زهور العربي *: ( بعيدأ عني .. قريبا منكِ ) ليحيى السماوي والصراع المرير للحصول على صكّ التوبة من أخطاء الأمس

* ناقدة وشاعرة من تونس الشقيقة

من بلاد الغربة بلاد المشاعر المصنّعة والعلاقات الباردة واللّغة الجافة تصلني هديّة دافئة في ظرف ابيض بياض الحمام الزاجل وفي الصفحة الاولى خصّني بإهداء خاص ..
فرحت به كثيرا لما فيه من معان ٍ ورقيّ وما يعكسه من انسانيّة لدى السماوي .احسست بيد أدبيّة حانية ربّتت على قلمي وملّست على أوراقي. شاعر أخ ودود نفض عن وجداني غبار فراغ وأشبع أركانه الخاوية ..همسة ترجمتها كلمات قامة في عالم الضّاد بمفردات كُتبت برحيق من كلمات معبأ في أقداح المعاني وأتاني طائرا على سجّادة من شعر نسجتها أنامل ماهرة منفردة ومتمرّسة وملمّة بسكنات وحركات وكلّ خبايا لغة الضّاد ومالكة لكل أدوات الشّعر ، هذه الصّنعة التي لا يتقنها الاّ قلّة قليلة في زمن الكثرة والتّخمة .. لمَ لا وهو الكائن الشّعري السّماوي انّه هبة الله للشّعر كما وصفه الأديب الشّاعر العراقي مكي الربيعي .
لقد أحس شاعري أنني جائعة لرغيف ساخن شهيّ بهذا الحجم جائعة لآخر رغيف من تنور وجدانه المتوهّج على الدّوام وها هو الرّغيف بين يديّ، كتاب شعر غلافه لوحة رائعة يطغى على مساحتها اللّون الأخضر وفي الأسفل كتب العنوان (بعيدا عنّي قريبا منكِ) باللّون الفضّي أمّا اسم شاعرنا فقد زيّن الكتاب إذ كُتب أعلى الغلاف يسارا وباللّون الأسود ليزيد الكتاب جمالا ووقارا وليستقر في قلب القارئ كلّما مسكه بين يديه  .. أما عدد الصّفحات فهو 230 صفحة  ونوعية الورق رائعة حُفرت عليها صورة الشّاعر لتكون خلفيّة لكلماته ليلازمنا وجهه الملائكي الصّبوح طيلة مطالعة الدّيوان وتدفئنا نظراته العامرة بالحبّ وابتسامة تحتوي النّاظر وتجعله يحطّ راحلته ويستأنس بصحبته طيلة القراءة .في الحقيقة سأتخلّص من كلّ قيود النّقد ومن كل مدارسه ومن كلّ المصطلحات العلميّة والتّنظيريّة وسأبحر في هذا الكتاب بكلّ حرّيّة وبطريقتي العاشقة غايتي القصوى أن أستدرجكم معي في جولة في حدائق الكلمة الغنّاء ..
الدّيوان عبارة قصيد طويل في أسلوب سردي ممتع وتشويق يشد القارئ إلى النهاية  ..
يبدأ الشّاعر بالإقرار وباعتراف صريح أنّه كان واهما حين اعتقد انه يسيطر على اللغة ويمتلك الحرف .. نعم يعترف بعجزه لأن الحرف لم يستوعب حبيبته فاحتار ماذا يسمّيها ؟ فأغدق عليها بسخاء فهي ( التي ليست تسمى ..\ والشيء الخرافي..\ وهي أللاأحد \وهي الروح وهي اللحظة\ وهي البرهة\والدهر \وهي التي تختصر الأسماء\ والمئذنة الضوئية و النخلة والوردة والنجمة والماء وهي المحراب الذي يفتح للجنة باب) …وفي المقابل..فهو (مغنيها وحاديها لكن إلى مملكة صوفية وهو الشّريد الشيخ الذي أرجعته صبابته في محرابها فتيّا وهو الذي شيع جثمانه العشاق وهي من بعثته وكتبت شهادة ميلاده لكن أيّ بعث يريد؟ لقد حدّد وطلب ذلك منها صراحة  :
وابعثيني للمرائين نذيرا ..
وبشيرا للمحبّين
بعشق
يجعل الأرض فراديس
وكلّ الدّهر عيدْ
أذن وضع  لنا الشاعر إطاره الزّماني والمكاني ولن يخرج من هذا العالم طيلة القصيد .
ويتدفق ليعرّفنا بها فهي أميرته\صاحبة الجلالة وهي الفاتنة \الزاهدة \ الزهراء\ والتي  تلبس تاجها الضوئي في مملكة العشق وحولت الثرى الى سماء \…. ها هو يطلب منها أن تسمح بالدّخول للنّهر و\الندى و\الفراشات و\الشذا \والينبوع والزنابق العذراء كل هذه العناصر الطبيعية كفرت بربها وجاءت لتبدي لهذه الملكة التي( لا تسمى) الولاء .
بعد أن وضعنا الشّاعر في الإطار العام عرفنا أنه سيعيش في عالم من صنعه ولكن سخّر له كل الطّبيعة لتخلع كل ما يشدّها بالأرض وترتقي خفيفة طاهرة وشفّافة لتليق بعالم امرأته الزّاهدة لكنّها منبع عشقه السّرمدي .. يواصل السماوي سباحته في الأعالي ليسرد باقي الحكاية بكلمات من نور وأتخيله جاثيا حين يصرخ متوجها للرّب وربّما لها في لوحة صوفية عميقة الدّلالات  :
يا مغيثي
ايها الآمرُ
والواهبُ
والمانحُ
والممسكُ
والممطرُ دفئا وعبيرْ

جئت مذبوحا من الشوق ظميئا
فاسقني من شعرك العذب
ولو كأس زفيرْ

ظامئا جئتك
يا ناعور طيبٍ وسنا

نضب الكأسُ
سوى بعض حبابٍ
واستباح الشوق مني
شرف الحلم
وأردى فننا

فمتى يجمعنا حقلٌ
على نهر المنى ؟؟

يتوسّل لكي يثمل أكثر فأكثر من شراب ليس كمثله شراب ربما يطفئ شوقه ولكن يعلق في سؤال عقيم يعكس ضعفه أكثر فأكثر وشوقه الكبير في آخر هذه الأبيات ..(فمتى يجمعنا حقل على نهر المنى؟؟) هذا السّؤال سيجيب عنه في اللّوحة التّالية اذ يعترف قائلا :
يحدثُ ان تكتب لي فاتنتي
رســالة طويلة
من دون حرف واحدٍ
عن شهريارها الفراتيّ
وسندبادها المبحر بين الجيد والأحداقْ

وعن تراتيل الهوى الصوفيّ
في مملكة العشّاقْ

لعلها ابلغ الرسائل تلك التي لا تنطق ولا تكتب لقد اعترف انه قرأها
بشم ياسمينها الّنافذ من سطورها :
وأعرف المرسلة البتول
من توقيعها
بطبع ثغرها على نهاية الأوراقْ

صورة مربكة ودلالاتها عميقة لقد افلت هذا الشاعر من كل الأفعال المعمول بها والمعروفة ليميز حبيبته عن كلّ الخلق ويتميز معها فوضع شيفرات لا يفهمها الاّهما حتى القاموس استغنى عن حروفه واضحي ثغرها والروائح والياسمين هم أدواته في التعبير !
يهدأ الشّاعر قليلا ولم يجد من حلّ سوى أن يشكوه إليها فلم يعد قادرا على فهم لغز التوحّد فيها فخاطبها حانيا :
جئت يا فاتنتي الزهراءَ
اشكوني اليك
فأنا اصبحت غيري
سفني ترفض ان تبحر
إلا لمراسي شاطئيكِ

لكن ما هما هذان الشاطآن ؟
إذن لا مفر من هذه الفاتنة خاصة أن طيوره الفت نهديها وفمه أدمن شفتيها ودروبه لا تؤدي ألآ إليها ويده تصفعه لو لمس غيرها وشعره لا يصبح ذا قيمة إلآ حين يقوله فيها
لقد سلبته أو استلب ولا مفرلذلك يعترف أمامها أو امام عالتها ويسلّم ويسلم لها  :
ما الذي أبقيتِ مني
للينابيع ِ
وللأرطابِ
والأطيابِ
والأحبابِ
والأصحابِ
إنْ كنتِ ملكتِ الأمر منّي
وإنا كلّي لديكِ ؟

انه الاستلاب بعينه فحتى الطّبيعة والفصول الأربعة  حصرها في ملامحها وملابسها لقد أضحت عالمه فالصّيف يعرفه من نداها وقميصها الرّقيق ، والشّتاء يعرفه من وشاحها المخملي والرّبيع من سرب الفراش الذي يحوم حول ثغرها المخضل بالرّحيق أما الخريف فيعرفه من انحسار الورد في فستانها الشفيف  ..
لقد اختصر فيها كلّ الفصول والمناخات وأضحت بوصلته وسلبت كلّ أحاسيسه  .. وها هو في الفصل العاشر يأمرها بالّا تعود للأمس في صورة غاية في الرّوعة والبلاغة والاستعارات الذكية وسيقنعها بأسلوب سلس واحاسيس متدفقة فتنسى ماضيه الذي أنكره هو أمامها  :

ما عدتُ اذكر من رماد الأمس شيئا
من تكون مها
ومن ليلى
اضعت كتاب ذاكرتي
وصرت الابجدية َ
والبراعة َ
والمدادَ
غدوتِ وحدك –لا شريك لدين عشقك
في تفاصيل الكتابْ

فدعي سؤالك عن رماد الأمسِ
إنّ تهجّدي الصوفيَّ
في محراب عشقكِ ـ إنْ سألتِ ـ
هو الجوابْ

إذن لا فائدة من تفتيشها في تفاصيل رماد الأمس  .. ويقر أن جوابه عن كل سؤال سيكون تهجّده في محراب عشقها .. أصبح كل شيء واضحا فنحن أمام علاقة من نوع خاص علاقة سمت لتسبح بنا في عالم صوفي لنعيش كل تفاصيل قصّة هذا السادن والناطور في محرابها وقد رسم لنا هذا العاشق بريشته أبهى الصور حتى اختلط علينا الأمر أحيانا لولا بعض اليقظة لخلنا أننا أمام لوحة وألوان خالية من كل حرف ولعل اللوحة القادمة في الفصل 11ابلغ دليل على ما أقول  .
لقد داهمته فجأة وما تعنيه كلمة المداهمة من اغتصاب للخصوصيّة وما تحدثه من ترويع وشلّ لحركة المداهَمْ لكن شاعرنا وظّف هذه المداهمة ليرسم بها لحظة لقاء بالتي (لا أحد) التي جاءت لتنتشله من متاهات ضياعه  .. وجدته على شاطئ من عدم يفترش الرّمل ويلتحف بشباك الصيد والغطاء شوك وزبد والى جانبه يرقد نورس بلا جناحين أما ثغره فأطبقه على زهرة رمان وتوسّد يدا و الأخرى فو ق الوجه …
تخيلوا معي هذه الصّورة إنها نقل حي بكل تفاصيلها وكأنني أراه هذا السماوي ممدّدا شريدا معدَما لا يأبه بكلّ من حوله بل وقد كسّح حتّى هذا النّورس الذي يؤنسه …حينها داهمته وصرخت لكن صرختها نفذت إلى قلبه ففزّ …يا لها من مخاتلة ذكيّة فلم اعهد في حياتي انّ الصراخ بنا ينفذ للقلب لكن رائعة مخاتلته ومراوغته لنا بالمصطلحات وقلب مفاهيمها …
داهمته على ذلك الرّمل لتبعثه من جديد فلملمته وغطته بغيمة ثم لامست بيدها تحت ضلوعه لتحيل أشواكها عشبا وتبعث ذلك النورس طفلا يلعب .. لوحة أخرى تنقل لحظة خلق وتبرم معه عقدها وتوقّع عهدها بعد أن مارسا طقوس العشق على طريقتها وحاورته لتكشف سره وتهدّئ من روعه وتجعله ينسكب ويعترف ليجيب عن سؤالها
سألتني ..مالذي أشقاكَ ؟
قلت الندم الصّوفيُّ يا معصومة النّهدين
بي منّي حياءٌ…
انتِ قلبٌ طاهرٌ بكرٌ
وقلبي ثيّبُ

وأنا أمسيَ طيشٌ
والطلا
واللعبُ

والندى أمسكِ يا ملهمتي
والذهبُ

كيف لا ينشب من بين ضلوعي
اللهبُ ؟

كفكفت دمعي وقالت :
لك ماضيكَ
ولي يومكَ والأتي الذي أرتقبُ

بعد أن داهمته وبعثته كأنها طهرته حينها فقط زاره صوفائيل رسولا منها فأطعم العصافير قمحا وحضر هدهد تكلما معا ثم غاب في حضن الفضاء بعدها  ..
حدثت ظواهر غريبة تعكس كرامات (كعبة العشق) التي أكرمها الله بمعجزات مثل سائر الأنبياء فالمطر يهطل من الأرض نحو الغيم …ليفيض هذا الأخير ماء ! تخيلوا معي هذا المشهد انّه الطّوفان .. كأنّه الفناء ..ويتمادى صوفائيل مبعوثها الرّسمي في تعداد مميزاتها ليزيد إيمان شاعرنا بها ويزيد ولاؤه لها ..لقد ألّهها وأخذ من حبّها الصّوفي عقيدة …ويعترف انّه قبل أن تأسره كان( بليدا) لا يفرّق بين الشّهد و(كؤوس الطّيش) …كان يبصر لكنّ (القلب أعمى) ويدعوها في ولهٍ أن تغزو صحراءه ويثني عليها واختزل جمالها في مطلع القصيدة بعد ان افترض أن جمال الأخريات قصيدة ويواصل تغزّله بها ووصفها كأحسن ما يكون في فصله 15 اذ يقرّ انّ الله استثناها ساعة خلق الكون في ليال ليسوّيها (قصيدة) تمشي على الأرض ..ووراءها زهور الشعر كالجواري تتبعها .. لقد زاد هيام هذا الناسك بمعصومة النّهدين حتّى أضحى يراها في بسمة الطّفل ويراها مولده ومماته ويراها الرّحم الذي يسكنه الى درجة انّه وهو في المستشفى مجروح  تخيّل أن الدّم الذي في رأسه هو من بقايا الطّلق ..كم هو فسيح خيال هذا الشّاعر لقد توغّل في كلّ الموجودات والطّبيعة وذاته وجسمه ليبرز انّ كل هذه العوامل تدور في فلك التي (لا أحد) ويتمادى في استلابه والطاعة لكل أوامرها فترسل صوفائيل بشروطها وعبرت عن رأيها في الشعر فلن تقبل منه المبتذل الذي يمسّ من قداستها بل تأمره ان يكون شعره لصيقا بالواقع سلاحا ضدّ الظّلم :
ليس شعرا
حين لا يسهم في الذود عن الورد
وعن عشّ العصافير ..
الفراشات…
ولا يسهم في حرب القناديل على وحش الظّلامْ

وتتمادى في فرض شروطها لكي يليق بها هذا السّادن يجب أن يطرد من حياته كلّ من يستهويه الغمز واللّمز وعليه أن يخلع هذا النّوع من البشر من قلبه مهما كانت صلته به .. قمّة التّجبّر لكن شاعرنا لم يتذمّر .. ومن الحب ما قتل …
لا ينفع أن يكون عاشقها إنسانا عاديّا .. يجب أن يتطهر ويقطع مع الذي كان ومع جسده ولا يسمح لغيرها أن يشاركها هذا القلب حتّى يليق بهذه (الفاتنة البتول) ..  لقد سخّر الشّاعر كلّ عناصر الطّبيعة لخدمة فاتنته (ربّة الهدهد) حتّى شُبّه له انّ النّهر يغسل ساقيها ونهديها ويلتف على خصرها مثل البرعم .. صورة رائعة واستعارة طريفة ذات رمزيّة عميقة … بل يتمادى ويرى أي (خيّل إليه) انّ ثغره فرّ منه إلى ثغرها وجيدها ليربكنا أكثر بهذا الخيال الخصب والمتجدّد والمتنوّع …ورغم شفافيته يبقى حبيس سؤال ..لقد استفاق من حلمه ليسألها عن معنى الحلم الذي رأه . ويبحث عن تفسير لكلّ ما يحدث !
وفي الفصل21 يعود الشّاعر ليعلن.. (ابو نواس أعلن التّوبة) وقطع مع كلّ ماضيه وهجر لياليه الحمراء وكسّر كؤوسه والدّنان وقاطع كلّ الغواني ليهب نفسه لمحرابها المقدّس ناسكا عاشقا متعبّدا وتدفّق يعترف بعربدته في الماضي وتاريخه مع الحانات و(دنانير) و(رباب) ويعلن توبته في الفصل قبل الآخير(أبو نواس تاب ) وانسكب يعدّد مظاهر زهده في سرد لا يخلو من الحنين لتلك الصّدور النّافرة والسّيقان الملساء وغنج العينين …ويعلن انّه غيّر اسمه من أبي نواس إلى (سادن الفاتنة الصّوفيّة) وخفّ حمله من (خطيئات الأمس) بل ويعترف انّه كان عدوّ نفسه اذ يقول  :
فأنا كنت ضحاياي ..
وجلاّدي ..
وسجّاني وسجني

ويتعرّى أكثر أمام فاتنته ليكشف عن ضعفه أمام النساء قبلها فقد كان وطنه لا يتعدى حدود السّرير !
كم كان هذا السّماوي (زير نساء ) مع المعذرة لقد كان مسكونا (بأبرهة الضّليل) ولم يتب إلآ حين زاره صوفائيل وأخذ بيده بتوجيهات منها تاب إليها واهتدى وصار (فمه مئذنة) !
ينهي شاعرنا قصيده الطّويل (بعيد ميلاد الحدائق) ويدعي انّ وردة راودته وأغرته ليمدّ يده ويقطفها أو يعشقها ويستمتع بها جسديّا فقامت قيامة الفراشات حتّى أغمي عليه وعاش أحداثا مخيفة ورهيبة وكأنّه عاش يوم الحشر وثارت الأزهار  عليه وغضبت منه (المعصومة) حتّى فقد وعيه خوفا وخجلا …لكنّها سرعان ما عفت عنه وأرسلت صوفائيل بكتاب عشقها وأخبره أنها قبلته أخيرا تائبا خادما لكلّ الضّعفاء ومتساميا عن كلّ ما يغري ويوقظ غرائزه ويسقطه في أخطاء أمسه  .. ومنحته لقب (الشّهيد الحيّ) و(الحيّ الشّهيد) و(خاتم العشّاق في عصر ( خنا ً وغياّ) وحمّلته رسالة العشق المقدّس ليعيد الاعتبار لعقل (قيس ابن الملوح) و(الشريد السومري) وليعيد العفاف لكلّ الأحاسيس ويكون كالنخل عزيزا ومثل الورد يبقى أريجه ولو اصفرّ ومات …لقد حمّلته رسالة بعد ان طهّرته وأعطته صكّ التّوبة بعد ان استجاب لكل توجيهاتها وتنكّر لأمسه بكلّ ملذّاته  .. وتعلن في الأخير انّ العشق باب للخلود والدليل أن قيس بن الملوح لم يزل إلى اليوم حيّا ….
كانت جولة رائقة في قصيد طويل لا يخلو من طرافة في الأسلوب وعمق في المعاني وبراعة في ابتكار الصّور والرّموز وموسيقى دغدغت أعماقنا بكلّ رفق وأشبعت جوعنا وقد زاد القصيد جمالا هذه اللّغة الفسيفساء من كلّ المعاجم الطّبيعية والدينيّة والرومانسية والوجوديّة … ولقد اعتمد شاعرنا كل عناصر الطّبيعة و سخّرها ووظّفها كأحسن ما يكون .. صاغها كيفما شاء أو شاءت التي ( ليست تسمّى) وفي أغلب الأحيان أنسنها وجعلها تتكلّم وتتخاطب معه وتكون واسطته مع (صوفائيل) أو مع فاتنته …لكن يبقى سؤالي : هل يستطيع من قضّى عمره يعاقر عشق النّساء مفتونا بالجمال واللّيالي الملاح يرفرف كفراشة بين الغواني وكؤوس الرّاح ان يتعفّف ويعشق أنقى واحدة ومعصومة في عليائها ؟؟
لنأخذ أخيرا من مجنون ليلى مثالا للعشق السّرمدي ودعوة لتخليده كتجربة في العشق أفقدته عقله فعاش هائما فهل تريد من عاشقها ان يفقد لبّه هو الآخر؟؟ ….
وهل كان عشق قيس لليلى صوفيّاً ؟؟خاصّة وهو قائل هذه الابيات حين سأل زوجها :
بربك هل ضممت إليك ليلى
قُبيل الصبحِ أو قبلت فاها

وهل رفّت عليك قرون ليلى
رفيف الأقحوانة في نداها ؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

4 تعليقات

  1. يحيى السماوي

    أشكر لسيدتي الأخت الشاعرة والناقدة القديرة زهور العربي فيوضات قلبها وما وسّمتني به من رفيف وأزاهير بصيرتها النقدية .

  2. زهور العربي

    تحيّة وشكر  وبعد سيدي الفاصل واخي الغالي وشاعري الجميل ومعلّمي المبجّل يحي السماوي 
    سمعت عن مولودك القادم  ان شاء الله سأنتظره بشغف .. والف شكر على احتفاءك بالقراءة ونشرها في العديد من المواقع وكم اسعدني ان اجدها هنا في منبع النّقد وحضرة النّقّاد  فأنا امارس النّقد عشقا في الكلمة واصحابها  كم تأسرني لغتك وكم يغويني بهاء حرفك وكم تعلّمت منك …وهذا شرف لي ان اتواجد معك في مكان واحد وان اكتب كلاما على كلامك والأصحّ ان اكتب كلاما في كلامك فمثلك نبع متوهّج بالعطاء ومن واجبنا ان نكرّمك بل كلماتك هي التي تجبرنا أن نلوي لها الأقلام والقلوب قبل الأعناق يا ايها الكائن الشعري النّادر والغريب والخالق للكلمة الشّعريّة ..الف سلامة عليك وادعو الله ان يمتّعك بالصّحّة ويسبل عليك وعلى عائلتك العافية ويغدق عليك من العيش أرغده ومن الحرف أورفه.. كم أسعدني أن تفرح بقراءتي المتواضعة وقد كتبت منذ مدّة قراءتي بشكل مغاير لكن تعطّب الجهاز وطارت معه القراءة ولست ادري ربّما من حسن حظّي .. وربّما قراءتي هذه مبتورة فلم أشأ ان أخوض في كلّ المواضيع فقصيدك منجم من التّاويلات وأفقه فسيح لكن أخذت اهم الجوانب التي لازمت القصيد ولعلّي تناسيت ايضا ان اتوسّع في تأويل هذا الزّهد وهذه المعشوقة وهذه الإستماتة منك في نيل لقب الشهيد الحي او الحي الشهيد …فديوانك لا تقدّمه قراءة او اثنان او ثلاثا … لكن اتمنى الاّ اكون قد ظلمتك وقصّرت في حقّ كلماتك  انا سعيدة بهذا التواصل وادعو الله ان يزيدك توهّجا وصحّة ويحفظك من كلّ مكروه تحياتي ودعائي وودّي 

  3. عذاب الركابي

    الكاتبة والناقدة الأستاذة زهور العربي .. تحية وتقدير كل الشكر لك .. ولقريحتك التي فاضت ضوءاً بهيا ينير الدروب لأحرف .. وكلمات .. وأخيلة هذا الشاعر الكاهن .. كانت لغتك رائعة .. ومعالجتك لنصّ السماوي تنمّ عن ذوق راق .. وحس مرهف .. وتوهج معرفي عال ٍ .. كنت شاعرة في نقدك .. وشاعرة و أنت تقمين كرنفالاً كونياً .. وتحتفين بأنين يحيى السماوي اللذيذ شكراً لك .. وشكراً للمبدع الكبير المستوطن ذاكرتي .. وتفتاصيل حياتي .. محبتي – عذاب الركابي

  4. زهور العربي

    الاخ عذاب الركابي 

    تحيّه عطرة تليق بمرورك الأكثر من رائع 
    حين قرأت كلماتك   فرحت ليس لأنّك مدحتني وأثنيت عليّ بل لأنك طمأنتني  وجعلتني أقتنع بعض الشّيء  بانّني نجحت الى حدّ ما في تكريم شاعرنا السماوي هبة الله للشّعر وللكلمة …
    كم أسعدني رأيك اخي الفاضل  عذاب وابعد الله عليك العذاب يا اخي  
    تقديري وامتناني 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.