سليم النجّار : حميد سعيد .. يُعرّي الظواهر وينفتح في غموض الواقع في قصيدة “احوال الموريسكي”

تحولات النص الإبداعي، ليست لغوية، بل هي العالم متحولاً، هكذا يستعيد الشاعر العربي حميد سعيد وعيه الشعري، في قصيدته الجديدة « أحوال الموريسكي» التي نشرت مؤخراً في صحيفة القدس العربي.
في هذه القصيدة يضعنا الشاعر في مواجهة سؤال جوهري، كان ومازال حاضراً في ثقافتنا العربية، هل ثمَّةَ علاقة بين الأديولوجيا والشعر- والأديولوجيا تقترح الوضوح، فهي تقدم إجابات على إشكاليات حياتية، في حين أن الفن – الشعر ملتبس، ولايعنى بتقديم إجابات.
الفن ? الشعر، سؤال، وبهذا المعنى لايمكن تأويل القصيدة- أية قصيدة – أديولوجياً، وهي في ذرى عملها الفكري تستدعي لذة فنيّة تحفِّز القارئ جمالياً، كما قي قوله:

« حيث لا إسم لي..
كنتُ أَبحثُ عنّي
وعمَّن أَكادُ أُضيِّعُها.. بعدَ أنْ ضيَّعتني
وعن أَثَرٍ .. لاحَ لي أو توهمتُهُ..
وعثَرتُ بما كنتُ أَحسبهُ ظلَّها..
فَجَفتْني »

لامناص من القول إن الإبداع الشعري يصل إلينا في نص ملتبس، وأي نص شعري ينفتح في قراءة واحدة ونهائية، لن يكون شعرياً، ربما كان فكراً منظوماً ، أو شيئاً من هذا القبيل، وهنا يضعنا الشاعر حميد سعيد في مواجهة سؤال آخر، هو: هل ينهض الفن على حد الإلتباس، وهل الإلتباس قراءة في النص، ام هو جوهر النص؟ ووفق هذا السؤال، يحاول الإقتراب اكثر فأكثر من جوهر الإبداع الشعري فيقول:
« قال لي..
بعد أن سرقَتْ ريحُها.. كلَّ ما خبأتهُ رياحي
لماذا سأشكو ؟
ولمن ؟
أَتصدِّقُني.. إنْ قصصتُ عليكَ رؤياي..
إذْ جاءني البحرُ يسأَلني عن مياهٍ.. ليغسل قمصانَهُ
وعن فندقٍ رخيصٍ
وعن مطعَمٍ يتغاضى أصحابهُ .. حين لاأستطيعُ دفعَ حسابي
أتُصَدِّقُني؟!
فَتَخَيَّلتُ بحراً فقيراً..
تجيء به موجةٌ متصابيةٌ.. وتحُطُّ به اليبابِ »

هذا القول الشعري، يُحيلُنا إلى قول.. ما الذي يميِّزُ نصَّ أبي نواس أو نصَّ النُفَّري مثلاً، عن نص الغزالي أو نص إبن خلدون، ونص أبي نواس أو نص النُفَّري،لابد من أن تكون له سمات تجعله مختلفاً، وهذه السمات ليست في الوزن وليست في القافية وليست في اللغة، وإنما في كيفية استخدام اللغة والإفصاح عن الأشياء، النص الإبداعي- الشعري يفصح عن الأشياء بشكل ملتبس، يصل أحيانا حدَّ التناقض، بينما يستخدم النص الفكري لغة تفصح عن الأشياء بوضوح ويحمل إجاباته.
سأسمّي النص الأول، الإبداعي، النص الخلاّق، من دون أن أقلل من اهمية النص الثاني، الفكري، وهذه ضرورة لابد منها للتمييز بين نصين، فنّي وغير فَنّي، وهكذا قرأت نص» أحوال الموريسكي» انحياز للإبداع ومسرحة للمشاعر والعواطف والتخيلات بكل تناقضاتها، ولو قرأنا نتاجنا الشعري بشكل عام من هذه الزاوية، سنرى حضور» العِلم» و» العقلانية» أكثر من حضور الشعرية في فضاء تجليات التخييل.
إن الشعر الذي يتشبث بالواقعية قد يخون الواقع، وما يترجم الأديولوجيا لن يكون سوى استنساخ لها، حيث ينتج الشبيه، أي مايشبه الأشياء، وليس في هذا النوع الشعري ما يدخل في الإلتباس، وهو إيضاح لما هو واضح، ولذلك يذهب بالإبداع إلى الإبتذال لا إلى الوضوح الفني، وهذا ما لم يفعله شاعر مثل حميد سعيد في كل تحولاته،بل قدَّم نصاً شعرياً ملتبساً بامتياز حين قال:
« ذات أندلس..
سأعيدُ إلى السهرة الغجرية ما ضاع من كهرمان المساءْ
واُعيدُ إلى الطلعِ.. طلعتَهُ
وإلى سفن الليل رجغَ الغناءْ
وأَخُطُّ على الماء.. آخر ماكان عندي من القولِ..
ليس سوى الماء.. من سيعودُ إليَّ كما كان َ»

يتحرك هذا المقطع الشعري في اتجاهين، الإتجاه الأول حيث تكون اللغة جوهر الكينونة ، وإن العالم لغة لابمعنى ألفاظ او أشكال لغوية، وإنما بمعنى التسمية، فما لايسمى لاوجود له، والإتجاه الثاني، حيث الوجود الحقيقي هو وجود الأشياء، وأن اللغة وسيلة للتعبير عن هذه الأشياء نقلاً او اكتشافاً، والسر في هذا المقطع الشعري، هو أنه موجود في هذين الإتجاهين المتناقضين، مما يؤكد إن الشعر ليس في النظرية وليس في الموقف، بل هو بنية تعبيرية، في بنية لغوية.
وإن الحداثة ليست صفة للموقف بقدر ما هي صفة داخلة في البنية الفنية ذاتها، في طرق استخدام اللغة، في طبيعة العلاقة بين الكلمة والشيئ وتحولات الشعر التي تتمظهر في تقديم صورة جديدة للعالم ووضع المتلقي في علاقة جديدة بين الشيئ والإنسان، بحيث تبدو صورة العالم جديدة، وبدورها تكون نظرة المتلقي إلى هذا العالم جديدة أيضاً، وهذا ما أقدم عليه حميد سعيد في قصيدته» أحوال الموريسكي» تحديداً، ويذهب حميد سعيد بالمتلقي في» أحوال الموريسكي» إلى الذاكرة، لكن أية ذاكرة، وفي أي مكان، وفي أي عصر؟ حين يقول:
« ليس من شبهٍ..
بين ما هو فيه وما كان فيه
ليس من شبَهٍ.. بين من كانَ أو من يكونْ
ليس من شبهٍ.. بين موت هناك وموت هنا
ليس من شَبَهٍ.. بين ما تكتب الحقولُ وما يكتب الأفولْ..
كان يُشَبِّهُ ضحكتًها بصباحِ حديقتها..
ليس ثمَّةَ مما يكون شبيهاً بها..
فبماذا يشبِّهها.. الآن ؟
أَيُشَبهها بغياب العصافير.. عن شجرٍ غائبٍ..
يتواطَاُ..
ثُمَّ يُشَبِهها بالغياب »

ينفتح حميد سعيد في هذا المقطع الشعري على ماترفضه الذاكرة، في تداخلاتها و فيما تسقط وماتضيف، فديمومة الشعر أمر آخر، ولديمومته أسباب تتصل بطاقات خاصة كامنة فيه، لابمجرد القراءة، فهناك شعر قُرئ ويقرأ دون انقطاع، منذ عهود بعيدة، ومع ذلك ليس له أي حضور في عالم الإبداع الشعري، ولايتجاوز حضوره التداول النصي، فهل نستطيع القول إن هذا التواصل مع فعل الذاكرة يؤدي إلى الإستغناء عن كثير من المفردات حيث لاتصمد في النهاية ، كلمات الواقع الأبدي ? اليومي المتضمنة في صياغات ثابتة لتحل محلها في النص الشعري، مفردات متحركة تعمد إلى تفكيك شبكة الرموز المنسوجة بخيوط الإعتياد والتكرار بفاعيلتها الإبداعية.
إن القصيدة لغة مقطوعة بعنف، وهي إذ تتشكّل في هذه القطيعة، وتقدم نفسها في اتساع الذاكرة:
« في الصباح يراقبني الهدهدُ الحذِرُ
هل كانَ يعرفُني ؟!
وهل هو من كنت حاولتُ.. إذْ كُنت طفلاً
أنْ يُشاركني فطوري ؟!
أمْ من سُلالته ؟
وهل كُنتُ طفلاً؟
تَمَنَّيتُ لو تعلَّمتُ من لغة الطير.. شيئاً ..
لَحَدَّثَني عن بساتينَ بيض.. علَقْتُ بها.. ونساءٍ..
مازلتُ أَذْكُرُ مَكْرَ انزياحِ العباءاتِ..
عمّأ يُخَبِّئنَ من ثمرٍ ناضجٍ.. بانتظار القَطاف »

في الإقتراب من سطح الظواهر، ثمّة مواجهةحتمية، ذلك أن عزوف الشاعر الموجع عمّا هو سطحي ومقروء مسبقاً، درس إبداعي في قصيدة» أحوال الموريسكي» حيث كل حضور يغدو لدى الإحساس به خطراً، وكل جمود يغدو عتمةً، فبعد أن يكتمل بناء القصيدة ، يغادرها الشاعر، فهو في حال التغيير ، ليس بدافع ميل عبثي لهذا التغيير، وإنما استجابة لضرورة البحث عن جوهر الإبداع، هذه الضرورة التي ترفض الإنقياد السهل لإغراء المظاهر.
إن حال التغيير هذا هو في الصميم من تجربة حميد سعيد الشعرية وهو مصدر تميّزها، فهل أراد الشاعر ، وهو يُعَرّي الظواهر وينفتح في غموض الواقع في قصيدته الإستثنائية» أحوال المريسكي» أن يقول: لقد أصيح ما هو غامض على درجة من القوة بحيث لم يعد ثمّة ملاذ للحقيقة الأكثر يساطة، لافي الوطن ولا في البعد عنه مكاناً، وهو يدرك أن الوطن ليس مجرد مكان، حيث يقيم في ذاكرة تتخيّل وفي مخيلة تتذكّر، وبالتالي فالوطن وعي استثنائي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *