جابر خليفة جابر : الظهور الأخير/ سيمياء الغياب.. قراءة في السرد والاشارات

-1-
في روايته ( الميتة الثالثة والاخيرة لعبد شويخ البدوي / دار الشؤون – بغداد ط الاولى 2010) تفلّت الروائي أسعد الهلالي من تقييدات زمانه ، زمان كتابة الرواية الى ماهو أبعد بنصف قرن وأكثر ليترك لقارئه مهمة التساؤل أو ملء الفراغات.
لماذا التهرب بالحاح من الآني والحاضر؟
لماذا الرجوع الى أم دهلة قبل خمسين عاما وأكثر من زمن كتابة الرواية عام 2001؟
على القارىء أن يجدّ في بحثه عن الاجابة وأن بدت معتادة ونمطية ، فالتقنع وتحاشي الرقيب تفلّت وقناع غالبا ما يلجأ إليه المبدعون لتمرير رسائلهم المشفرة ولأنقاذ رؤوسهم من شفرات الطغاة ومحارقهم أو مقاصلهم او..،هكذا فعل بن المقفع بأدعائه الأخذ من الهند أو فارس في أثره الأبداعي الكبير كليلة ودمنة، وسرفانتس لجأ لذات الأسلوب وهو يكتب دون كيشوت أذ نسبها مرارا الى العربي حامد..
( ولهذا موضوع آخر فقد صدقنا كعرب إدعاء بن المقفع تأثرا منا بعقدة الخواجة لكن أي منا  لم يكتب ولم يدقق في إدعاء سرفانتس ويحقق فيه! فالآخر مع أسفي مقدس ومهيمن على الوعي والذات والثقافة)
.. ومبدعو العراق قبل التغيير وحتى بعده لبسوا الاقنعة ، فمنهم من إستحضر الماضي ليشير من خلاله الى الحاضر المخيف وإشكالاته ومنهم من هرب الى الأمام فرسم مستقبلا مفترضا ليجر الراهن اليه ويتحاشى الأصطدام بعنفه.
ما أردت قوله إن إرتداء الروائي لقناع الماضي ليس جديدا كما إنه لاينقص من قيمة الأبداع شيئا كما توهم أحد النقاد وهو يتناول هذه الرواية التي يخبرنا مكان كتابتها ( صنعاء)عن تحرز مضاف الى التقنع تستر به الروائي لينجو بروايته ، وهو هنا المنفى ، ما لاتطاله شفرات الرقيب وما ييسر بث شفرات النص الى متلقيه .
هذا اللجوء الى التقنع والتهرب من مقاربة الحاضر روائيا بشكل مباشر يعني إن النص قارب الحاضر المرفوض والمحظور المس به بأشارات  بثها لقارئه وأراد منها خلق حالة الوعي بالحاضر وملابساته لديه كما فعل تماما المثقف صلاح حين خلق حالة من الوعي لدى ابراهيم المطالب بحقوق زوجته في بغداد، وهو – التقنع – يعكس ايضا وعي كاتب النص بأشكالات الواقع ويفصح عن رفضه له وفضح قباحاته.

                               -2-
زمان الرواية هو النصف الاول من القرن الميلادي العشرين، ومكانها
( أم دهله وما يجاورها على شواطىء الفرات) بينما كتبت أوائل القرن الحادي والعشرين ومكان الكتابة صنعاء ، بعيدا عن الوطن وعن الفرات
( يقف القارىء هنا ليتأمل الاشارة) أستحضار الوطن محاولة لحمايته من غزو المنفى، والتلفع بالذاكرة أحتماء من تأثيرات الخارج المشتغل على المحو والأستبدال ، هل يشدنا هذا الأستنتاج القرائي الى عنوان الرواية، وتعدد ميتتات المنقذ فيها؟
أمل الروائي تجسده الرواية ، ثمة حلم بالانقاذ وانتظار للحياة  ، حياة لا تحيا الا بالعودة الى الوطن والدهلة= الارض شديدة الخصوبة .
الميتة الثالثة تعني ان الواقع شهد تعدد للحياة ايضا، ثمة تلازم بين جدلية الحياة والموت ، الميتة الثالثة تعني ان هناك حياة اولى تلاها موت اول وحياة ثانية وثالتة تلت ميتتين ، لكن ماذا بعد الميتة ثالثة ؟
خلود في الموت أم حياة رابعة لا موت بعدها ؟
ما تقوله أشارات النص المروي إن حياة رابعة وسرمدية إنبثقت بعد آخر الميتات ،( – كان يظهر بعد كل مرة يموت فيها /ص12)
( اذا الشعب يوما اراد الحياة..)
فالميتة الثالثة لم تعن النهاية، بل كانت المفتاح الى سرمدية الحياة وهكذا تدفقت أم دهلة بدقات جواوينها وهفهفة بيرقها الاخضر وبكل ما اختزنته من تجارب إمتدت من مقاتلة الروس والانجليز وغيرهم ، لم يكن عبد شويخ البدوي شخصا محددا ولا حتى إسطورة..
عبد شويخ البدوي، ظاهرة او موضوع..
( ولان القارىء لا يريحه اختيار هذا الاسم الشيخوخي – عبد شويخ – فسيسميه فقط بلقبه الجميل الموحي : البدوي ، البدوي الغائب او البدوي المنتظر)
البدوي الغائب ظاهرة تتكرر، او تحث على التكرر الايجابي ، لا تتحقق الا بالعمل ، لا رائحة تظهر للبدوي الغائب ، رائحة النعناع ، الا بالعمل ، لذلك عندما قال ساجر أو جاسم النبهان أنه سيقوم بالتخلص من دامس الطاغية شم كاظم المعيبر رائحة البدوي ، النعناع، أما التمني والأحلام والأتكال والخنوع فلا تزيد البدوي المنتظر الا بعدا وغيابا..
عاد البدوي للظهور بعد ميتته الثالثة والاخيرة
(ص186/ حين قال ساجر
–    انا من يفعل ذلك.
ردا على سؤال الشاعر حمد بن بهنس
–    ومن تراه قادرا على قتل دامس البرغوث؟
حين قال ساجر ذلك ، اخترقت دفقة باردة من رائحة النعناع أنف كاظم فتلفت متيقظا….
–    رائحته ( أي البدوي) .. النعناع   إنه قريب جدا هذه المرة وركض مغادرا الكوخ  وهو يتمتم عبد شويخ ، عبد شويخ)

                                            -3-
ظاهرة البدوي المخلص المنقذ يشتغل عليها أسعد الهلالي بحرفية ذكية أدهشني أن لا يلتفت اليها نقاد الرواية  وراوحوا على سطح الرواية تماما ، بعيدة عن أغوارها ورسائلها وإشاراتها الثرية ، ربما لم يكن الوقت المتاح لهم كافيا ، وإن تطرق بعضهم الى منهج لوسيان غولدمان والبنيوية التركيبية، وربما لم يتح لهم الالتفات الى الفرق الكبير بين قراءة غولدمان لقصيدة بودلير (القطط) وبين ما قدموه ، فالعلاقات السوسيو نصية التي وعدنا أحدهم  بتناولها هي الأكثر غيابا، ومنها حكاية البدوي وظهوراته المتعددة  بتعدد ميتاته ، والأهم  فيها تماهيات البدوي، قد يكون أحدها هو المعلم احمد الحامد الذي أخصب هدية ..
( وهو يراها نجوى التي حظرت عليه وأُبعد من بغداد بسببها)
وقد يكون هو راضي ال صيهود الذي قتله ثجيل السركال لكنه عاد الى إخصاب هدية بهيئة المعلم احمد .
(وكانت هدية ترى المعلم على إنه راضي زوجها السابق القتيل)
وقد يكون البدوي هو المثقف صلاح المقيم في بغداد والمبعد اليها بسبب ثورة الشاي او ثورة الفلاحين في الناصرية ، صلاح المثقف نقل ابراهيم —  القادم الى بغداد ليستعين بها على استرجاع دونمات خيط الوحاش الى زوجته — نقله الى منطقة الوعي فعاد إبراهيم ليشارك في الانتفاضة  الاخيرة لأهل أم دهلة ، تمظهرات البدوي وتماهياته عديدة لكن أوضحها ظهوره بصورة ساجر بعد تحوله ، من ساجر الذي إكتفى بقتل الكلب حمور لأنقاذ عبد الجبار الذي مات هو والكلب حمور، ساجر حينها إكتفى بقتل حمور ولم يقتل أخاه الطاغية فهد العلوان لذا لم يتحقق الظهور المنتظر للبدوي وقتها، هكذا تقول لنا الأشارة ،  لكنه بعد  أن حمل إسم جاسم النبهان وقرر قتل الشيخ دامس البرغوث ، النسخة الاسوأ والأقذر لفهد العلوان تدفقت رائحة النعناع وهو ما يعني ظهور البدوي.

    -4-
ومن الاشارات على تماهي جاسم النبهان بالبدوي إن جاسم النبهان أتهم بأنه هو من ربط دامس البرغوث بعقاله وعلقه من قدميه منكوسا  ، وهذا تحديدا ما سبق أن فعله البدوي بدامس نفسه قبل عشرين عاما ، كل تلك الأشارات أو  السيمياء السردية  ترسم البدوي كموضوع  وحالة وظاهرة لا شخصا محددا أو خرافيا وهكذا كل فعل ينتمي لأفعال البدوي يمثله كظاهرة وإن كان فعل (هدية) وهي تجز ذكورة  ثجيل السركال  أو  كان دقات  جواوين نساء  ام دهلة ، أو ثورة الشاي أو غيرها ، كل  هذه الافعال تشير الى البدوي وتتماهى به.
الاسم عبد شويخ وان لم يرتح القارىء له ، لكنه موح ومضلل ليوهم القارىء وربما الرقيب المتيقظ بإسطورة عبد الشط الخرافية، لكن كل الاشارات تدلنا عليه ، على البدوي المنتظر، وتلتقي عنده ومنه تنطلق ، فهو الأمل والمنقذ والمرتجى لخلاصنا من طغيان دامس وتسلط سركاله وهو المنقذ لنا أيضا نحن قراء الرواية ، وهذا مهم ، المنقذ لنا من أنفسنا ، هكذا أُنقذ إبراهيم من أوهامه بصبري أفندي وأنقذ ساجر من تردده بقتل السبب الأول أخاه فهد وأنقذ آل بهنس من خنوعهم وخضوعهم وأنقذ الشاعر حمد بهنس من خشيته وتخوفه من قوة وبطش دامس، وأنقذ هدية أيضا من خوفها وغبائها فيما بعد..
( ص193 لولا خوفها وغباؤها لتغير كل شيء)

                     -5-

هذا المنقذ ، البدوي الغائب والمنتظر ، حالة كربلائية..
(هز بهنس رأسه موافقا ثم استدرك قائلا..
–    جاء الحسين بن علي عليه السلام الى كربلاء ومعه سبعون واجهوا الوفا مؤلفة.. ربما علينا ان نغدو مثلا قد يمنح أم دهلة يوما أبهى وأحفادي صوتا أشد وضوحا. ص230)
غيبات البدوي أو ميتاته أو ظهوراته تشير الى عقيدة المنقذ المنتظر والمخلص والتي ترتبط في العراق بانتظار المجتمع الحار للظهور ودوره في الانقاذ، سيمياء السرد في الرواية تربط هذا الظهور بالعمل والسعي تجاه المنقذ لا الاكتفاء بسكونية الانتظار، أي المبادرة لفعل ايجابي للتخلص من دامس البرغوث وقذاراته ، كما سيفعل ساجر والمعلم وإبراهيم بن سويلم وآل بهنس فيما بعد ، أما الأستكانة والتمني والأنتظار السلبي الذي مثله عجز كاظم المعيبر ووهمه بحوريات النهر فلا مجال معه لتحقق الظهور الاخير السعيد للمنقذ البدوي..
(القارىء هنا يقف طويلا أمام هكذا إشارات وهو يستحضر غيبتي الامام المهدي المنتظر الذي سيملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما)

   -6-

فكرة الخلاص أو المنقذ تتجلى بقوة في البدوي كما يستحضره الجميع ، محبوه المنتظرون أو مبغضوه المرتعبون منه ، لكن تمظهرا  آخر لهذه الظاهرة يرتسم بمهنة المعيبر ودلالاتها الواضحة، خاصة إن المعيبر يربط بين أم دهلة والضفة الأخرى حيث المدرسة وبغداد والبندقية التي يعود بها المعلم احمد الحامد ليشارك في الثورة ، حيث يتكرر غياب المعيبر تزامنا مع حوادث موحية..
•    المعيبر الاول( ابو كاظم) كان كل همه ان يتزوج ابنه ولما تمنّع كاظم وعزف عن الزواج ، اي عجز عن إنجاب من يرث المهنة من بعده ، مرض الاب واشتد عليه المرض.

•    لكن حين نجحت الكاولية ( الراقصة الغجرية) غزالة في احياء ذكورة كاظم النائمة وتحقق فعل إخصاب ما بغض النظر عن طبيعته ، في تللك اللحظة تحديدا غاب ابوكاظم المعيبر وتلاشى.

•    لم يتلاشى المعيبر الاول ابوكاظم  الا بعد ان تحققت قدرة الانجاب عند كاظم خليفته في مهنة المعيبر..
هذا التلاشي ملمح من الغرائبية السحرية ويضاف اليه ان غزالة الغجرية ايضا اختفت تماما واختفى معها صديق كاظم المسمى شنون الادبس وهو الذي ساعد كاظم وأخذه الى خيمة الغجر فوق اليشان.
•    هذان الاختفاءان لشنون وللغجرية وان كانا طبيعيين ومعلليين بخلاف اختفاء ابوكاظم ، لكنهما يعنيان او يشيران الى ان كل شيء كان له دور محدد وهو المساعدة على تحقق الاخصاب لتستمر مهنة المعيبر الضرورية لحياة ام دهلة واتصالها بالضفة الاخرى.

•    ثمة اشارة اخرى تجسد غيابا من نوع اخر، كان رقص الغجرية فوق اليشان، اي فوق المقبرة، وهنا فوق جثث الاموات تحقق الاخصاب ، كأنما شارك الاسلاف في تحققه، ومن هؤلاء الاسلاف كان سويلم الطباخ الذي سقط في القدر حين كان يعد الطعام لضيوف دامس من الانكليز ومات بسخامه ودفن، وكانت ازهار الجوري تنبت فوق قبره وتشع باذكى حتى من رائحة النعناع الخاصة بالبدوي المنقذ، لذلك امر دامس بسحق الجوري لمحو الرائحة، لعل روح سويلم هي من سعت لادامة مهنة المعيبر  كي يتحقق الخلاص من دامس عبر الضفة الاخرى وهذا ما حصل من بعد.

•    المفاجأة ان كاظم لم يستعد ذكورته بعد غزالة، وبقيت زوجته هدية تنتظر ، وفشلت كل تمنيات كاظم واوهامه واحلامه وتوسلاته بالبدوي ، واستمر عقمه حتى تزامنت ثلاث حوادث بشكل غرائبي وموحي .

•    الاولى فشل كاظم في تعبير التلميذ الواعد صباح (لاحظ الاسم) وغرق التلميذ الذي كان يحمل على ملابسه جزءا من علم ام دهلة او بيرقها الاخضر، وكان ينشد (نحن الشباب لنا الغد) ولم يبذل كاظم اي محاولة للسباحة والبحث عن الصغير الغريق بل اكتفى بالنواح كأي عاجز.

•    الحادثة الثانية كانت لقاء جنسيا غريبا ضم المعلم احمد الحامد وهدية زوجة المعيبر وكان كل منهما لايشعر بالاخر..لقد تحقق الاخصاب هنا في بيت المعيبر.
( المعلم يراها إبنة عمه نجوى وهي تراه زوجها السابق راضي)
•    الثالثة المتزامنة مع الحادثتين كانت غياب كاظم وتلاشيه بشكل غرائبي كما جرى لأبيه، كأن وجوده كان ينتظر الاخصاب ليختفي، أو إنه لم يعد أهلا للمهنة بعد غرق صباح وتصدي المعلم للسباحة والبحث عن التلميذ مقابل عجز الجميع كاظم المعيبر وبقية أهالي أم دهلة حتى إن أحدهم لم يحاول إنقاذ الغريق خوفا على مسحاته من السرقة! هكذا كانوا في أم دهلة.

•    ص 184 يقول الشيخ بهنس زافرا بوجه كاظم المعيبر بعد غرق صباح:( ما الذي يرضيني المعيبر الذي أهمل زمام قاربه ليبحث في جوف النهر عن حورية ام الاخرون الذين لم يفكر اي منهم بانقاذ الغريق وكأن الامر لا يعنيهم وكأنهم ليسوا من ابناء ام دهلة ؟ )

•    هذه الحوادث المتزامنة وواقعة كاظم مع غزالة وتلاشي والده تجتمع معا لترسم إشاراتها الدالة بأن المعيبر حالة وظاهرة مطلوب إنجازها وتحققها لينجز الخلاص من دامس وظلمه وظلامه.

وهي بهذا تندرج ضمن الأطار الأوسع لظاهرة البدوي المنتظًر أو المنتظِر( بفتح ظاء الاولى وكسر ظاء الثانية)

-7-

مع هذا التوصيف للبدوي كموضوع او حالة فأن الرواية رسمت له ملامح شخصية متكاملة مع بعضها، كبيان للوجه الاخر المجسد منه والمتتم للوجه الاول /اي حالة التجريد او الظاهرة..
افعال للبدوي تطالعنا في ص 249
•    قاتل مع العصملي ضد روسيا القيصرية.
•    جرح في ذاك القتال وأسر لكنه تخلص من الأسر مستعينا بخنجره.
•    واجه الانكليز بأسلحة كالخناجر والفالات والمكاوير.
•    خنجر البدوي الذي تخلص به من الأسر كان موجودا عند بهنس وبه إنطلقت الثورة الاخيرة.
وفي حالات اخرى
•    ضرب ثجيل السركال حين كان شابا لمحاولته الاعتداء على الفتاة مسك بنت ضمد.
•    علق دامس البرغوث من قدميه بعد أن ربطه بعقاله
وقد تجاوز البدوي المائة من العمر لكنه إستمر محتفظا بفحولة قوية ظل المعيبر العنين يحلم بها حتى إختفى.
وكان كل حضور أو ظهور للبدوي يترافق دائما مع رائحة النعناع الزكية.

   -8-

كشف النسيج السردي للرواية عن ثلاث مجموعات عائلية وأشخاص متفرقون
•    العائلة الاولى : عائلة ال برغوث
ويمثلون الظلم والظلام والقباحة والقذارة وإنحدار القيم وانتهاك الحرمات.. الخ
يقف القارىء اولا عند الاسم ( دامس ) الشديد  الظلام  ثم لقب العائلة  ككل البرغوث وما يحمله  من دلالات ، ثم  يستعرض مواصفات الرمز الابرز  لال برغوث  وهو الشيخ دامس البرغوث…
هذا الدامس أذاب أباه في التيزاب ليكون هو الشيخ لآل برغوث بدلا عنه.
(حالات الاذابة  في التيزاب شهدها العراق بعد زمان الرواية)
تعامل مع الاحتلال الانكليزي ومارس العمالة الى أقصى مداه  فزوده أسياده الانكليز بالمال والبنادق ليتمكن من التحكم بالناس في أم دهلة وما جاورها من أراض كخيط الوحاش وأرض آل بهنس وغيرها.
خان الامانة واغتصب الراهبة الانكليزية (ممثل القداسة)  التي اؤتمن عليها وانجب منها إبنه غير الشرعي ثجيل السركال.
مارس الزنا واغتصاب النساء وكانت آخر محاولاته مع فتنة بنت الوحاش حيث استطاعت جز ذكورته وأهلكته .
قتل الوسيط الساعي لأحلال السلام بينه وبين الاخرين ،السيد نور من نسل أهل البيت عليهم السلام( قتل للقداسة ايضا).
تزوج من أربع نساء كلهن كن يخوننه مع ثجيل السركال إبنه غير الشرعي ومع غيره ، حتى إن إبنه الأثير لديه كان أشقر الشعر وناتج لعلاقة ثجيل المحرمة مع سليمة زوجة دامس.
خان آل بهنس الذين حموه وآووه بعد أن نبذته العشائر لأغتياله السيد نور.
بلغ من الهوس والتلذذ بالقتل حد إنه كان يتسلى بشي سحلية.
أما ثجيل السركال النغل وثمرة إغتصاب دامس للراهبة الانكليزية ، فقد بدا دوره بالصعود بعد نجاحه في الطبخ لضيوف دامس من الانكليز حين عجز الاخرون أو تمنعوا أو رفضوا خدمة الانكليز عقب سقطوط الطباخ سويلم في قدر الطبخ ومات مسخما.
كان ثجيل أشقر الشعر يخفي شقرة رأسه باليشماغ ويصبغ شاربيه بالأسود، وكان رأسه مليئا بالقمل والقذارة ورائحته نتنة.
كأبيه كان زانيا ومغتصبا، زنى بنساء أبيه وإغتصب فتنة وهدية التي جزت ذكورته وقضت عليه حين مات غرقا في المخيسة.
ثجيل قاتل وحشي، قتل راضي الصيهود بمكر من دامس، وكان يتلذذ بذبح القطط بوحشية وهي عادة تعلمها منه إبنه أو إبن أبنه زاهر الصبي الأشقر أيضا .
(القارىء يستحضر حوارات رائحة الجوافة مع ماركيز الذي قال انه حين اراد كتابة روايته خريف البطريرك درس حياة مائة دكتاتور واكتشف انهم جميعا كانوا بلا اباء- وهكذا حال ثجيل وكذلك دامس ايضا )
شخوص العائلة الاخرى نساء دامس الاربع وكلهن زانيات وراهي بن دامس وهو بليد لا تاثير له في الاحداث، اما زاهر فهو الاشقر الناتج من العلاقة بين ثجيل وزوجة أبيه سليمة، وكان كثجيل قذر مليئا بالقمل، ومثله كان يتلذذ بذبح القطط ، اي انه مشروع قاتل او إمتداد لدامس آخر، وحادثة هروبه مع إمه عند ثورة أم دهلة ومعهما أموال دامس الكثيرة ، هذه الحادثة ترسل إشارة تحذير من أي تراخ أو تراجع عن حالة الظهور أو روح الثورة ، سيعيد دامس وظلامه وقذارته من جديد ممثلا بزاهر القذر الاشقر الذي لا أب له.

   -9-
العائلة الثانية ال بهنس وتمثل الوجه الاخر الايجابي لكن المتراخ في شطر من الاداء مما مكن الظاهرة الدامسية / الاستبداد من السيطرة عليهم واضطهادهم حتى ثاروا وعادت اليهم روح البدوي المنتظر ورائحته..
أهم شخوصها الاب الشيخ بهنس الذي آوى طريد العشائر دامس ، الذي سرعان ما انقلب على بهنس وصادر اراضيه.
وولدا بهنس مجيد وحمد الشاعر الذي كان خائفا مترددا من مواجهة الاستبداد البرغوثي، ثم ارتقى الى مستوى التمرد فيما بعد.
وهذه العائلة هي ايضا من آوى ساجر طريد اخيه الطاغية فهد العلوان..
تتواتر الاشارت هنا فحالة الايواء الاولى كانت خاطئة وترتب عليها تمكن الطاغية دامس وسيطرته بينما كانت حالة الايواء الثانية صائبة وأدت نتائجها الى ثورة ام دهلة وتخلصها من الاستبداد.
اما العائلة الثالثة فهي ال فهد العلوان، هذا الفهد المستبد اطلق كلبه حمور ليقطّع لحم المعارض عبد الجبار وأراد قتل أخيه ساجر لأنه تدخل لأنقاذ عبد الجبار فقتل الكلب حمور وإن بعد فوات الاوان ومقتل عبد الجبار.
إحجام ساجر عن قتل أخيه وإكتفاؤه بقتل حمور الكلب فقط ، فعل شبيه بشكل ما مع ايواء آل بهنس للطريد دامس.، لذا لم تفح رائحة النعناع عند قتله للكلب مع ما فيها من تحد وقوة، بينما عندما قرر ساجر قتل دامس فاحت الرائحة ، كما إنه لم يعد يحمل إسم ساجر، أي المتقد او الواقد ( إشارة الى الانفالية والحماس)، لقد تغير إسمه مع ما رافقه من وعي وأصبح إسمه جاسم النبهان..
الاشارات هنا تحيل القارىء الى دور الوعي ، غياب الوعي هو ما إنجز حالة الايواء أو الاجارة الاولى التي عززت الاستبداد ، وغياب الوعي هو الذي جعل ساجر يكتفي بقتل الكلب فقط ، في الحالتين تغلبت أعراف العشائر وصلة القربى على المبادىء، لكن بعد حضور الوعي وفهم الاستبداد تحققت أجارة الطريد ساجر وتحقق قرار ساجر/ جاسم النبهان بقتل دامس النسخة المماثلة للمستبد فهد العلوان، كلاهما واحد.
حضور الوعي هو أيضا من نقل إبراهيم من باحث عن مساعدة في بغداد لاسترداد أرض زوجته، نقله الى العودة الى ام دهلة والعمل بنفسه على الثورة وإسترداد الأرض المغتصبة.
وهو الذي جعل هدية تلتفت الى إنها( لولا خوفها وغباؤها لتغير كل شيء- ص193) ولما تسلط ثجيل وقتل زوجها الخصب راضي ال صيهود.
-10-
ثورة أم دهلة كانت إمتدادا لثورة الشاي أو ثورة الفلاحين في الناصرية، ووعي تجربتها نقله صلاح المثقف والصحفي، نقله الى ام دهلة عبر ابراهيم.
ما مهد للظهور الاخير إذن هو ثورة الشاي ايضا، وقطعة البيرق الموجودة في ثوب صباح التلميذ مهدت للظهور، كأنما مل البيرق رقاده ، فأراد التحرر وحل في ثوب صباح الذي كان غرقه إعلانا عن ولادة صباح جديد ومعيبر جديد  ، فاعل وعملي..
صباح المتطلع الى زيارة عيد الغدير بما تعنيه المناسبة من دلالات موحية، تعني بالاخص إيحاء نقل الراية الى يد جديدة وقادرة وامينة.
صباح الصغير وهو ينشد( نحن الشباب لنا الغد) حمل قطعة من قماش البيرق ليوقظ البيرق كله ، فانتصب أخضر مهفهفا..
تتعانق العلائق هنا والاشارات ، سيمياء السرد والتاريخ ، تتعانق معا  لترسم الاخضر( راية المنتظر ) والثورة ضد الظلم  وعيد الغدير  ودم السيد نور الذي انتصر له الثائرون  وانتصرت السماء ايضا ، فامطرت غزيرا وهدمت سد  دامس  ، فتدفق الماء  ليروي ارض طبر السيد وينعشها من جديد..
عالم من الاشارت هذه الرواية ومسرحا لتوالدها ،نسجها و صاغها بجدة وتمرس وابداع  روائي قدير اسمه اسعد الهلالي .

البصرة //نيسان 2011
جابرخليفة جابر
Jabir_kh@yahoo.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.