مهند إلياس : في الزحام

حين دفعت الزجاجة قليلا بطرف سبابتها ، ومن حافتها السفلى ، لفحتها نسمات باردة رطبة ، اندفعت من الفتحة الصغيرة ، ولما شعرت بوخز البرودة اكثر ، مدت يدها العارية الغضة ذي السحنة البرونزية ثانية ،واغلقتها دون ان تكترث للعيون التي تراقبها ، وبفضول ،، بينما بقيت هي تنظر الى شمالها ،، اذ راحت تمرق امامها هياكل البنايات العالية ، والارصفة الخالية من الناس والاشجار المنزوعة الااوراق ، وبعض المحلات التجارية والتي لم ترفع ابوابها بعد وكذلك الحافلات المحملة بالاجساد كعلب مضغوطة تتدحرج مسرعة عبر الطريق الاسفلتي الممتد وهي تبعث ادخنتها الرمادية ، وتطلق اصواتها الممجوجة ..!
همس الرجل البدين باذن صاحبه ، وهو يغير تجاعيد وجهه الاسمر الداكن :
_ انها .. موظفة ..؟!
قال صاحبه الشاب :
_ لاتيدو .. ذلك ..؟!
همس ثانية ..
_ جميــلة ..؟!
.. وحركت الفتاة ، جسدها الممشوق القوام المكتنز بحركة عفوية ، مما توسعت فتحة قميصها الوردي الشفاف المطرز بفراشات ملونة جذابة قليلا والذي يضغط على صدرها البارز ،، مما اثارت حفيظة الرجل البدين اكثر ، حيث انصبت نظراته الحادة الجائعة الى نقطة ما من جسد الفتاة ، كما لو انه وجد بين عينيه المدحوستين ثمرة تاضجة توخز رائحتها الطازجة اعماقه المتيبسة ، والعطشى ..!!
قال في سره :
_ ياترى .. اي جمال تحمله هذه الانثى الصغيرة ..!؟
توقفت السيارة فجأة ، فتمايل جسد الفتاة ، وتهض الشاب الذي كان يجلس بجانبها مستوضحة على وجهه ارباكة طفيفة ، حيث يقي مكانه شاغرا ، مما جعل الفتاة ان تعدل من وضعها بارتياح ، وتحاول ان تسحب طرف فستانها من الاعلى ليغطي تكويرة ركبيتيها الطريتين التاعمتين ، كما لو انها للحظة احست باظطراب الرجل البدين امامها وعيناه تلوذان بذات النظرات ..!
قال في سره .. ثانية :
_ ملآك ..!
.. وقتها كان المذياع تنداح منه موسقى هادئة والفتاة لازالت تنظر من وراء الزجاجة ، حيث رفعت يدها لتلقي بخصلات شعرها الفاحم الى الخلف بهدوء ، مما استفزت الرجل البدين اكثر ،
حتى لكأنه شعر باوصاله يحركها احساس سري ودون وعي منه ، ولما شعر بحراجة الموقف احرق سيكارته وراح ينفث الدخان بمزاج سخيف ، لكنه فوجيء بصوت من داخل السيارة :
_ اطفيء السكارة يارجل ..!
وسعل الرجل صاحب الصوت بقوة مرتين ..!
قذف الرجل البدين سيكارته تحت حذائه وسحقها ، حينذاك احس بضجر ينتابه ويمرغه باحساس ثقيل ..!
وصاحت الفتاة بصوت خافت :
_ نــازل ..!
نهضت من مكانها، حيث غطت وجهها خصلات شعرها الفاحم المنسدل ، ورمقت الرجل البدين بنظرة مزرية مبتئسة ، لكن الرجل لاذ ببؤسه ، وصعد الدم الى وجهه بخجل وقح ودفين، ولما غاب وجه الفتاة عنه احس انه في حرج تماما .. !!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.