عيسى حسن الياسري : (مقدّمة) إلى “ناظم السعود”.. لن أقدّمك أيها الكبير

( قولي لهم أن يمنحوا ” ناظم السعود ” ..
عكازة أخرى
ربما استطاع هذا الكاهن أن يدرك ..
أكثر من طائر يحتضر ……………  )

•   قليلون هم الذين ينسون أنفسهم وينشغلون بالتقاط شعاع من شمس ذابلة ليضيئوا عتمة من اختاروا أن يكونوا معزولين عن صخب مضاربات أسواق المال , وقعقعة الكرا سي ذات القوائم التي نخرها العث , لقد كان الكبير ” ناظم السعود ” وا حدا من الذين يحملون شبكتهم ,وينتظرون إشراقة ولو باهتة لشمس شتائية من أجل أن يصطادوا ذلك الشعاع النادر الذي يدخل المسرة لمعابد أولئك النساك المنشدين في هياكل الحرية والسلام ومحبة كل المعذبين في هذا العالم ,لم أكن قد تعرفت الرجل – القديس طيلة أقامتي في بغداد , لقد كان كل منا منشغلا بمحنته ومحنة الآخرين الذين حاولت قوى الظلام أن تقذف بهم خارج حقول الحياة المضيئة ,وتكمم أفواههم حتى لاينشدوا أغنيتهم التي تحذر من دنو عاصفة الموت والخراب .
ذات يوم من أيام ” بغداد ” الحارقة ” كنت منهمكا بكتابة “عريضة ” لأحد الباحثين عمن يمد لهم يد الانقاذ من محنتهم ,كنت فرحا وحزينا ,فرحا لأنني سأوفر بضع أرغفة من “الخبز الأسود ” لأولادي أتقاضى ثمنها من صاحب العريضة  ,وحزينا لأنني أشارك هذا الرجل وجدانيا في محنته ,وهنا فوجئت بأحد الاصدقاء وهو يقدم لي صحيفة تحمل عنوان ” المصور العربي ” ,قال لي قبل أن ينصرف (هناك شيئ يخصك فيها إبحث عنه متى فرغت من عملك).
وضعت الصحيفة في الكيس الذي أحفظ فيه عدة كتابة العرائض بعد إنتهاء عملي ,وصلت البيت مرهقا من الحر والجوع ,ثم رحت أغط في إغفاءة عميقة بعد تناول حصتي من ” الخبز الأسود ” .في الليل تذكرت هدية ذلك الصديق ,رحت أفتش في صفحات الجريدة الأسبوعية ,وفي صفحاتها الثقافية رحت أقرا هذا الموضوع:
( هل مات عيسى الياسري ……… ؟ )
كان الموضوع يتحدث بشجاعة نادرة عن المحنة التي أعانيها في كتابة ” العرائض ” وأنا أجلس في العراء أمام مبنى ” محكمة بداءة الأعظمية ” يتناوب فيه حر الصيف وبرد الشتاء على تدميري .
كان الموضوع صرخة جريئة بوجه أولئك الذين أوصلوني الى هذا المكان لأنني لم أساوم على المتاجرة بكلمتي ,
لم يكن هذا الموضوع مذيلا باسم كاتبه ,وبقيت أسال الاصدقاء أن كان أحدهم يعرف كاتب المقال ,وعرفت فيما بعد أن كاتبه هو الصحفي اللاّمع ” ناظم السعود ” وبما أنني كنت خائفا عليه أن يؤخذ بجريرتي إلا أن من يعرفونه أخبروني أنه مازال بخير .
شيء أشبه بالخيال ان يكتب عنك مبدع لم تلتق به ,ولم تتعرف عليه الا من خلال مايكتبه هنا وهناك من موضوعات تتسم بالدفاع عمن اختاروا الحرية طريقا ,والابتعاد عن خيانة الوطن ديانة ومذهبا .اعتقدت اولا أن هذا الكاتب الباحث عن المتاعب من خلال مايكتبه عن مجانين وصعاليك هذا العصر الذين يواجهون شراسته المادية برومانسيتهم الحالمة لابد وأن يكون ذا مكانة كبيرة في السلطة تجعله بمأمن عن مساءلتها ,أو أنه من اصحاب النفوذ المادي الذي يدرأ عنه الوقوع تحت طائلة المحاسبة القانونية ,وظل هذا التفكير عالقا بمخيلتي حتى حانت تلك اللحظة الاستثنائية التي جمعتني به .
كانت ليلة شاتية ,وهناك رشقات من المطر البارد تقرع زجاج نافذتي بين الحين والآخر وتذكرني برشقات المطر التي كانت تقرع سقف بيتنا القصبي في قريتي الجنوبية . كنت عائدا للتو من منفاي ” الكندي ” على أمل ان ادرك ” أمي ” المريضة قبل رحيلها ولكن القدر كان أسبق من كل الطائرات العابرة للقارات.كان حزني عميقا في تلك الليلة التي لم يتمكن فيها حتى أهلي الذين يقابل بيتهم بيتي  أن يحضروا  بسبب رداءة الطقس ,وفجأة رحت أتسمع طرقا خفيفا على الباب ,توهمت أولا أن الريح زائرة منفاي الدائمة هي التي حضرت لمسامرتي ,ولكن وحين فتحت الباب وجدتني أقف أمام جاري وصديقي الحميم الاديب ” حسن حافظ ” وكان بصحبته رجل مسن يمسك بعكازة ,ويرتدي قبعة وملابس لاتكاد تقيه برد تلك الليلة ,كانا شبه مبتلين من المطر .هذا الرجل المسن ,ذو العكاز والقبعة والملابس التي لاتكاد تقيه من برد تلك الليلة الشاتية والممطرة  كان هو الاديب والصحفي الذي حلمت برؤيته ,أنه ” ناظم السعود ” حيث تعانقنا كأصدقاء قدامى فرقتهم الحياة ,ورحنا نبكي ,كم وجدتني صغيرا أمام روح وقلب هذا الرجل الذي يرتقي الى منزلة القديسين وأقطاب الصوفية .
هذا الرجل لم يحضر وفي مثل هذه الليلة التي لايقدر فيها أحد أن يطرق باب أحد ظنا منه أنني عدت ثريا كما فعل بعض الأصدقاء ليطالبني بثمن ماكتبه عني وكاد أن يجعله يفقد رأسه ,ولم يسألني أن أمتد حه لأنه رفع صوته في وجه النظام الديكتاتوري دفاعا عني ,لقد حضر هذا ” القديس ” الذي أخجل أن أجلس في حضرته ليطلب مني وبتواضع المبدعين أن أقبل دعوته ليقيم لي احتفالية “بيض ا لوجوه ” ومن ثم يقيم لي احتفالية في “منتدى فقراء بلا حدود الثقافي ” ومن خلال هذا الانسان الكبير وجدت كل العراق ورغم جراحات الاحتلال و “مذابح المؤسسة الطائفية ”  يحتفي بي ,ويقلدني أسمى جوائز محبته .
هل توقف صوت “ناظم السعود ” على المناداة بانقاذ المبدعين الذين همشوا وابعدوا عن ممارسة دورهم الثقافي  في زمن السلطة الثقافية السابقة ……….. ؟
أن هذا الصوت ظل قويا وشجاعا في دفاعه عن المثقفين والمبدعين الذين لم يلتفت لهم أحد لأنهم لاينتمون إلا للعراق وأهل العراق الذين لايبيعون حجارة واحدة من ترابه بكل كنوز العالم .
في إحدى زياراتي للعراق .ذهبت برفقة صديقي ” حسن حافظ ” لزيارة صديقنا ” ناظم السعود ” في بيته ..هل قلت في بيته ..  ؟ ذهبنا لزيارته في ” الخرابة ” التي يقطنها هو وزوجته الفاضلة وأطفاله الاربعة ..أقسم أنني بكيت وأنا أرى المكان الذي يقطنه هذا المبدع الكبير هو وعائلته ,في حين استولى تجار السلطة الجدد على قصور وبيوت تجار السلطة القدا مى ..لقد رضي الرجل بهذه ” الخرابة ” ليكون قريبا من مركز الثقافة في العاصمة “بغداد ” التي ترفض الا أن تكون مركزا للثقافة رغم كل اردية الحداد التي تجلل شوارعها وبيوتها ووجنات أطفالها ,واغاني عشاقها الذين لم يعد بمقدورهم أن يجدوا ظل شجرة واحدة يجلسون تحت فيئه .
لقد رضي “ناظم السعود ” بهذا العش العتيق ولكن هل رضي تجار العقارات من أصحاب الثراء الجديد أن يسمحوا له بهذه الاقامة ؟
لقد رحل الرجل وعائلته عن ” بغداد ” التي أحبها ,وابتعد عن محفل الآصدقاء  وهو يقيم الان فوق الارض التي استقبلت ولادته الاولى .هناك في منطقة ” اطويريج ” ليواصل رحلته الابداعية بعد ان نذر قلمه المبارك للدفاع عن المضطهدين والمهمشين من اصحاب الاقلام الشريفة والمناضلة من اجل تحرر البلد من محتليه وسراق قوت أبنائه الكادحين غير مبال أن كان قد انتصر له أحد هو الذي عاش الاقصاء والتهميش والبحث عن سقف يحمي عائلته من أمطار الغبار ولسعات البرد  ا م لا .
والان وهو ينفض الغبار عن أكوام من الصحف والمجلات التي كتب فيها عن معاناتنا جميعا ويحاول ان يضمها في مجلدا ت تحفظها من الغرق في عتمة الاهمال ..الان وهو يحاول هذا فهل تنتصر له احدى دور النشر لتحقق له آخر حلم ظل يراوده كل هذا العمر الذي عاشه خالى الوفاض الا من حلمه هذا ..   ؟ .

عيسى حسن الياسري
 مونتريال في 30-7-2008

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: التأريخ الهجري جزء من منظومتنا الثقافية والقومية

ثمة تقاويم عدة أنتجتها الحضارة البشرية منها، التقويم العبري اليهودي ومازالت بعض صوره قائمة حتى …

متاهة سبعينية، عن مختار وصنوه أبو حمديه
حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

( في هذا المقال سنستحضر بعض اﻷسماء ممن كان لها الفضل الكبير في دفعنا نحو …

مقداد مسعود: رسائل خطّية من الشاعرة “زهور دكسن”

الأستاذ الفاضل مقداد مسعود المحترم لك تمنياتي بديمومة الصحة والعطاء.. مع شكري لما أوليتنيه من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *