان الفضل يعود لي في ذلك فأنا الذي لمتها على اهمالها لنفسها .
نظر الى زوجته وقد سقط رأسها على صدرها واجمة ً ولم تستطع ان ترفع بصرها نحوه . انقذها من وجومها وارتباكها  قول ابن عمها :
ــ ماذا لديكم من عشاء ؟
قفزت من مكانها وهي تلهوج :
ــ دقائق فقط . سأسخنه .
واسرعت صوب الطباخ ، وإذ انتهت من تسخين الطعام جأءت بالإناء ووضعته أمامه . وتشاغلت بما يجعل بصرها لا يلتقي ببصر زوجها . كانت تتحرق رغبة ً في أن تسمع من ابن العم كلمة مديح للطعام الذي يتناوله  ، وحين لم يفعل وجدت نفسها تقول وهي ترفع الإناء الفارغ من أمامه :
ــ كيف وجدت مذاق طبخي ؟
غمغم :
ــ عادي .
ولم يتوقف عند هذا الحد فقد أضاف :
ــ انه زبل إذا ما قيس بما يقدم هناك على موائد العشاء في هذه الليلة .
شعرت انه يجرحها في الصميم وتحاشت الاهتمام بابتسامة زوجها الخفية . عاد ابن العم يقول :
ــ لماذا لم تذبحوا ديكا ً روميا ً مثل باقي خلق الله المتحضرين ؟
ردّ زوجها  :
ــ لم نعتد ذلك .
احتد صوت ابن العم :
ــ اخرجوا  يا أخي من قوقعة التخلف وتعلموا من الناس المتحضرين  . ألم تتعلموا من الأمريكان معنى التحضر وهم بين ظهرانيكم منذ بضع سنوات ؟
لم يطق زوجها ان يتحمل مزيدا ً من الإهانة . قال :
ــ هل ان ذبح الديك الرومي وجه من أوجه التقدم الحضاري؟
ــ بالتأكيد .
ــ وهل تظن ان الامريكان جاءوا من أجل أن يعلمونا معنى التحضر؟  لم يأتوا ليفعلوا ذلك ياصاحبي .
ــ ذلك لأنكم لم تتركوا لهم المجال لأن يعلموكم معنى التحضر . لم أر شعبا ً جاحدا ً مثل هذا الشعب !
صمت قليلا ثم عاد يقول:
ــ أتدري ؟ انني أموت إذا لم أحتفل بعيد رأس السنة كل عام .
ــ لقد توقعت ان تحتفل هذه الليلة في مكان آخر . في أحد النوادي مثلا ً .
قال مباهيا ً :
ــ لقد تلقيت أكثر من دعوة ومن اصدقاء كبار ومتنفذين  ولكنتي اعتذرت  . انت تعرف الظرف الأمني في مدينتكم . لا تدري من أين تأتيك الطلقة لتكتم أنفاسك  .
زفر بعمق :
ــ انني ألوم نفسي لماذا جئت في هدا الوقت . انتم لا تعرفون ما يجري هناك الآن . الليل يشتعل بالأنوار والبهرجة والمرح  وتتوهج السماء يالألعاب النارية  . أما هنا فأنتم تختنقون  بالظلام ودخان الحرائق ورائخة الموت لكنكم تظلون تتشبثون بما تقولون انه الوطن الغالي .
وأحدث صوتا ً كريها ً من فمه فابتسمتْ لكن زوجها لم يخف امتعاضه :
ــ انه قدرنا ونحن راضون به .
نظر ابن العم اليها متأسفا ً . قال :
ــ انت راض ٍ بقدرك . آمنا بالله . ما ذنب هذه المسكينة لكي تربط مصيرها بمصيرك وهو مصير مجهول ؟
أوجعها قلبها حين سمعت زوجها يقول :
ــ هذا موضوع سنتجدث عنه فيما بعد .
ونهض ذاهبا ً الى غرفة النوم وعاد بعد أن غاب فيها قليلا ً . قال وهو يبتسم :
ــ ماذا أقول لإبنة عمك ؟ تصور ان رصيد هاتفها نفد منذ عصرأمس ولم تخبرني !
رأى ابن العم يضرب جبهته براحة يده وسمعه يقول :
ــ اللعنة على النسيان . كنت وعدتها بأن أجلب لها كارت رصيد ولكنني نسيت وسط مشاغلي الكثيرة.
مد يده الى جيبه وقال :
ــ هاك اشتر لها كارت رصيد من محل قريب .
نظر  الى زوجته فخفضت بصرها الى الأرض من جديد . ها هي تكذب عليه مرة أخرى ويفضحها ابن العم . قال له :
ــ احتفظ بنقودك . لقد اشتريت لها كارت رصيد وقمت بتعبئته .  احزر ماذا وجدت وأنا أتصفح  الهاتف .
قال بعدم اهتمام :
ــ ماذا وجدت ؟
ــ وجدت ياقريبي وضيفي العزيز انك اتصلت بزوجتي أكثر من عشرين مرّة الى جانب خمس مكالمات لم يرد عليها ومكالمتين منها اليك عدا الرسائل المتبادلة بينكما !
امتقع وجه ابن العم وغامت عينا الزوجة وقد هرب الدم من وجهها . تململت وأوشكت ان تنهض لتهرب من جحيم نظرات زوجها .  قال لها :
ــ اجلسي . لم نصل الى جوهر الموضوع بعد . مازلنا في حواشيه .
ارتعشت شفتا ابن العم :
ــ من يقول ان المكالمات مني ؟
أخرج  هاتف زوجته من جيبه . قال لزوجته :
ــ أليس هذا هاتفك ؟
أومأت برأسها بالايجاب . عاد يقول :
ــ يتفي ابن عمك صلته بالمكالمات . هذا يعني ان شخصا ً آخر هو الذي اتصل بك كل هذه المرات . انظري الى هذا الرقم وتأكدي .
قالت على عجل دون أن تنظر الى الهاتف  وكأنها تدرأ التهمة عنها :
ــ لا أبدا  ..ً لم يتصل بي أحد غيره .
عاد زوجها يخاطب ابن العم :
ــ اسمع .. هذه رسالة منك ..
قرأ الرسالة . ومكث  ينفحص ردة الفعل على وجه زوجته ووجه ابن عمها  ، ما لبث أن قال :
ــ وهذه  رسالة أخرى … لكن صوت ابن العم قاطعه محتدا ً:
ــ هذا يكفي . امك تضخم الأمور على ما يبدو !
صمت هنيهة ثم قال :
ــ ما هو الموضوع الذي قلت انك ستتحدث عنه ؟
نظر الى زوجته . قال :
ــ اقترحت علي ّ ابنة عمك عصر هذا اليوم أن نفترق .
صاح ابن العم :
ــ عين العقل . دعها تسترد حريتها .
قال وقد كان ينظر الى زوجته من طرف خفي ورأى رد فعل ما تسمع على وجهها :
ــ سأفعل ، ولكن ثمة اعتبارات ينبغي عليّ مراعاتها .
ــ أية اعتبارات ؟
ــ انت تعلم انني مسؤول عنها أمام الله وأمام روح أبيها الذي كان قد أوصاني بها خيرا ً حتى وهو على فراش الموت .
صمت قليلا ً وكأنه ينتظر ما سيقوله ابن العم ولكنه حين وجد انه ما زال صامتا ً ، عاد يقول :
ــ أنت تدري انه لم يعد هناك بيت يأويها بعد هجرة وتهجير اخوتها وأخواتها ، وليس لها مصدر عيش وأنا لا أستطيع أن أزج بها في الشارع بعد هذا العمر الذي قضيناه معا ً .
تساءل ابن العم بضجر :
ــ والحل ؟
ــ الحل عندك !
فوجىء بما يسمع فقال عن شفتين مرتجفتين :
ــ عندي ؟ وما علاقتي بالموضوع ؟
ــ انت ابن عمها وأقرب الناس اليها وأنت المسؤول المباشر عنها الآن . فهل انت على استعداد لأن تتحمل المسؤولية عنها لاسيما انك تقف وراء ما سيحدث بيني وبينها ؟
ــ وكيف تريدني أن اتحمل مسؤوليتها ؟
ــ لو تخليت عنها أنا لك فهل انت على استعداد لأن تتزوجها شرعا ً وقانونا ً وبموافقة زوجتك وأولادك ؟
رآه ينتفض محتدا ً وهو يرتجف  :
ــ هل انت عاقل حين تقول هذا ؟ أتزوجها وهي في هذا العمر ؟ هل أنا مجنون ؟
ــ أرى انك راغب فيها !
ــ لكن هذا لا يعني انني راغب في الزواج منها . ثم انك لن تكون مسؤولا ً عتها بغد طلاقها . دعها تختار طريقها كما تشاء .
نظر الى زوجته وأحس بها تغلي غضبا ً . رآها تنهض وتنظر الى ابن عمها وكأنها تحاول ان تلم حقدها في عينيها وتبصقه عليه  . سارت صوب غرفة النوم . نهض هو الآخر ولم يعر اهتماما ً لطلب ابن العم بأن يعطيه الهاتف . وصل الغرفة وسمع من ورائها صوت نهنهة . دفع الباب . رآها جالسة في الظلام وما إن أحست بدخوله حتى قفزت نحوه ونزلت على الأرض أمامه  لكنه انهضها ومد يدأ وضغط على زر الكهرباء فتوهجت الغرفة بالضوء . قالت بصوت منكسر :
ــ افعل بي ما تشاء  فأنا استحق كل عقاب .
مسح بأصابعه الدموع التي نزلت على خديها وهمس :
ــ لن أفعل أي شيء . تظلين زوجتي وسيدة بيتي وأم أولادي الذين نشتاق لهم وهم في الغربة الآن .
قالت بصوت مسموع وكأنها تريد ان يبلغ سمع ابن العم :
ــ لم أكن اتصور انه نذل بهذا الشكل ! لكأنه يريد أن ينتقم من أبي وهو في قبره .
قال :
ــ هذا غيض من فيضِ مناقب ابن عمك الكريم .
غمغمت وهي ترخي رأسها على صدره :
ــ لا اطيق رؤيته بعد الآن . أكاد أختنق .
ربت على كتفها . قال :
ــ  لا تنحملي هما ً . اذهبي واغسلي وجهك ثم تعالي الى غرفة المكتبة و سأريك فيلما  ينسيك نذالة ابن عمك . .
سبقها الى هناك وكان ابن العم جالسا ً في الهول الداخلي يتابع التلفزيون . وحين مرت به فوجىء وهو يراها بهيئة تختلف عما كانت عليه قبل نصف ساعة . كانت ترتدي تحت ثوبها طويل الأذيال والكمين  بنطلونا ً يغطي كعبي قدميها  ، ثمة روب يخفي صدرها تماما ويغطي رأسها شال يخفي تسريحة شعرها الجميلة وقد زال كل أثر للزينة عن وجهها . نظر اليها مذهولا َ وهي تتجاوزه دون ان تنظر اليه ، وتابعها بصره الى ان دخلت غرفة المكتبة . ما لبث ان نهض ووقف عند باب تلك الغرفة وأطل برأسه على زوج ابنة عمه الذي كان منشغلا ً بمتابعة الكومبيوتر . قال بصلافة :
ــ ما شاء الله ! نساء العالم يظهرن شبه عرايا في هذه الليلة السعيدة وابنة العم تتحجب ! أي تناقض هذا ؟!
تجاهلته فبدأ يغلي في الداخل . رفع زوجها بصره ونظر اليه بانفعال :
ــ دعها وشأنها . انها حرة فيما تفعل .
ردّ بنبرة غضب :
ــ ليست هذه رغبتها . أنت أجبرتها على ذلك .
انبرت تقول بصوت حاد :
ــ لم يجبرني أحد . فعلت ما فعلت بمحض ارادتي ولا أريد لأحد غير زوجي ان يتدخل في حياتي .
اسقط في يده ورجع خائبا ً الى مكانه في الصالة ، محرجا ً والموعد يقترب . وبدأ يلوب على مقعده . نهض من جديد وسار صوب الغرفة  . قال وهو يطل برأسه :
ــ سأعدّ قهوة من النوع الفاخرلم تتذوق مثله في حياتك . هل تشرب ؟
ــ لدينا قهوة ويمكن لابنة عمك أن تعمّها .
ــ  لا ، هذه  قهوة من نوع خاص جلبتها معي . يتطلب اعدادها خبرة  وأنا خبير في ذلك . سأقوم بإعدادها بنفسي .
واستدار عائدا ً دون أن يتلقى رد الآخر . همست زوجته محذرةً :
ــ  لا تشربها ! .
همس هو أيضا ً :
ــ أعرف . دعيه يوهم نفسه بأنه يستطيع أن يكسر ارادتنا . ولكن أريد أن أسألك :  هل كنت تعلمين انه يعدّ مكيدة لي ؟
هبطت ببصرها الى الأرض  . قال :
ــ لا عليك . المهم اننا لن ننهزم أمامه .
غاب ابن العم  لبعض الوقت في غرفة الضيوف التي يحل فيها وما لبث أن ذهب الى المطبخ وغاب هناك وقتا ً أقل وجاء وبريق الفرح يشع في عينيه حاملا ً الكوب . وضعه امام زوج ابنة عمه وهو يقول :
ــ ستترحم لي وأنت تشرب .
وظل واقفا ً . قال له الآخر :
ــ أراك واقفا ً ؟ !
ــ لأسمع رأيك  بها.
ــ  سأشربها عندما انتهي من هذا الموضوع
ــ حسنا ًإذن . سأذهب الى الحمام وأغتسل  .
حين  رآه عائدا  من الحمام انتبه الى انه حلق ذقنه واغتسل وتعطر . عاد الى الغرفة وغاب بعض الوقت وخرج وهو في كامل اناقته ببذلته وربطة عنقه وبشعره اللامع المصفوف بعناية . فوجىء به  فسأله :
ــ هل تنتظر أحدا ً؟
رد بارتباك واضح :
ــ  لا .. ولكنني اريد أن أعيش أجواء رأس السنة كما لو انني هناك .
في تلك اللحظة رن هاتفه فانشغل به وما لبث ان هرول نحو باب البيت . نهض هو من مكانه وراء الكومبيوتر ليرى ما الذي يحدث وحين بدأ يسير في الممر المفضي الى الباب الخارحية ، رآه يستدير عائدا ً وبصحبته رجل آخر سبق أن رآه يزوره أكثر من مرة ، تتدلى أربعة أكياس من أيديهما . رأى رجلا ً آخر وراء مقود السيارة الحمراء التي تقف  امام الباب وثمة امرأتان تجلسان في عتمة المقعد الخلفي . استدار عائدا ً ليقطع الطريق على دخول الرجل الذي يصاحب ابن العم . اجتاز الطارمة ووقف أمام الباب الخشبية . قال ابن العم :
ــ دعنا ندخل ؟
ــ ما هذا الذي تحملانه ؟
ــ بعض مستلزمات السهرة ؟
ــ أية سهرة ؟
ــ كنت اتفقت مع ابنة العم على ترتيب معين .
ــ من وراء ظهري ؟
خفض  ابن العم صوته :
ــ لا تحرجني أمام ضيوفي .
ــ ومَن المرأتان اللتان في السيارة ؟
ــ انهما زوجتا صديقيَّ .
اجتاز ابن العم عتبة الباب وحشر نفسه خلل فرجة الباب وصار في المدخل . دخل  وراءه وأغللق الباب بالمزلاج . قال ابن العم :
ــ أرجو أن لا تعقد الأمور . انك تدّعي بأنك متحضر ؟
ــ كيف سأواجه الجيران وأنا لم يبدرمني ما يسيء طوال السنوات التي عشتها هنا ؟
ــ  ليذهب الجيران الى الجحيم . انه بيتك وأنت حر فيما تفعل فيه .
ــ أتريد رأيي النهائي ؟
ــ بالتأكيد .
ــ خذ اصحابك واخرج .
ــ تطردني وأنا ضيفك ؟
ــ فسّره كما تشاء  .
استدار ابن العم وخرج وهو يدمدم بينما ركض هو  داخلا ً الى البيت وعاد حاملا  ً سلسلة حديدية وقفلا ً كبيرا  . ً اجتاز الطارمة ثم الممر المفضي الى الباب الخارجية وشبك السلسلة الحديدية بمشبك الباب وأحكم غلق القفل وقد بلغه رذاذ شتائم ابن العم البذيئة . دخل البيت وأحكم غلق الباب الخشبية بالمزلاج . ولأول مرة منذ بضع ليال ٍ  ينام نوما ً هانئا ً عميقا ً بعد أن سهرا أمام التلفزيون .
استيقظ ضحى اليوم التالي على رنين هاتفه التقال وجأءه صوت المحامي صديقهما المشترك :
ــ ابن عمكم في مأزق وهو في حاجة الى مساعدتكمم ؟
ــ أي مأزق ؟
تلك اللحظة قفزت زوجته من مكانها وصارت الى جواره وأدنت رأسها من رأسه . سمعت الصوت يقول :
ــ ألقت الشرطة القبض عليه هو ومن معه في ساعة متأخرة من الليل وبصحبتهم اثنتان من المشبوهات .
تلك اللحظة سمعها زوجها تشهق بتشف ٍ واضح وقد ارتسمت على وحهها ابتسامة عريضة   وما  لبثا أن انفجرا في نوبة ضحك .

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *