شوقي يوسف بهنام : من هو حبيب لميعة ؟ رؤية نفسية لاعتراف صريح

مدرس علم النفس
كلية التربية- جامعة الموصل
تعلن الشاعرة لميعة عباس عمارة  في قصيدتها المعنونة ” اغنية حب ” والقصيدة مهداة إلي كل عامل يصنع الشروق ،  عن هوية هذا المجهول الذي تنتظره بكل جوارحها . وفي القصيدة نفس ماركسي واضح المعالم . لميعة في هذه القصيدة تعيش الواقع وتنسى رومانسيتها وكتبها ولوحاتها السوريالية وكل ما يرتبط بها من مظاهر . حبيبها إذن ليس بفنان رقيق أو شاعر حالم أو مفكر يفلسف الأمور ويعقدها .حبيبها عامل بسيط يحلم بالغد الآتي المحمل بالبشائر !!. بشائر التغيير والثورة وهيمنة خطاب البروليتاريا على بنى المجتمع . ونميل إلى الظن ان لميعة قد كتبت قصيدتها هذه تحت تأثير المناخ الإيديولوجي السائد بين مثقفي جيلها . لنصغ ِ إليها عبر مقاطع القصيدة :-
حبيبي إنسان كادح
زند أسمر
وجبين مسـَّدَه‘ العنبر .
(اغاني عشتار، ص 103 )
*******************
تعلن لميعة منذ البدء عن موقعه في المجتمع وانحداره الطبقي . فهو إنسان كادح يسعى بكد زنده لتحصيل رزقه .فالسمة الأساسية الأولية له انه ليس شخصا اعتماديا اتكاليا  على الغير . وهو ذو زند اسمر تفوح من جبين صاحبه رائحة العنبر . الزند الأسمر دلالة على الرجولة والفحولة والقوة …ولا ننسى التضمين الجنسي للزند الأسود . فهو عائم على وعي لميعة . في المقطع الثاني ترى لميعة في حبيبها إنسان متفائل .. منفتح على العالم ..لا وجود للسلبية والتشاؤم لديه وهو صاحب وعي ثوري ملتهب لا يعرف الخمود أو الاستكانة والخنوع والتبعية . فهو المتمرد .. الرافض .. المتمرد على زيف واقعه .  تقول لميعة :-

هو قلب يحتضن الدنيا
وعي ثوري يلتهب ،
لا قشرة علم
تضفيها الكتب
(اغاني عشتار ، ص 104)
***********************
لميعة هنا ترفض المثقف الزائف .. البعيد عن الواقع .. الحالم في سماء جوفاء تعيش في خواء أزلي .. غارق في الجدل البيزنطي العقيم متناسيا هموم الجياع والمشردين والضائعين . ها هي تصف لنا هذا المتفلسف المتحذلق الغارق في الجدل اللا مجدي والتيهان في صحراء الفكر الأجدب . تقول لميعة :-
لا أصداء معاهد
تغرق في الجدل
وتفلسف  واهية العلل
وتسيج ‘ صحراء الفكر
بخنق صمت مفتعل
(اغاني عشتار، ص 104)
******************
انه غير هذا تقول لميعة :-
هو ابسط ، أعمق ، أكثر تعقيدا
هو أسعد أكثر تجديدا
(اغاني عشتار ، ص105)
********************
المهم في نهاية المطاف السعادة الحقيقية التي تغمره وهو يؤمن بالمستقبل الآتي .. مستقبل تسوده رياح الحرية وخبز للجميع . تقارنه بين الرجال .. اعني بين معجبي لميعة وعشاقها فهم كثر ..لكنه وحده الذي تراه زاهيا منتشيا .فهي تقول :-
هو بين رجال كثر
من جيل يغرق في الدجل
شجرة جوز في جبل
(اغاني عشتار ، ص 105)
********************
انه إذن شجرة جوز في جبل . رمز الشموخ والقوة والطموح والعطاء و..و… .
تعود لميعة فتجرد هذه الشجرة من جملها وروعتها للدخول إلى روح تلك الشجرة لا شكلها الخارجي الزائف الخادع .. تقول لميعة :-
حبيبي ليس جميل الشكل
كل جمال حبيبي في الروح
في الكف السمح المفتوح
(اغاني عشتار ، ص105)
********************
هنا تركيز على السمات والخصائص الروحية والأخلاقية لهذا الحبيب . لميعة لا يهمها المظاهر يقدر ما يهمها جوهر هذا الحبيب والمتجلي في الروح والكف المسح المفتوح . ومع كل هذا الإعجاب الذي تبيديه وتظهره لميعة لهذا الحبيب ..وينبغي ان لا ننسى ان القصيدة مهداة إلى كل عامل يصنع الشروق وليس إلى عامل محدد لها . نعم مع كل الإعجاب تتقهقر لميعة إلى نرجسيتها لكي في  هذا الحبيب أنه الكائن المحظوظ الأوحد في التاريخ لأن من هوته وعشقته ليست ككل البشر . تقول لميعة في وصف هذا التقهقر النرجسي :-
حبيبي يكفيه وصفا
أن امرأة تندى لطفا
يتمنى لفتتها القمر
بشر لا يشبهها بشر
تهواه ، تذوب بنظرته
وترى كل جمال الشرق بطلعته
(اغاني عشتار، ص 106 )
**************************
عادت لميعة إلى تلك الصورة عن الذات .. تلك الصورة التي تتميز بالتضخيم والتمدد وحتى التآلهن . فليمعة التي يشتهي لفتتها القمر لا يشبهها بشر .. فكم هو سعيد هذا الحبيب الذي تهواه لميعة وتذوب بنظرته وترى كل جمال الشرق بطلعته .. ترى هل وجدت لميعة في دنياها مثل هذا الحبيب . إذن كم هي سعيدة بذلك .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

تعليق واحد

  1. تحياتي لك ياأستاذ شوقي… دراسة جميلة عن الشاعرة لميعة عباس عمارة ..والطريف أنك عالم نفس وناقد وهذا يعني أنك تستبطن الشخصيات التي تدرسها من خلال منهج نفسي ولتأثير قراءاتك فقد طوعت هذا المنهج مع رؤيتك الواقعية الاشتراكية…. تقبل اصدق امنياتي لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *