جليل البصري : ثلاث قصص قصيرة جداً

الجسر
تناقش وزميله عن فائدة هذا الجسر الذي ينتصب فوق الشارع كطوق يحجب الرؤية، وتحتل قاعدته مساحة من الرصيف، دون ان يعبر عليه أحد. فالجميع يعبرون من أمام السيارات المنطلقة كالصواريخ فيه..
فقال زميله:
– حقا ما تقول.. بل وصارت تفوح منه رائحة نتنة وتغطي معدنه مساحات اليوريا البشرية والبـ… احيانا، وحري بالحكومة ان تزيله..
وزال الجسر ..
لكن مقتل فتاة عند موقعه أثناء عبورها ، أعاد النقاش بينهما، فقال زميله بتأثر:
-ألم يكن بقاؤه أفضل..
فأجاب الاول، انه يرى ان وجود اشارات ضوئية سيضبط حركة السير والعبور معا.. لكنهما شاهدا بعد أيام رتلا من السيارات يصدم بعضه عند معبر الاشارات الضوئية الموضوعة حديثا، في اللحظة التي كانا فيها يعبران على مقربة منها..

التنطة

إستوى قليلا على كرسيه الوثير، ثم عاد للاسترخاء بلذة جديدة، وهو يتطلع الى التلفاز، مشدودا الى برنامج حول البيت البغدادي تتنقل فيه الكامرة بين ابواب البيوت وشبابيكها وبين أوانيها النحاسية والحب والتنكة..
إلتفت الى زوجته وأطفاله متوهجا:
– الله.. ما أطيب ماء التنكه..
في اليوم التالي اشترى واحدة، ووضعها باحتفاء على حافة الشرفة الصغيرة التي تصل الشقة بالفضاء الخارجي، ويحتلها الدش حتى الحافة..
عاد للاسترخاء أمام التلفاز حتى وقت متأخر  من الليل..
انتبه الى ان زوجته وأطفاله يغطون في النوم، فنهض بخفة الى جهاز تحريك الدش، أداره على عجل.. فاستيقظ الاطفال على صوت سقوط التنطة..

انسجام
لطالما تمنى أن تنطق بكلمة… فكلما إلتقى بها، تتألق عيناه ببريق القوة والعنفوان، فيحدثها عن نفسه.. عن اعجابه بها .. بجمالها .. وخلقها.. وانه يجدها متفردة بين بنات عصرها اللواتي لا يدركن مغزى الحياة.. لايعرفن كيف تكون.. وكيف يكون الحب والتألق .. والوئام والتفاهم والتقارب الفكري.. وكان كل مرة يحدثها فيها بتدفق وإلهام.. تقف هي مبهورة تتطلع الى شفتيه تنهمر منها الكلمات كسيل، فتفيض عيناها بالاعجاب..
وعندما ينتهي.. ينظر إليها بعنفوان وقوة، فتبتسم خجلا وتنحهي المقابلة بإمارات استحياء على وجهها المنسحب نحو الارض..
ذات مرة كان يحدثها عن الانسجام الروحي، وخطر بباله وهو يتحدث كعادته، أن يسألها عما اذا كانت تفهم معنى الانسجام الروحي الذي يقصده.. سألها فجفلت ورسمت على وجهها ابتسامة استحياء وسحبته نحو الارض.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن سالمي : “في حضرة الشّيطان” وقصص أخرى قصيرة جدّا .

في حضرة الشّيطان     جحظت عيناها وهي تكابد كي تلتقط أنفاسها وتلك القبضة الحديديّة تضغط …

| صفاء أبو خضرة : من أينَ أتيتَ؟ من تجربتي مع السرطان .

-1- أتدري ماذا يعني ألّا أكتُب؟ هكذا، بلا اندفاع وبلا رغبة، دونَ أن أغزلَ الكلمات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *