عيسى حسن الياسري : صمت الشوارع .. وضجيج الذكريات.. غياب براءة الزمن

في روايتها الأولى ” صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات ” تتصدى الكاتبة “ابتسام يوسف الطاهر” إلى موضوعة الاغتراب كإزاحة مكانية.. ومغامرة تترك بصماتها النفسية المعذبة على تحولات وعي الإنسان المغترب.. هذا الوعي الذي يقع ضحية الحنين إلى زمن لم يتبق منه سوى ذكريات غائبة.. ووجع يفرضه واقع مغرق في شراسته وقسوته.. حيث تمنحها هذه الرؤية تشريحا مؤثرا لعالم عاشته في أكثر فصول حياتها التصاقا بمعادله المتضاد معه طفولة.. وأحلاما.. وعلاقات حميمة كانت تعدها بأكثر من ضفة تهبها الرسو ألآمن.. والريح الرخية التي تداعب أشرعة حلمها لحظة إبحارها عبر مخيلة الصبا التي لا تطيق الالتفات إلى الوراء .
ولكي تعمق من إدراكها الحسي لمعضلة ” المنفى ألقسري ” الذي عاشته في طور مبكر من حياتها .. اعتمدت في روايتها البكر الإفادة من إنثيالات الزمن المسترجع .. ومجسات الذاكرة .. مما وفر لها آلية سردية جمعت بين الشعري والتأملي .. وبين ضراوة الواقع .. وحميمة الحلم المؤجل الذي قد يحضر وقد لا يحضر أبداً.. لذا ولكي لا تترك قارءها يوغل في متاهة الوهم هيأته ومن أول صفحة في الرواية لاستقبال شبكة معقدة من الأحداث الصادمة. ممثلة بذلك الطقس المعبأ بحالات مخيفة ومتشككة تفرض حضورها على شخوص الرواية الذين لا تجمع بينهم سوى رابطة السفر المشترك إلى وطن ابعدهم عنه المنفى طويلا ً.
أن عنصر المفاجأة في مفتتح الرواية يمثل مقدمة اوبرالية تهيء وعي المشاهد إلى استقبال سلسلة من الأحداث المثيرة.. فهناك بضعة أشخاص يتهيأون للسفر برا إلى العراق.. كلهم قادمون من مناف ٍ مختلفة باستثناء سائق السيارة الذي يشاركهم ذات المخاوف.
أنّ رحلة الحلم هذه تتحول إلى حالة من القلق الذي يفرض شكوكا ً غير معلنة يتبادلها الجميع في الخفاء.. فالركاب وهم رجل وثلاث نساء ينظرون بعين الخوف والريبة إلى سائق السيارة الذي ربما يكون متواطئا مع “الأرهابيين وقطاع الطرق”.. والساثق يرتاب من ان يكون أحد ركاب سيارته على علاقة بالعصابات التي تنتشر على طريق عمان – بغداد.. والركاب كل منهم ينظر بعين الشك إلى الآخر.
إنّ الكاتبة لم تمهد لدخول بوابة عملها الروائي بأية مقدمات تسحب قارءها تدريجيا إلى أكثر عقد الرواية حراجة.. بل آثرت.. وبحس بنائي صادم لموضوعتها ان تضع قارئها.. ومنذ الخطوة الأولى في قلب الأحداث.. كما لو كنا نشاهد عملا مسرحيا على غرار مسرح “بريخت” الذي يزيح الحاجز بين الممثل والمشاهد.
وقد يتوهم البعض أن ّ الكاتبة قد وضعت مفاتيح عقدة الرواية من بدايتها في متناول وعي القارئ.. وأنها جعلت كلّ شيء مكشوفا ًدونما أية أقنعة رمزية..أو إشارات دلالية تبعث على التأمل.. بيد أن ّ العكس هو الصحيح..
إنّ اللقاء الأول مع الرواية يوحي بأنّ هناك أشخاصا يسافرون معا.. وكل منهم يتوجس خيفة من الآخر.. وهم وما أن ّ يصلون إلى وجهتم بسلام.. حتى يتفرقوا عن بعضهم من دونما تحية وداع.. في حين أنّ العلاقات الحميمة التي تشكلت عندهم أثناء الرحلة جعلتهم يفترقون كعائلة.. وهنا تفاجئ القارئ بتحول حركة الأفعال باتجاه معاكس تماما لتوقعاته التي أوحت بها له الصفحات الأولى للرواية.. وهذا ما يمثل عنصرا إيهاميا يقلب كل توقعات المتلقي.
وبالرغم من طول الرواية التي قاربت الأربعمائة صفحة إلا أنّ مساحتها في خارطة الزمن العادي لا تتعدى ساعات السفر.. في حين ظل زمنها النفسي يتجول حرا ً مخترقا مسافات شاسعة من الماضي المسترجع.. وقد برعت الكاتبة “ابتسام يوسف الطاهر” في الأفادة من ثراء هذا الزمن.. لتحوله إلى وعاء يستوعب أحداثا ً لا حصر لها.. ولم تقتصر هذه الأحداث على الشخصية الرئيسة في الرواية التي تحمل إسم “وهيبة” بل تعدت إلى انثيالات الوعي التذكري لكل المسافرين.. وكان البعض منه يمنح تفاصيله بصوت عال.. والبعض الآخر يتخذ من الصمت الذي يفرضه الإجهاد أو الخوف مما سيحصل له منطقة يفرش فوقها ما لم يكن بالأمكان البوح به لشدة حساسيته.. وخصوصيته الفردية.
“الكل خائف.. القادم خائف.. والذاهب خائف.. السائق والراكب لهم نفس الخوف
فالسائق قلق من ان يكون الراكب مخادعا.. أو “إرهابيا ً” .. أوغنيا ً مرصودا ً.”
إذن هناك رحلة أو مغامرة “أوديسية”.. وإذا كان “أوديسوس” قد واجه مصاعبه وجها لوجه وتمكن من التوائم معها.. إلا أن شخوص الكاتبة يواجهون ما هو أصعب.. إنه المجهول الذي يتيج للمخيلة فرصة خلق كوابيسها ومخاوفها بطريقتها التي تتجاوز حدوثها على ارض الواقع.. على الاقل أنّ الإنسان يستسلم لقدره أمام ما يحدث له.. لكن أنى يتسنى له الهرب مما يخلقه له وهم التخيل.
لقد ظلت الكاتبة تمسك بحركة شخوصها الداخلية والخارجية من خلال إيقاظ الذاكرة.. واستخراج كل ما هو كامن في اللاوعي.. لذا جعلت الحوارات الخارجية تقتصر على مجاملات حذرة تفرضها معضلات الطريق.. ومعضلات معابر الحدود.. وتبادل السجائر.. أو بعض المأكولات.. وهي جزء من تقاليد بيئة عراقية لم يطمسها المنفى بأبنيته المادية و علائقه الأجتماعية.. وقد شكل المنولوج الداخلي.. والتداعي الحر الذي تحركه لحظة ضاغطة بكل ثقلها على وعي المسافرين حواراته الخاصة التي تحتمي بجدار الصمت.. حيث يتظاهر المسافرون بالنوم.. في حين يطلقون العنان بأن ترحل بهم الذاكرة أما إلى معاناتهم في المنفى.. أو إلى أيام الصبا والشباب.. وزمن الدراسة.. واحلامها العاطفية.. وما تتخللها من متاعب على أيدي “عملاء السلطة” التي تفرض ظلالا قاتمة على زرقة سماء تلك الأيام الغائبة.. وقد كان لكل مسافر مؤونته التي متى تذوقها صار أكثر إحتمالا لمخاوف السفر.
“وهيبة” وهي الشخصية الرئيسة تحتمي بماضيها وذلك باستحضار علاقتها الروحية بأستاذها في الكلية وهو “مصري”.. والذي كان يزودها بالكتب الأدبية لكتاب تقدميين.. والذي يختفي في ظروف غامضة.. ثم تنتقل إلى الزوج الذي أحبته برومانسية عذبة.. وتبعته إلى آخر حدود العالم.. مضحية بعائلة لا حدود لطيبتها وحميمية علاقاتها.. ولكنه يتخلى عنها وعن أطفاله بعد ان تقوم بينه وبين واحدة من مدمنات البحث عن صيد بشري سهل عبر “الأنتربيت”.. وهنا تنهار أجمل أحلامها فوق صخور المنفى.. ويكاد انهيار علاقة “ليلى” و “نداء” بزوجيهما مماثلا لما حصل “لوهيبة” مع اختلاف الوسائل.. وكأن المنفى يحدث هزة في العلائق العائلية.. وعلائق المغتربين ويدمر أكثر جذورها امتدادا في خارطة الحياة المضاعة .
أما “علاء” فكانت له هموم مختلفة.. فقد كان الأكثر حزنا وتوترا.. إنه يستعجل الوقت ليرى “أمه” المريضة قبل أن يتخطفها الموت.
وعندما يصل المسافرون بسلام.. يستقبلهم حزن شوارع “بغداد”.. ولافتات الحداد التي ترتديها واجهات البيوت التي تشبه النساء اللواتي أدركتهن الشيخوخة فارتدين السواد حزنا على آيام الصبا الآفلة.
ولكي تعمق الكاتبة من الكارثة.. وترسم للوطن الحلم خارطته الأكثر رعبا من “منزل هاديس”.. تعرض أمامنا تلك الأسنان الهمجية التي تقضم آخر كسرة حلم من بهجة لقاء المسافرين مع عوائلهم .
لقد حضر المسافرون جميعا.. ولكن.. ولكي لا تطفئ الكاتبة آخر بصيص ضوء قد يقف بوجه كثافة العتمة.. فأنها قد قادت شخوص روائيتها.. دون أيّ انحراف في حركة أفعالهم.. ودون أن تتدخل في توجيه مصائرهم بطريقة “ميلودرامية”.. حيث أصرت “ليلى” التي فقدت ابنها “كمال” في مأتم “أم علاء” أن تظل قريبة من موته بعد أن ابعدتها عنه الحياة.. وانغمرت “وهيبة” في العمل من أجل تخفيف معاناة المعذبين.. أما “نداء” التي عادت إلى منفاها فقد أخذت معها غصن “ياسمين” لتزرعه في حديقة دارها لتجعل منه معادلا لحلمها في أن تنبت زهور أكثر جمالا.. بدلا من حقول الأشواك الوحشية التي افترشت خارطة الوطن.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.