محمّد علوان جبر : يتكاثرون كدائرة من الأصدقاء

هل يكفي ان نرثي بعضنا ياصديق ….  ؟
قلتها له وانا اتطلع الى الفضاء الرحب الذي يحيطنا ، كان يرتدي قميصا بلون غريب ، لونا يشبه الدخان ، يتموج ساعة يتحرك اوتداعبه ريح اتية الينا من الشط ، فاقترحت عليه ان نسميه قميصا من دخان ، يشبه ذلك اللون الرصاصي لخصلات شعره المنسابة على جبين قرمزي حفرته اعوام العمر ،  لكنه طلب ان لانسميه ” لان تسمية الاشياء يعني موتها” ثم اضاف :
ـ   فلنتركه هكذا بلا اسم ..
ـ  حسنا فنلدع اللون والاسم جانبا ..
كان يكثر من التطلع ناحية المكان الذي يجلس فيه خله وصديقه محمد خضير ..واصل….
ـ  هل تعلم ان الاصدقاء يتكاثرون كالموت الذي عاشته بصرتنا …
ـ  اذن هي معادلة بين الموت والاصدقاء ..
ـ  اجل .. اليوم كنت اسير في الحي الذي عشت فيه حياتي كلها ..  مررت بالدكاكين والارصفة والجدران والشرفات والنوافذ ، لااعلم لماذا اخذ كياني يستعيد الجمال والعواطف بطريقة لم اعشها من قبل ،  هل هو سحر الامكنة ..؟  كانت ثمة ابتسامة تشبه البكاء مرسومة على وجهه واضاف …

ـ  وانا اسير في الحي الذي عشت فيه…كان رأسي يضج باناشيد اسمعها تأتي من بعيد اناشيد ايام يفاعتي الاولى واغرق في تأملات مريرة ، كل الاشياء تتخذ اشكالا صفراء ، ظل الاشجار اراه يتشكل امامي ببطء ، يركض ، يتوقف، يلتصق بالارض وهو يرسم اشكالا لاحصر لها من الحيوات ، في الماضي كان هذا الامر يجعلني احلم وانا اسمع الريح تئن عبرالاوراق بالحان غريبة .. واسمع ازائها ندامات تافهة تشبه قلق نيرون ، حين سمع نبوءة دلفي ”  احذر الثالثة والسبعين ”  انها الاجال التي ترسمها الالهة ، انا الان سأعبر الثالثة والثمانين ، ضحكنا بصوت مسموع..  وعيناه لاتفارقان المكان الذي يجلس فيه محمد خضير
لكن الصوت الاتي من المنصة احدث شرخا  فلم يكمل عبارته .. لكنه  همس في اذني وهو يمد يدا في الفضاء امامه كأنه يريد ان يرسم دائرة .
ـ  ارجوك ….
نهضت من مكاني ومددت يدي اليه اعنته على الوقوف ، ابتسم واشار الى الكرسي
ـ  انه يمسك بي يسحبني اليه ….  ضحكنا وسارهو نحو المنصة ببطء .. قامة متوسطة بانحنائة قليلة ووجه ممتلىء ، جلس على المنصة ، هيمنت ابتسامته على الحضورطوال فترة الصمت التي قطعها بعد قليل صوته الجميل .. تحدث بلباقة ويسر عن الاجساد البائسة وكم هي مليئة بالالم وعن الحياة التي تسحبها ، تحدث عن بهجة الحياة وعطرها وعن الساعات التي امسك فيها باللذة وعن الرتابة …الدقائق الساعات الايام والسنوات المتماثلة التي تمضي ، ثم حدثنا عن عرافة مرت بهم ايام كانوا في مقتبل العمر …. هو ومحمود البريكان وبدر شاكر السياب  ،  في مساء جميل من مساءات البصرة ، وفي احدى مقاهي العشار.. كان المساء يمضي بعذوبة تشبه عذوبة الشعر .. وقبل ان ننهض قال لنا البريكان ، لاادري لماذا احس ان نهاية سهرتنا لن تمر دون ان يغرقنا شيء ما نحن الثلاثة في بحيرة من اليأس ! سادت فترة من الصمت  ونحن نقلب عبارة البريكان مستغربين الامر .. حينها دخلت المقهى عرافة …   ناداها السياب وطلب منها ان تقرأ لنا الطالع .. تبسمت المرأة واقتربت وهي تحمل احجارها التي رمتها .. قالت فلنبدا بك ، كانت تحدث السياب ،رمت الاحجار مرتين وتطلعت في وجهه … قالت له وهي تتحسر وصوتها يصلنا بصعوبة…. تموت مبكرا ،  في مقتبل العمر مريضا وغريبا .. لكنك تدفن هنا ،  وطلب منها البريكان ان تقرأ له طالعه ، قالت له بعد ان تفحصت حجارة العمر تلك .. اما انت فستموت ميتة شنيعة ، ميتة مذهلة ولكن بعد ان يمتد بك العمر ..  اما انا …  صمت طويلا وهو يمسح الافق الرصاصي المتدرج الذي يشبه شعر رأسه سيمتد بك العمر…. وصمتت .. حينها تأكدت لنا نبوءة البريكان في نهاية مأساوية لتلك الامسية التي لازالت عذوبتها ماثلة امامي
هل هي مصادفة ان تحدثنا عن نبوءة عرافة قرأت باحجارها القدرية  مصائركم تلك……
السياب مات مبكرا غريبا ومريضا.. البريكان قتل ببشاعة ، ويبدو انه تنبأ بما ستقوله النبوءة قبل ان تقولها العرافة.. لم تخبرنا  انت ماذا قالت لك العرافة ، بعد فترة الصمت الطويلة حدثتنا كأنك مستغرق في حلم يقظة عن هؤلاء الاشخاص المقدودين من حجر، وصوتك مليء بالشفقة حيال الشقاء ، عرجت بعدها باتجاه الاحلام الكبيرة ، عن حياة زاخرة مليئة بالقراءة والكتابة وعن الكثير من الاوراق البيض التي رسمت عليها اجمل القصص وعن اشياء كثيرة تنجيك من كوابيس فزعك ووحدتك ، بعد ايام من هذا الحديث .. رحل محمود عبد الوهاب حينها عرفنا معنى فترة الصمت التي اعقبت حديثه عن تلك العرافة ،  ومعنى حديثه عن الاجساد البائسة العجوز …
هنا في تراب الوطن…. وقريبا من الاماكن التي احبها كما لم يحبها احد قريبا من الشط والعشار والازقة والشوارع التي كتب عنها…. يرقد جسد محمود عبد الوهاب مستسلما لنعاس عميق تحت الارض المعشوشبة المبللة بدموعه .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

تعليق واحد

  1. فرج ياسين

    شكرا يا صديقي الأستاذ القص محمد
    هذا المقال شيّق وحزين يشبه خسارتنا بفقدان المبدع الكبير محمود عبد الوهاب
    أما بشأن حديث العرّافة فهو غرائبي بحق .دمت مبدعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *