رياض عبد الواحد : بنية الجسد ودينامية المعنى الداخلي في مجموعة “إغماض العينين” لـ “لؤي حمزة عباس”

يتأسس النص عند / لؤي حمزة عباس / من دوران محسوب حول نواة الحدث الثاوي في بطون المشكلات الإنسانية , والمنبثقة عنها مجموعة من النويات التي تستجمع قواها للوصول الى بنية معرفية لمكونات المشكلة وتبيان مايقابلها في الواقع اليومي. انه ينتشل الاشياء من واقعها ليضعها في دوامة الحدث الذي يدور دوران لولبي للصعود من البنية العميقة الى البنية السطحية (لامن ناحية الفهم الجومسكي لبنية الجملة النحوية). ولايقف /لؤي / عند هذا المقترب , بل يدفع بنصوصه بتجاه زحزحة الساكن , او المترسب في قاع الذاكرة الجمعية  بواسطة عصف فاعل في مكوناتها هذا العصف لايحيل للاشياء رمادا” بقدر ما يصبغها بصبغة المتفحص الذي يصنع مجموعة من الصياغات السردية المتقنة . ولان معاينة القاص معاينة يومية منتقاة بحذر ودقة . فان معظم تجلاياته تبحث في افق لايمس المعتاد . ويجترح مملرات متعرجة وصولا” الى البنية السطحية . مثل هكذا نص يشترط ضمنا” فضاءا” يليق بمكوناته كونه خطابا” مشفوعا” بتصورات تقبض على جمرة الزمن وتسلسلاته الرقراقة لاخراج النص من بنية التخيل الى كمال الواقعية المتخيلة . اذ انه يرفع لافتة يتفيأ الرافضون بمشروعية وصيتهم تحتها من اجل ( ابتكار معانيهم , حيث يتحول الدمع , في خاتمة الحكاية الى حجارة , وتتسع الكلمة لتغدو وطنا” ) / ص14
هي ذي احلام الراوي / المثقف الذي يبتني افقا” لا تغيب عنه الشمس ويحيل ما هو بوار الى ارم ارضية من دون الالتفات الى حسابات الربح او الخسارة . في مجموعته / اغماض العينين / يقترح ( النصيص ) اختراقا” مألوفا” في قشرته الخارجية . فتحويل انتباها ” لـ ( الاغماض ) كونه الذي يخفي وراءه تجليات / الرؤيا / التي تتدفعنا وتحفزنا الى دخول العالم التخيلي المتشكل والمتشاكل مع مخيلة الذاكرة على الرغم من قصر زمن عملية الانتاج , فمعطى / الاغماض / قصير , وهنا علينا ان نبحث فيما بعد الاغماض لا في الكيفية التي تم فيها فعل الاغماض نفسه بل في ما وراءه من متحصلات. ان المحدد الوصفي الذي اقترحه القاص هو محدد من نوع الموصوف وهذا ما يضفي على النصيص صبغة الوضوح المفخخ , لان فعل / الاغماض / فعل لاارادي يخبئ وراءه حزمة من الافتراضات التي يقترحها المتلقي اثناء دخوله عالم النص .
اذن النصيص بحد ذاته يحمل هاجسا” رؤيويا” , هنا يستعمل القاص اللغة كوسيلة كشف بحسب دي سوسير لامجرد ميدان حركة , بمعنى ان اللغة هنا اداة لانارة العتبة الزمكانية . فالنصيص عبارة عن لوحة تتسرب منها اعتلاجات الذات , فهذا الاغماض للعينين يحولهما الى مرقاب داخلي يغوص في اعماق الزمن . انها تؤسس حفريات لمعرفة كنه الذات ومن ثم حفر الزمن الواقع خارجها . نعم , قد تتشكل لحظات هلامية في زمن يحاول اصطياد ما هو هلامي وتحويله الى لوحة تقع امام اعيننا . هذه اللوحة تكتظ بالنسق التصويري المموه الذي يدفعنا باتجاه طلب تحصيل المزيد من المعلومة داخل المحكي القصصي لكي تكون مشاركتنا عمودية أي باتجاه ما هو صاعد من مكنونات الذات . ان القاص يدفعنا باتجاه مركز االزمن بواسطة الذكراتي , الذاكراتي الذي لايستدر عطف الماضي بقدر ما يسخره لفهم الحاضر , وبذلك ينجح القاص نجاحا” متميزا” في تثوير استجابتنا لزمن المشاركة اكثر من استجابتنا الزمنية المتصلة بحدودها البندولية المعروفة . اذا” انه يعزف على وتر الاستمرارية , اللولبية المتشكلة داخل زمن المحكي القصصي ليحقق تفرده في تسخير ما هو ابعد من التشويق الاني الى تعبيد الطريق للوصول الى ابداع فكري خلاق لما يجري على ارض الواقع لا من خلال ترتيب الوقائع بل بواسطة كسر رقبة الترتيب للخروج من واقع مريض الى واقع نصي فنتازي منسوج بدقة داخل المحكي القصصي وبالرغبة الماثلة في ذات الراوي / القاص / والمنخرط في خضم الاحداث . ان حضوره / هنا / ليس حضورا” سلبيا” في ظل المعطيات انفا”بيد انه يبتدع مشقة ذهنية لتغير الواقع بالكلمة , انه يعقلن ما هو سائب / نقطة دم / من اجل اكتشاف بنية المجهول المتخفي في اهاب الجسد .
في قصة / قطرة دم لاكتشاف الجسد / تواجهنا منذ اللحظة الاولى لغة منحوته صلدة ( من لحظة صادمة , كثيفة ولانهائية , يتولد احساسه بالجسد , وهو يدخل منفصل عنه الى غرف الفنادق ) ص17. هنا , نلاحظ اولا” ان القاص يشتغل على فن النحت لانه مهتم بتفاصيل الجسد ذي الابعاد , اقصد النحت الفني ليشكل من خلاله نحتا” لغويا” يثوي بين دفتي ( كتلة + فراغ ) من دون النظر الى ماهو تشكيلي , أي من دون اهتمام بــــ ( ضوء+ ظل ) . انه يتخلى عن التشكيل لصالح ماهو محسوس ومتمثل داخل المحك القصصي . فالموجه الخارجي الاول الذي نعول عليه هو ما اشارت اليه المجموعة من انها كتبت بين عامي (2003-2007 ) . هذا التاريخ هو اعقد فترة زمنية مرت بتاريخ العراق المعاصر . والقاص يريد منا ان نوجه تفكيرنا الى متحصلات هذه الفترة الزمنية التي كتبت فيها القصص . لاحظ ان القاص اختار زمن كتابة القصص وليس تاريخ القصة نفسها , اذ انها تتحرك وفق الحركة البندولية للزمن وليست خارجه , لذلك يكيف القاص الحدث من اجل ان يدفع جزيئاته الى ابعد نقطة وهو بهذا يوازي ويوازن ويساوي زمن سرد الحدث مع الزمن خارج الحدث لكي لايقع في زمن ماهو غير محكي لافي الواقع ولا في النص . وبهذا ابتعد القاص عن الخسارة الكبيرة في ابقاء النص خارج مجراه . اما المرايا المنتشرة في اجزاء المكان فتعمل في اتجاهين مختلفين , اذ ان الشخص المنتقل في الغرفة يرى الاشياء لكنه لايثق بما يراه بسبب ملئ انشطار ذاته ( شعيرات وجنتيه وقد استطالت وتعملقت . في المرأتين يرتسم جسده عاريا” , غريبا,” جسد” للملاحظة والدهشة والسؤال ) / ص18
ان الحواس تلعب دورا” في اعاقة صلتنا بما حولنا , والاختزال والتكثيف يقولب الاحداث في حيز زمكاني ضيق حتى لاتتبعثر الرؤى في خضم الحدث الاكبر فالقاص يضعنا في عالم مواز للعالم المتخيل وصدق بيكاسو حين قال ( الفن كذبة تقود الى الحقيقة ) اذا” الجسد بابعاده المتخيلة , بفضاءاته , فراغاته ينفلت من كينونته عن طريق المتخيل الرؤيوي . يستثمر القاص ما هو غير منظور بواسطة ما هو منظور ( يقترب من جسده لا ليدخله ويغيب فيه بل لينظر اليه ويدقق في معنى ان يكون جسده هو , جسده وحده , جسد وحدته , بيت الفته , وملاذ دهشته , صوته , وكهفه , وعلنه , وخفاءه , وجوده وعدمه , حضوره وغيابه , حياته وموته , جسد اللحظة التي وجد فيها هناك مثلما يوجد فيها هنا ) ص18 – ص19
ان التضاد يتحرك لانتاج بنية سردية تخرج عن حيز وجودها المكاني من اجل ان تنتج زمنها المشطور مرة باتجاه صيرورتها ومرة باتجاه ما تكون عليه لحظويا” . ان الجسد موجود وغير موجود في ان واحد, موجود في تلافيف الحدث لكنه غير موجود على مستوى التمثيل الحياتي بدليل القرينة الموجودة في اول العبارة والتي تشير الى انسلاخ الكائن عن كينونته  انه يرقب كيانه من اجل ان يصوغ وجوده بمعنى انه يرقب نفسه شاقوليا0 هذا الاجراء السردي يزيد من فجوات النص كي يجتهد المتلقي في سد هذه الفجوات 0 ان التداخل المنشطر بين الجسد وصاحبه لعبة ذكية من القاص لمط المدة الخطية للمنتج الزماني مقابل ان تبقى عملية الاقتران بين الجسد وصاحبه متدلية من دون ان تقف عند نقطة معينة 0 ان هذا يزيد من مساحة انزياح المنتجات الزمنية للحدث0 فامتداد او تنوع وتباين مجالاات رؤية الجسد من الخارج يحقق للنص من خلال الايماءات الجسدية العارضة عملياته الدلالية  signification , وفي الوقت نفسه يندمج مع كينونة ذلك الجسد بعملية اتصال روحي spiritual communication , أي بواسطة مجموعة من المعابر التي تتشكل من خلالها المعاني التي تفك مجموعة من  الرموز المتداخلة codes. ان الجسد – هنا هو الذي يتولى ابراز ال sign العلامة , لانها مقترنة بنحو جسدي وهذا ما يؤثر في المتلقي تأثيرا” فاعلا” اذ ان الفعل يتوسمه القاص في تجليات الجسد يسفر عن اسلوب لتجسيد الافكار عن طريق افعال جسدية حقيقية وان بدت داخل المحكي القصصي متخيلة , هذا القلب الجذري يساعد على تفعيل الجسد , وكأن القاص يحاول اعادة تركيبه وفق قوانين الكتابة : لنلاحظ كيف تتحرك بنية الجسد
الجسد              ينكمش                 يتمدد

الجسد             ينفتح                     ينسد

جسد              تتباعد اعضاءه + مشغولة بذواتها

جسد               يتوزع في اعضاء صغيرة                 ماضية للتحلل الى اعضاء اصغر هذا التوافق والتعارض لمعطيات مفردة جسد ( يتحكم فيها الراوي للسيطرة على فعل الجسد في اجزاءه , وهو بهذا يحرر الجسد من ذاته مرة في الوقت الذي يجعل منه اداة تحمل نقيضها . اذن الجسد حين ينكمش ثم يتمدد يحقق لنا اشارتين , واحدة تدل على الانكفاء واخرى على الفضاء المفتوح وبهذا يحقق النص من خلال علاماته فعلا” وحالة . في المقطع الخامس ينفتح الجسد على عوالم مشدودة الى النواة المركزية / النوم / التي كان من منتجاتها / النصيص / اغماض العينين / ( يتذكر لحظة زلة به قدمه فسقط في شط العرب ( انه الجسد يتحرر منتقلا” من ربوع اليقظة الى مغاور النوم , يراجع او يتلمس او يستعيد ) ص20. اذا” عملية التحرر مرتكزة هنا / الى معطيين موضحين في المرتسم الاتي :-

الجسد             يقظة           نوم

يقظة            سقوط في الماء            تطهير                 تحرير

هكذا يتعانق الزمان والمكان من اجل ان يضما الجسد في عالميهما لهذا يقع الجسد في مجابهة بيئية , مرة تحسم لصالح الزمن متمثلا” في عملية النوم , واخرى محسوسة بيد انها متدفقة بنحو متقطع لكنه متسلسل / سقوط في الماء ثم تطهير فتحرير / . اذا” الجسد هو الذي اعطى المكان قيمته اذ لولاه لظل المكان فارغا” الامن ابعاده . فالجسد هو الفاعل في اقامة علاقات مع مفردات المكان , ومن ثم له الفضل في توليد الدلالات تساعد في ادامة  زخم العملية السردية , وهذا ما يعرف بـــــ ( الدعم المرئي للنص ) بحسب فابر تز يو كروت شاني . ان اللغة التي يستعملها القاص تتواطئ مع الجسد وتكشف خلاف ما تبطن وكذلك تبطن خلاف ما تكشف , انها هنا موضوع وليست مجرد بعد جمالي , انه تقوم بكسر الفة الاشياء الموجودة في فضاء النص , انها تفصل بين الشيء وكينونته وبين الشيء وما يحدثه وبذلك تزيد من تفاعلنا مع النص , تزيد من بحثنا عن ماهيته , أي انها تختزل الذات في الجسد المنظور . في الفقرة السادسة تبدو عملية الدخول والخروج من الجسد ذات  وظيفة مزودوجة , فحين يدخل الجسد في كينونته فانه يطلب ان ينقذ مما هو فيه , اما حين يخرج من كينونته فانه يتضرع الى الخلاص , معاينة الاخر بواسطة كينونته , يروي لنا الاخبار , يعلق على الذوات الانسانية التي جايلته . ان هذه المعلومات السردية تغذي الحبكة وتساعد على تلغيز الشخصية ( بدأ ينمو داخله شعور بجسده وقد انفصل جسدين , جسد الماء وجسد الهواء ولم يكن يدري ايهما بالنسبة له جسد الحياة وايهما جسد الموت . ص21 و 22. هنا يحاول القاص تفتيت البنية السردية وربطها بعامل الزمن والمكان , مرة حين يفشل الجسد في عبور زمنه , واخرى حين يتحرر منه , بل حتى من حاضره . هذا الانتهاك لبنية الحبكة يؤدي الى كسر الالفة بيننا كمتلقين وبين النص , وهذا الامر لم يأت جزافا” بل من اجل احداث مجموعة من الفجوات التي تزيل من الية بحثنا عن المدركات المتحصلة في المحكي القصصي , بمعنا ان القاص يعرض وسائله ويعريها امامنا بواسطة تأمل مكثف وكينونة هلامية لايمكن مسكها بواسطة التوقعات الروتينية , انها دعوة لاعادة فهم قراءة النص بواسطة تداخلاته , علاقاته . انها المساحة الاصعب بين فعل الكتابة وفعل القراءة , والذي ينتج عنه المعنى الكامل . لقد اجاد القاص في توصيل ما يريد الينا بنحو راق , واستطاع ان يقنعنا بادواته القصصية من دون ضجيج .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *