حيدر علي سلامة : من العقل والحرية إلى سيرة حارة بغدادية

* قراءات في لوحة التنوير الأولى للدكتور عبد الستار الراوي

يعد الأستاذ الدكتور عبد الستار الراوي واحدا من الأساتذة المختصين في مجال تدريس الفكر الفلسفي، وصاحب مشروع فلسفي ينطلق من قراءة تاريخ الفلسفة الاسلامية وخاصة لعلومها الكلامية ذات الاشكاليات الفلسفية المعقدة والعويصة. فكانت كتب الراوي خير معين لنا نحن طلاب الفلسفة المتورطون في تلك الاشكاليات الفلسفية، التي تبدأ من علاقة الله بالعالم، وتنتهي في علاقة الله بالإنسان وبحريته وقراره وقدره…الخ، ناهيك عن العلاقات المعقدة والشائكة كتلك المتعلقة بخلق العالم وأسبقية وجوده على الله أو العكس، اضافة إلى نظريات القدم والحدوث، وكلام الله وقضايا فلسفية ليس لها حد ولا اخر. فمن خلال جميع تلك الاشكاليات تبلورت رؤية الراوي للفلسفة الاسلامية متخذة من المعتزلة منهجا وطريقا. والملاحظ على تلك المدرسة الفلسفية انها كانت الاقرب إلى الاحكام العقلانية واحيانا النقدية في كثير من القضايا الميتافيزيقية والغيبية التي تمأسست وفق أحكام حنبلية قطعية لا تقبل النقاش والنقد والحوار، وهذا ما جعل تلك المدرسة مثار شبهة فلسفية في ظل الاجواء الدوغمائية التي رافقت وارتبطت بنشأة تاريخ الفلسفة الاسلامية.
حاول الراوي اعادة النظر في كثير من المفاهيم الفلسفية، خاصة تلك التي تحولت إلى اشكاليات فلسفية ذات اتصال وثيق بوجود الذات الإنسانية وعلاقتها بالعالم؛ وحياة التناهي؛ وجدل الوجود والعدم. وبدا ذلك واضحا في مشروعه الفلسفي، لاسيما في سيرته اليومية للوحة التنوير الاولى، حيث عمل على ألانعطاف بمشروعه الفلسفي أو الاعتزالي من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الإنسانية؛ ومن المرحلة الميتافيزيقية إلى المرحلة الوجودية؛ ومن المرحلة التجريدية إلى المرحلة اليومية. وهنا كان علينا أن نتساءل فيما اذا كان الراوي قد وفق في إعادة تشكيل السؤال الفلسفي العراقي؟ وهل عمل الراوي على إعادة قراءة تاريخ الفلسفة الإسلامية بوصفها جدل صاعد من خلال تاريخ إشكاليات وجود الذات الإنسانية، تلك الذات المسرودة والمحكية، بل المسيطَر عليها من خلال أنظمة ألحكي اليومي لاسيما المؤدلج منه، وهذا ما اسماه الراوي بالجدل النازل؟
الراوي: من قدم الذات الالهية إلى حدوث الذات الإنسانية
قد يبدو أن الأمر فيه شيء من الاستغراب الفلسفي، سيما عندما يتعلق الموضوع في إعادة تحليل إشكاليات تخيل “الذات” في خطابنا الثقافي عامة،والبحث عن الارهاصات الاولى لوجودها وتشكلها في اقسامنا الفلسفية خاصة. فمسألة الذات من القضايا الحادثة والطارئة على خطابنا الفلسفي العراقي، لفرط تحللها بين تقنيات كتابة النص الفلسفي المجرد المتعالي الميتافيزيقي والرياضي والمنطقي، انتهاء بذوبان وتلاشي فكرة الذات في المؤسسات الأيديولوجية التي عملت جميعها على ابتلاعها وإعادة ابتكارها لخدمة الأنساق الحزبوية والسياسية واللاهوتية، لتكتمل هنا تراجيديا الذات الممسوخة والغائبة والمغيبة، التي ابتلعتها قلعة السلطة الشمولية “الكافكاوية” إلى الحد الذي اصبحت فيه هذه الفكرة بدعة لا يمكن الخوض فيها أو الكتابة عنها. فبقيت اشكالية الذات في اقسامنا الفلسفية، متماهية في أيديولوجيات الذات الالهية، بطريقة بيداغوجية وتقليدية واحيانا صوفية على اختلاف طرقها وممارساتها، كل بحسب صور واشكال تدريس الخطاب الفلسفي عندنا، هذا من جانب ومن جانب اخر، بقيت تلك الاشكالية أي “اشكالية الذات” متماهية بالذات السلطوية الحاكمة وفقا للممارسات الحزبوية المسيطِرة على طبيعة وصيرورة العملية الأكاديمية.
أن مجمل تلك المواقع التي تشغلها الذات في ظل هيمنة مثل تلك الطوبولوجيات السياسية، تبتكر لنا ذوات مفلولة ومشلولة ومنقوصة (أي المصادر فعلها مسبقا) بين مواعيد كل من التدريب العسكري الإلزامي؛ والعمل المفترض؛ وعذابات جدول الصلب الفلسفي اليومي؛ انتهاء بالخدمة العسكرية التي تتحول فيها الذات إلى نسق ميتافوري من الاوامر السلطوية. لذلك اصبحت عملية الكتابة عن الذات محفوفة بالمخاطر، لأنك عندما تكتب عن تلك الاشكالية، عليك اولا التجرد والتحرر من جميع تلك الطوبولوجيات الايديولوجية القبلية كأيديولوجية الطائفة المنغلقة؛ والمعتقد الديني؛ والانتماء الحزبي. لانها في النهاية تمثل مجموعة من العوائق الابستمولوجية التي تحول دون ولادة نص فلسفي يحاول أن يعيد سؤال الذات في خطابنا الفلسفي الراهن.
والملاحظ على عملية تدريس المناهج الفلسفية المقررة في اقسامنا، خاصة المواد الفلسفية المختصة بالدراسات الفلسفية المعاصرة والحديثة، لاسيما الفلسفات الإنسانية والوجودية، انها تتصف بغياب المفهوم الفلسفي النقدي، وبسيطرة التلقين الميكانيكي الآلي. ونتذكر هنا كيف كان يتلقى طلاب الفلسفة المفاهيم الفلسفية المعاصرة بشيء من الإرباك الذهني والتخبط المنطقي نتيجة لعدم وجود قنوات اتصال وتواصل بين المفهوم الفلسفي والطالب والاستاذ، لذلك بدت لنا الكثير من المفاهيم الفلسفية المعاصرة مثل مفاهيم الفلسفات الوجودية أو الفلسفات التي تعلي من شأن الذات، مفاهيم مجردة وميتافيزيقية، على الرغم من أن تاريخ نشأة تلك الفلسفات كان يشتغل بطريقة عكسية ضد فلسفات الأنساق الشمولية كما تمثلت في المنطق الهيغلي الذي يصهر الذات في جدل روحه المطلق على حد تعبير كيركيغارد. فبدت لنا المفاهيم الفلسفية اشبه بالأحاجي الذهنية التي لا يمكننا حلها بسهولة، والسبب في كل ذلك يعود إلى ان اغلب الاساتذة المختصين في تدريس الفلسفة عندنا، لم يتبلور في داخلهم ادنى ايمان بالفلسفات الإنسانية، بل لم يتوفروا على مفاهيم تحليلية ونقدية لتلك الفلسفات، بسبب حداثة تلك الفلسفات من جانب، وغلبة الانتماءات الحزبوية الضيقة عند كثير من اساتذة الفلسفة العراقية. فصارت المفاهيم الفلسفية متلونة بتلون اشكال تلك الانتماءات. واللافت في الأمر هو اننا لازلنا والى يومنا هذا نهرب من تحليل اشكالية الذات من خلال  حصر موضوعات رسائلنا الجامعية في تقنيات كتابة المنطق الصوري أو الرياضي أو اللغوي؛ أو في التأريخ للفلسفات الغربية أو الإسلامية، لنكون بذلك قد ارتحنا من عناء سؤال الذات الاشكالي والمقلق في خطابنا الفلسفي.
من هنا تبدو أهمية قراءتنا للوحة التنوير الأولى للراوي، وذلك لأنه أبدع في سرديات الذات وعلاقتها بعالمها ومتخيلها الماضوي. ولكن كيف استطاع الراوي أن يعيد فتح ملف الذات المختوم بالشمع الاحمر والمكتوب عليه سري للغاية؟ وكيف استطاع أن يعيد مساءلة الدرس الفلسفي الذي غيّب اشكاليات وفلسفات الذات في خطابنا الفلسفي الراهن؟ وهل نجح الراوي من خلال لوحته التنويرية الاولى لسيرة حارة بغدادية أن يعيد ابتكار واكتشاف ما نُسي وهُمش من تاريخ الذات؟ وهل وفق أيضا في تأسيس رؤية نقدية وابستمولوجية لتاريخ اشكالياتنا الفلسفية؟
الراوي: من فروع الفلسفة إلى فلسفة الدربونة
في نصه السردي الذي يجسد صيرورة المفاهيم الفلسفية المتحولة من هيمنة الأنساق التقليدية إلى تشكيلات الحياة اليومية، يحاول الراوي الانتقال بنا إلى عوالم لا مكان فيها لتقنيات اللغة الميتافيزيقية ومواضيعها التجريدية، فيتحول بذلك علم الكلام إلى علم كلام الحياة اليومية، والعقل الفعال الإلهي إلى عقلنة الأفعال الإنسانية، والفيوضات العلوية إلى كثرة فوضوية محكومة بحركة الناس والمارة وأصوات الباعة والعتاكة، وإشكاليات المبدأ والمعاد إلى عودة وانبثاق الحياة الأولى وانبعاث الصحبة الراحلة من صمت الازمنة الماضية إلى روح الحياة الحاضرة. هكذا تتحول الميتافيزيقا الارسطية والفلسفة الإسلامية إلى اشكاليات تتعلق بوجود وازمنة من نحبهم وعشنا معهم طفولتنا وتنفسنا معهم لحظاتنا الأولى، وفنينا ذواتنا في ذواتهم وجيرتهم وعراكهم وشقاواتهم وضحكاتهم وأحزانهم…الخ.
من هنا يبدأ صاحب العقل والحرية بنقلنا إلى حرية “بيتوتية ومحلاتية” تقع خارج اسوار العقلنة ومقولاتها المجردة، ليتركنا في ساحات الفحامة ودربونة زنكو وقمر الكرخ، بوصفها جميعا اللوغوس الفلسفي التنويري الجديد الذي يقترحه علينا الراوي، وذلك من اجل إعادة بناء النظرية الفلسفية واشكاليات الذات الغير مكتشفة بعد. فالكرخ هنا هو الميتافيزيقا الفلسفية التي تلهم الراوي في محاولته “الديكارتية” في سرد الأشياء من جديد، فيصفها قائلا:(( قمر الكرخ مركز كون الصبيّ تنشغل بالحركة، تمتد خطاً، والخط يغدو سطحاً، والذرة الحية تمتزج مع محيطها في الاتجاهات كافة .حركة الذرات تشكل أجساماً، تستحيل كوْناً، عاصمته الطفولة. والدربونة رأس الأمكنة، ومنها تنبثق الحرية حاملة حقائق الأوطان، جدلية مثيرة؛ ترفض الاختزالات العبثية،  وتضيق بالأقيّسة المنطقية الجافة . الحقيقة كانت تتبدى في معان بهيجة؛ نضارة الدربونة ونصاعة صباح زنكو، وتبادلية الأنا والـ (نحن)، وتَمَثُّلْ العلاقة الخالقة بين الكائنات، بنيّة حميمة بالغة الرقيّ، في تشييد عمارة الكون الإنساني :
زنَكوّْ–الفحامة.
الفحامة–الكرخ.
الكرخ–الوطن.
الوطن–الإنسان.
تتداعى الفردية وتنحلّ في لوحة قيمّ الدربونة ، فالواحد الفرد لا يكون إنساناً أو كائناً سوياً ما لم يكون كلياً، الحاضر في وجدان مجتمع (زنكو)، بوصفه تعبيراً عن صوت الإجماع العام الذى لا يضلّ ولا يُضلّل أحداً، وبـ(الإيثار) تنهض الحياة  ويرتقي الإنسان)).*
هنا نلحظ كيف أن الراوي يحاول أن ينتقل بنا من مجالات التفلسف النظري إلى عالم الميثولوجيا التعبيري الذي يعج بصحبة الأشياء وحميمية انتماء الكائن إلى ذلك المعمار الانطولوجي الفسيفسائي والهندسي المتكون من التشكيلات الجماعية التي تذوب في حضرتها قيم الفردانية في حتمية “النحن” و”آخرية” زنكو، ليتم بذلك تجاوز نسبوية الذات من خلال ذوبانها في “الروح المطلق” لزنكو. فيمكننا هنا أن نعد الجزء الاول من تلك السيرة، اي بدأ من رقم واحد وانتهاء برقم ثمانية، بمثابة المقدمة الفلسفية التي يعرضها الراوي كمقدمة للحلقات الاخرى. لذا نراه يشتغل على تحويل المفاهيم الفلسفية إلى فضاءات الميثولوجيا “المناطقية” المحملة بعبق الماضي السحيق وخطاب العودة إلى الاصول حيث تتلاشى الفوارق الطبقية لتحل محلها انتماءات كوزمولوجية لكل ما هو مشترك ومشاعي وفطري في نظرات واعيُن الجميع، انها جنة دلمون الميثية تلك التي يتكلم عنها الراوي، والمتحولة إلى ذاكرة جماعية، حيث كل من: ((المكان والزمان يتحدان، يصيران حركة، وجوداً متعّيناً، كل جزئية منه تنتمي إلينا، وتنضم إلى ذاكرتنا: الدربونة البهية، و(الطرف) المفعم بالبهجة، فضاءات الفحامة، ودنيا الكرخ، ليس ثمة من شذرة سائبة، أو لحظة غائبة، أو ذكرى عائمة، فلكل واحدة منها كياناً، رسماً، دلالة و رمزاً، جذراً عميقاً يمتد إلى الأفئدة والعقول)).**
من كل ما سبق ذكره، يتشكل المشروع الفلسفي للراوي ذلك المشروع الذي يحاول استعادته بطريقة السيرة الذاتية لطفولة الدربونة البغدادية التي رسمت ملامح وحياة وشخصية الراوي، بل والتي طبعت مشروعه الفلسفي بمتخيلها وذاكرتها الجماعية، وتلك النقطة يعدها الراوي التمهيد الحقيقي لانشغاله الفلسفي ومشروعه الثقافي، حيث يقول ان: (( إستعادة الزمن الجميل..ليس ردة عن الحاضر، أو رجوعا إلى الوراء، وليس نقيضاً لمنطق الغد، ولا هو دعوة لأحياء الزمن الفائت، للإنكفاء في قوقعة الماضي، وإلا فأننا نلحق ضرراً بليغاً بالعقل والحكمة والمستقبل .إن قمر الكرخ بوصفه سيرة ذاتية للمكان، من وجهة نظر كاتب هذه السطور يسعى  إلى إعلاء القيم الجمالية، والثراء الإنساني، وإلى قراءة كتاب الطبيعة الأولى، في مرح الخيول، وحكمة فاطمة، وتأملات ماهية الحمادي، وعظات الشيخ مشمش،  وعبثيات رشودي، ومسرات الليالي، وبراءة الطفولة، وأرزاء الرحيل الابدي، ووصايا الشهداء، ومرثيات الطيور، توكيدا للوظيفة النقدية  للفلسفة التي تعد الانشغال بمهموم الإنسان وقضية الاوطان من مهامها الأولى .وهي ذات الغاية التي أنشأ من أجلها كاتب هذه السطور أعماله الفكرية الأولى: العقل والحرية، ثورة العقل، فلسفة العقل، أصابع العروس، فردوس الكرخ، قطر الندى، وأسئلة الغد.بوصفها جدلاً نازلاً إلى خلايا الواقع، لتحرير العقل من الأجوبة المتداولة، واليقينيات الثابتة)).***
من خلال النص السابق يضعنا الراوي على عتبة مشروعه الفلسفي ومعماره الانطولوجي المنشغل بإشكالية الذات الإنسانية التي يحاول الراوي تحريرها من دوغمائية الاجوبة المتداولة واليقينيات الثابتة على حد تعبيره. لكن ألا تبدو إشكالية الذات ضمن النسق الفلسفي للراوي ملتبسة وملغزة بعض الشيء كسابق عهدها؟ وهل نحن فعلا مقبلون على مرحلة تحرير الذات الإنسانية من سيطرة الاشكال الدوغمائية التي لطالما غيبّت الذات، تلك “الذات المأسوف على انطولوجيتها” التي لم يتم انتشالها بعد من سيطرة “النحن” و”سلطة الدربونة” وايديولوجية الانتماءات المناطقية والجغرافية؟ وكيف لمشروع فلسفي أن يتأسس دون الأخذ بنظر الاعتبار تجاوز جميع المركزيات اللوغوسية والمركزيات السردية المتمركزة حول ماضوية وذاكرة الامكنة المرتبطة بمتخيل الجماعات الثقافية؟ ولماذا لم يستمر الراوي في تشكيل قراءات فلسفية نقدية اشكالية، لاسيما في الحلقات الاخرى من لوحة التنوير الأولى؟ حيث من الملاحظ على طبيعة لغة تلك الحلقات، هو غلبة السرد التصنيفي الذي أفاض من ناحية بذكر الاسماء؛ الاحداث؛ الوقائع؛ العلاقات القريبة والبعيدة، ومن ناحية اخرى خلا من طرح اي مشكل ثقافي وفلسفي، على الرغم من أن الراوي التزم منذ البدء بإشكالية قراءة وتحليل الجدل النازل في مشروعه الفلسفي العقلاني وتخليص الذات من الاجوبة الدوغمائية المتداولة. فلماذا خلت اغلب الأجزاء الأخرى لسيرة لوحة التنوير الاولى من اي اهتمام فلسفي، وذابت إشكالية الذات كما ذُوبت من قبل بتقنيات السرد والجرد لأسماء الاماكن والصحبة والعلاقات والناس…الخ؟ واذا كان الراوي قد نجح إلى حد كبير في ادخال الفلسفة إلى خلايا الواقع على حد تعبيره، فهل هذا يعني انه نجح في تأسيس العلاقة الابستمولوجية والنقدية بين جدل الفلسفة واليومي واليومية؟
الراوي: من الانشغال الفلسفي إلى الانشغال باليومي
في الجزء الثاني من السيرة الذاتية لدربونة بغدادية، يحاول الراوي أن ينقلنا من المشهد الفلسفي الذي ارتحلنا معه فيه عبر الجزء الاول، ليأخذنا حيث مشهد الحياة اليومية في كافة مكوناتها وعلاقاتها وانتماءاتها التاريخية المرتبطة بذاكرة المكان وجدل الزمان الذي تحول إلى ذاكرة سياسية وثقافية تشكل المشهد اليومي لحياة الناس وحركة المجتمع. ومن المعروف في الدراسات الفلسفية المعاصرة أن اليومي أو “علم اليومي”  -كما يحلو لمؤسسه جان لوفيفران تسميته- اصبح من العلوم الانتروبولوجية واللغوية الاساسية والمعتمدة في التفكير الفلسفي الراهن، لما له من أهمية في نقد وتعرية الممارسات الأيديولوجية التي تكتنف صيرورة الحياة اليومية. فيغدو اليومي هنا ليس مجرد انتماءات يومية لممارسات بيولوجية وفسيولوجية تتحول مع مرور الزمن إلى طاقة لاشعورية متخيلة تشكل فيما يعرف بالزمن “الاسكاتولوجي” على حد تعبير مارسيا الياد في نظريته في العود الأبدي، بل أن اليومي يمثل “علم ثورة الفلسفة” على تقليديتها وانتماءاتها الأيديولوجية، والذي على اساسه تتشكل المعارف الذهنية واللغوية والابستمولوجية التي بواسطتها يمكننا اعادة بناء وتشكيل الحياة اليومية للثقافة العراقية ولاشكالياتنا الفلسفية في آن معا.
ان مفاهيم اليومي وعلم الحياة اليومية هي من اهم الثيمات الفلسفية التي  تتحكم  في نص الراوي، ذلك النص المسكون بحركة اليومي الدورية، وحركة الأشياء من الماضي إلى الحاضر، وكذلك حركة الاحداث التاريخية والسياسية التي ترسم المشهد الثقافي “لليوميلوجي” أو علم الحياة اليومية، وتلك هي في مجملها اهم “العوائق” التي تواجه الفلسفة والمشروع الفلسفي في “إعادة سؤال اشكالية الذات”. فمن المعروف أن هناك تاريخ من عدم التلاؤم والتكيف بين الفلسفة واليومي، فعلى مدار تاريخ الفلسفة نلاحظ أن الوجود اليومي يقف على طرفي نقيض من الفكر الفلسفي، فالفلسفة تبدأ مع الوعي الفردي الناقد وليس مع الوعي الجماعي، وإلا لانتفت طاقتها النقدية في كشف زيف وادلجة السائد الثقافي، والفلسفة موقف عقلاني ووجودي يسائل الأشياء ويبحث في طبيعتها وتاريخها المرتبط مع الايديولوجي والسياسي. وقد كان لكثير من فلاسفة الاسلام موقف ناقد للوجود اليومي الذي تسيره الاهواء والرغبات على حد تعبير ابن رشد، أو الذي يسيره منطق الجدل والبيان وليس منطق البرهان. ان الفلسفة لا تتعامل مع اليومي بطريقة وصفية أو ذاتية لانها تتعارض مع اليومي الذي يحجب وظيفتها النقدية ضد الوظيفة التكرارية والدورية لليومي، لذلك أن تكوين ((مفهوم اليومي يوضح الماضي، لقد كان ثمة دائما حياة يومية وان كانت جدا مختلفة عن حياتنا. غير ان اليومي هو دوما عنصر “مكرور ومحجّب إلى حد ما بالهواجس والقيود”. نكتشف اذن المشكل الكبير للتكرار، وهو احد اصعب المشاكل التي تطرح. فاليومي يتموقع عند التقاء وجهتين للتكرار:الانتظام الدوري المتحكم في الطبيعة والخطية المتحكمة في المسارات العقلية. يتضمن اليومي من جهة الدورات(الليالي/ الايام/ الفصول/ عمليات الجني/ النشاط العطالة، الجوع واشباعه، الرغبة وتحقيقها، والحياة والموت)).****
هكذا نرى أن اليومي يمثل النظام الدوري والروتيني لحركة الحياة اليومية المحكومة بالتكرار والتحجب والقيود، تلك هي اهم المفاهيم الرئيسية التي تشكل البنية الداخلية لليومي وتمثلاته في المؤسسة الاجتماعية. والسؤال الذي نود طرحه هنا، يتعلق بطبيعة العلاقة الابستمولوجية بين كل من الفلسفة والتكرار والحجب والقيود، ومن ثم علاقة كل ذلك بتشكيل فكرة الذات والحرية؟ وهل يبقى ثمة بصيص من الفضاء لولادة الذات في عالم التكرار والقيود المتمثل في خطاب اليومي؟ وهل يمكن التأسيس لاي مشروع فلسفي دون أي نقد وتفكيك لليومي؟ وهل اليومي خطاب ايديولوجي ام ابستمولوجي؟ وهل اليومي يدعونا إلى أن نأخذ موقف المتفرج إزاء تاريخية تكراره وقيوده التي يحجبنا بها بطريقة لاشعورية؟ لقد عبر عن ذلك مؤسس علم الحياة اليومية جان لوفيفير اجمل تعبير في فقرة بعنوان(السلبية العامة والمتنوعة)، حيث يقول:(( أن اليومي بما هو المسمى المشترك للأنشطة، ومحل الوظائف ومركزها، يمكن أن يحَلل أيضا كمظهر من مظاهر القطاعات الكبرى للحياة الاجتماعية:العمل، العائلة، والحياة الخاصة والتسلية. هذه القطاعات المتمايزة شكلا تفرض عمليا بنية واحدة، اين تكمن خاصيتها المشتركة: سلبية المتفرج امام الصور والمشاهد…)).*****
ولا يفوتنا أن نذكر ان هناك علاقة جدلية بين مفهوم اليومي واليومية الذي يحدده لوفيفر، فلا ((يمثل مفهوم (اليومية)، اذن نسقا بل هو المسمى المشترك لمجموع الأنساق الموجودة والذي يتضمن الأنساق القانونية والتعاقدية والتربوية والجبائية والامنية…الخ)).******
بهذه الطريقة سوف نقرا لوحة التنوير الاولى لقمر الكرخ، حيث يبدو السارد محكوم بثيمة واحدة تتحرك بثنائية اليومي والايديولوجي، فتظهر هنا (بغداد/الكرخ) بمثابة النقطة المركزية والمحورية التي تحرك اليومي والايديولوجي، لانها تُشكل الأشياء والأشياء تتشكل بها بالضرورة، كأنها العقل الذي يُحرك ولا يتحرك حسب تعبير ارسطو، وما الاشياء الا اجزاء بسيطة من فيوضاتها المتعددة، لانه قد (( جاء في أدبيات  الطين الاولى ، بأن الكرخ  كان يسمى: (القلعة الحصينة)، ترّد أسوارها السامقة، مآرب الغزاة وكيد الطامعين،  ولذات الدواعي والأسباب سميت أيضا:قلعة الطيور.والزوراء هي الكرخ، الإسم التاريخي المجيد الذي أطلقه العباسيون على الضفة الغربية من دجلة، لإنحناء قوس النهر، فيما أصبحت الزوراء أحد أسماء بغداد،.. والكرخ في فقه البغداديين هو: الصوب الصغير مقابل صوب الرصافة الكبير. وسمي العتيق بوصفه الأقدم في النشأة والتاريخ، وسمي صوب عكيل: نسبة الى قبائل عكيل العربية التي نزحت من الجزبرة العربية وحطت الرحال في العراق وإتخذت من الكرخ مقاما ودارا، – والكرخ في ذاكرة أهله وبنيه جنة المأوى، – ولدى الأمهات: حديقة الأولياء، – حجاب المحبة – هديل الحمام- مرفأ الحنين)).*******
يتضح من النص أعلاه، كيف أن ثيمة الكرخ تكاد أن تسيطر على مختلف صفحات سيرة الحارة البغدادية التي عنونها الكاتب (قمر الكرخ)، فالكرخ هنا تمثل الفضاء والزمان والمكان لتحولات اليومي المصحوب بتحولات الفلسفة. لكن الإشكالية التي يمكننا أن نلحظها في تلك الجدلية، اي جدل الفلسفة واليومي، هي أن اليومي في نص السارد لم يتجاوز افقه السائد والرتيب الذي أنتج بالضرورة إيقاع أكثر رتابة للإشكالية الفلسفية، فأصبحت الفلسفة محكومة بمجموعة من العلاقات الماضوية والرؤية الاسكاتولوجية التي تمجد الزمن الغائب والأشياء الغائبة والحياة الغائبة، بل حتى الشخصيات الإنسانية الغائبة مثلت هي الأخرى سلطة مطلقة تقيد الإشكالية الفلسفية وحالت دون تحررها من سيطرة البردايمات المركزية والأيديولوجية؟
لذا اصبحت الاشكالية الفلسفية للإنسان ولوجوده القيمي والثقافي موزعة بين كل من حركة المحلة ومحلة الفحامة وميتافيزيقا زنكو…الخ، وبالتالي بقيت الاشكالية الفلسفية تعيد اكتشاف وجودها الزائف في عالم الحشد اليومي الموزع توزيعا جغرافيا بحسب السارد:
((- دربونة زنكو.
– دربونة البستان.
– دربونة بيت سبع.
– دربونة حليوة.
– دربونة الصفران(جوارخان المواصيل).
– ننه ام عنجاصه.
– دربونة (مكينة) الطحين))********
بهذه الطريقة تم تشتيت الاشكالية الفلسفية المتناثرة بين دربونات وازقة الفحامة واسماء الاماكن والمحلات القديمة التي تؤرخ لذاكرة اليومي المتحول إلى لغة وعلامات واصوات المارة وحكايات النسوان العائدات من التسوق وحركة الزمن الاستاتيكي المنبعثة من اصوات استكاين الجاي المتكررة في المقاهي التي تحتضن الدربونة والفرع وزنكو.
فتبقى هنا الاشكالية الفلسفية بعلاقتها باليومي تمثل طبيعة الجدل النازل والمنتقل على حد تعبير السارد من مؤلفات العقل والحرية إلى حركات الحياة اليومية. فنرى أن هناك تحول لاشعوري لمفاهيم الراوي الفلسفية اللاهوتية فمن ثيمات النص الكلامي مثل “القدم” و”الحدوث” واشكاليات العلاقة الانطولوجية بين الله والعالم وحرية الانسان والقضاء والقدر…الخ إلى قدم المنطقة؛ قدم الشخوص؛ قدم المكان؛ قدم الذاكرة؛ قدم الشعور القومي؛ قدم المقاهي؛ قدم الاسواق، وتلك هي ثيمات القدماء السبعة في كلاسيكيات الفلسفة الاسلامية. مرورا في “حدوث” تحولات المكان من الناحية السياسية والايديولوجية؛ وحدوث تحولات الزمن والفضاء والمتخيل الثقافي؛ وحدوث تحولات الذات من الانا إلى النحن الجماعية والشمولية؛ ومن الحرية الفردية إلى الكلية الجماعية؛ ومن الكيان إلى وجودية الكينونة في العالم هناك. اما عن الاشكالية الانطولوجية لعلاقة الله في العالم فتتحول إلى علاقة النسق الثقافي لدربونة زنكو مع كافة التفرعات الانطولوجية “للذاكرة الجمعية المتخيلة” المحكومة بقدرية الحميمية والمحبة والتواصل اليومي والعشق الميثي لتاريخية المكان واصالة الزمان، فجميعها يتحرك مع بردايم البردايمات اي مع “زنكو”.
اشكالية اليومي بين علي الوردي والراوي
نصل مما سبق ذكره، أن بنية العلاقة بين اليومي والاشكاليات الفلسفية في نص الراوي بقيت اشكالية، اي بعيدة عن التأسيس والتشكيل وعن الطرح الابستمولوجي والبناء المفاهيمي في الوقت نفسه، هذا على الرغم من أن السارد كان قد اخبرنا منذ البدء انه يعزم على الانتقال بجدله الفلسفي النظري إلى حيثيات الحياة اليومية، لكن المشكلة أن ذلك الجدل ظل منذ البدء محكوم برؤية نوستالجية وايديولوجية ذوبّت كل الاشكاليات الفلسفية بتقنيات السرد للاماكن والاشخاص والاحداث التاريخية وبأسماء اناس واصدقاء. فجميع تلك الوقائع وعلى الرغم من اهميتها وجماليتها الفنية والروائية، نسيت وحجبت سؤال الفلسفة والذات – وهذا يذكرنا بإشكالية نسيان الوجود في الفلسفة الغربية منذ افلاطون حتى نيتشة على حد تعبير هيدغر- وذلك لانهماك تلك الوقائع في بنية اليومي الذي ابرز ما تتصف به هو التكرار وحجب النقد، وبالتالي يبقى السائد في قلب الحياة اليومية “مقدسا” وبمعزل عن التعرية لكل ما هو كامن وصامت في الف باء انطولوجيا الوجود اليومي.
واللافت أن هناك ثمة علاقة جدلية بين نقد العلاّمة على الوردي للحياة اليومي ولتاريخية اليومي في ذاكرة بغداد وحاراتها وبين الراوي في لوحة التنوير الاولى، فعند تتبعنا لمؤلفات الوردي، نجد انها كانت تغص بحكايات وسرديات اليومي وجدله النازل والمستبطن في عراك وشجار المحلات البغدادية والازقة الشعبية والحارات النائية، والملاحظ أيضا على طبيعة النص الوردي انه كان نص اشكالي ونقدي يعمل على رصد ونقد جميع الخطابات الثقافية والقيمية التي تشكل بنية اليومي، بمعنى أن الهاجس الذي كان يسيطر على الوردي لم يكن منحصر في مركزية مدينة الكاظمية أو جانب الكرخ أو الرصافة، بل على العكس من ذلك تماما، جاءت جميع تحليلاته لبنية الشخصية العراقية سابقة على اي مركز أو انتماء ايديولوجي. فتحليل الشخصية العراقية هي الثيمة الرئيسية للنص الوردي، فلذلك اتسمت كتاباته بالتعرية والفضح لكل ما هو قيمي؛ ازدواجي؛ وعظي وسياسي؛ ديني ولاهوتي؛ شعوري ولاشعوري؛ تاريخي ومتخيل؛ بداوة وحضارة؛ مجتمع شمولي وشخصية فردية ذائبة ومتلاشية في النسق الاجتماعي الذي يلغي ويحطم كل ما هو فردي. فنرى أن الوردي قد تجرد وتعالى عن جميع تاريخ الارتباطات الأيديولوجية والدينية التي وضعها جميعا تحت النقد والتشريح والتقويم والتعديل. اذن هل يمكن القول أن الوردي كان الابرز في طرح السؤال الفلسفي وإعادة طرح سؤال الاشكالية الفلسفية الغائبة في خطابنا الفلسفي؟ وهل كان الوردي الاقرب إلى تحليل مفاهيم الذات والحرية الإنسانية التي لم تشهد الولادة الحقيقية والى يومنا هذا في خطابنا الفلسفي الراهن؟ وهل كان الوردي السبّاق في نقد اليومي وتقويض اليومية بمؤسساتها الايديولوجية الارتكاسية في تاريخ الفلسفة العراقية؟ وهل كان الوردي مؤسس خطاب “الفلسفة والممارسة النقدية” على طريقة النقد الانثروبولوجي والاجتماعي، وليس على طريقة الترويج الاعلامي الفج كما هو الحال عليه في اقسامنا الفلسفية العراقية والتي لازالت تروج لمفهوم الممارسة الفلسفية بطريقة بيداغوجية وشعاراتية، وهي إلى هذه اللحظة لم تأخذ على عاتقها البحث والكتابة والتنظير الابستمولوجي لمفهوم الممارسة الفلسفية، فقد تصاب بالدهشة عندما تقرأ رسائلنا الجامعية الجديدة المكتوبة بلغة ارتكاسية ومفاهيم ايديولوجية ونظرة باثولوجية للتفلسف والفلسفة. اليس الاجدر بالمؤسسة الاكاديمية الفلسفية العراقية اليوم أن تعيد اكتشاف السؤال الفلسفي والاشكاليات الفلسفية بطريقة ابستمولوجية ونقدية، عوضا عن الترويج البيداغوجي لمفاهيم فلسفية لم يشتغلوا عليها بعد من حيث التنظير الابستمولوجي والترجمة من نصوصها الاصلية، اضافة إلى تحويل الممارسة الفلسفية من مفهوم “مؤتمراتي” إلى “ممارسة جامعية” أي يتحول فيها المفهوم إلى رسائل جامعية ثقافية ونقدية؟
وبعد… ألم يزل النص الوردي هو اشبه “بمنيرفا الفلسفة” عند هيغل التي تأتي عند الغسق، ليطل على غروب اشكالياتنا الفلسفية ومآسينا الثقافية والسياسية فيعيد اكتشاف الذات والفلسفة من جديد؟

http://alnaked-aliraqi.net/article/8841.php*    
** المصدر نفسه
*** المصدر نفسه
  http://ebn-khaldoun.com/traduction.php?article=23****   
***** المصدر نفسه
****** المصدر نفسه
http://alnaked-aliraqi.net/article/8934.php *******
http://alnaked-aliraqi.net/article/8934.php  ********

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.