رياض عبد الواحد : الكثافة الانوية والظلال الدلالية الموحية*

*قراءة في المجموعة الشعرية اوراق مهاجر في اصقاع الوحشة
ينبني النص عند – المالكي مجبل – على المفردة  التي تخفي تحتها كوننا” خاصا” , فهو يغرد في عالمه بعيدا” عن الآخرين , بيد انه , في الوقت نفسه يغرد من اجل أن يغفو الآخرون بهدوء . هذا التناقض الظاهري بين ماهو داخلي وماهو خارجي يشكل اللبنة الأساس في نص المالكي , إذ تكشف النواة الهلامية عن لب القضية التي يحاول الشاعر توصيلها عبر مجموعة من الخواص التصويرية والرمزية ذات الكثافة العالية والظلال الدلالية الموحية . يحيلنا النصيص في دلالته المتناقضة ضمنا” والمتمثلة في مخالفة منتج الهجرة وما تؤول إليه من بعد ايجابي للمهاجر وما يتحقق من معطيات / أصقاع الوحشة / . تجدر الإشارة هنا إلى إن الإطار السياق العام الذي يتبناه النصيص يخفي وراءه تأويلا” مغايرا” . فالدال اللساني / أصقاع الوحشة يشف عن عزلة روحية وجسدية تضفي رؤية سوداوية على ذلك المهاجر الذي كان , في الأقل , يأمل إن تحقق الهجرة له أملا” جديدا” في الحياة لا إن تضعه في أصقاع وحشته تزيل من توتره الداخلي وتساعد في تأزيم نفسيته . إذن / النصيص / يتعامل في الأساس مع منتجات الداخل , داخل الذات المواجهة لصقيع الوحشة وهذا ما سيجعل الانكفاء والسوداوية تغطي مساحة واسعة من نصوص المجموعة , وهاهي تواجهنا منذ اللحظة الأولى لعتبة نص / عناقيد /

ميت هذا العنب
وثمار المستحمين على جمر المواعيد حطب

إن الدال اللساني الاشاري / هذا / يضعنا في دوامة المواجهة غير المحسوبة مع المنتج , وكأن السارد يريد أن يدفعنا باتجاه عملية تنقيب عن المستور ونبش المدفون مما لاتراه العين . لاحظ عزيزي المتلقي قوة الصدمة التي تحدثها عندنا عتبة النص / ميت / ثم الانحراف الذكي والدقيق الذي يحدث على بنية السرد وكما مبين في المخطط .

ميت                        العنب

ثمار                      المستحمين على جمر المواعيد

حطب

إن النتيجة المحصلة لكل من / ميت / و / ثمار / الناضجة اليانعة محصلته النهائية / حطب / وكأن الدائرة تبدأ بنقطة وتنتهي عند النقطة نفسها وان كانت على محيط الدائرة. في قصيدة / أنين ) في قصيدة أنين التي  تبدأ بالدال اللساني / اسمع / و الذي يشير من طرف خفي إلى الوحدة , العزلة , السكون . إذ أن متعلقات الفعل اللاحقة المفعول به / دقات الساعة / تقف على مقربة منه. هنا نلاحظ إن الإطار الذي يغلف ذات السارد يعزز من عزلته , وحدته ,سكونه , إلا وهي / جوف الظلمة / هذه المتوالية تنحرف بعد حين إلى مايفارقها في الكينونة / لغط الماشين / عواء كلاب / أصداء قطارات , غايات محبين , ذاكرة تنحب / كل هذه التوصيفات مزكومة بنحو دقيق ومحسوب وهي في محصلتها النهائية تعزز دلالة الوحشة المتمركزة في النواة الرئيسة / النصيص / وكلها كناية عن تسرب اليأس إلى الروح غير أن نهاية القصيدة تشكل عملية البوح الذي يكشف عن ماهية هذا التراكم والذي يرتد إلى فترة زمنية محملة بالحلم ومحكومة برغبة داخلية مكبوتة لم تتحقق , فهي تنكفئ لتستعيد صفاءها في انثيالات الروح الهائمة في الذكريات غير المتحققة والتي تقوم على مقصديه التعويض عما فات

لم يبصر ظلي في الغربة غير مهاجرة
تشحب مثلي بين خريف الجدران

في نص / جمجمة / نواجه غي عتبة النص دلالة الموت وهي تحمل في الوقت نفسه الانتقال الى مرحلة اخرى من حاضنة الزمن . والنص لايغادر هذه الثيمة في إطارها العام.

الشاشة سوداء
والليل القاحل
يأكل عشب صماخ الرجل
المسكون بحماه

يتضح هنا تراكم الصور التشبيهية السالبة التي لم تخرج عن الصورة الأولى , إذ أن الزمن لم يتحول ولم يغير السرد مجراه , فكل الصور داخل النص منبجسة من النواة المركزية / الجمجمة / حتى لاتبدو الصور التشبيهية مخالفة لمجموعة الرؤى المنبثقة من تلك النواة, إذ أنها أي الصور تتراءى بواسطة الجمجمة وكأنها هي السارد العليم الذي يسرد لنا ما يحدث ألان , لهذا اخفى الشاعر ملامح الجمجمة وأعطانا ملامح اللوحة المحيطة بها , إذ تظهر في اللوحة نفسها صورة الآن / الزمني / الذي تنزاح به صورة ماهو لحظوي .

كل مرايا الكون تصب برؤياك
عوالمك الآن
تساقط باقات الورد الجافة
بين ثقوب اللوحة

ان عملية سحب ما موجود داخل بنية اللوحة إلى الخارج دلالة على فقدان اللوحة / الحياة / لميزاتها وتحولها الى مجرد جمجمة خاوية . اذن اللوحة هنا هي الحياة بكل ما تحمل من إرهاصات . فعملية سقوط الورد / بين ثقوب اللوحة كناية عن فقدان الحياة والتي تعادل انسكاب الزيت الموجود فيها لاطمار المشهد . اذن عمليتا / السقوط + الاطمار  / دليل على الموت الذي يغلف اللوحة / الحياة /, وهما في الوقت نفسه كناية على انزلاق الحياة الى مستنقع الموت. ان هذا التشفير ساعد على تحويل البنى الوصفية السريعة الى مجموعة من الرموز الدلالية التي تحيل الى فواصل نصية قادرة على تغير التوجه الزمني الحاصل في بنية السرد .

في / جفن الشمس تظلين / يتحول الهم الذاتي الى وجع جماعي يتبلور في خطاب وصفي صارخ بالاسى . وعلى الرغم من التشفير الحاصل في ثريا النص اذ لاتتبلور صورة المخاطب , الا ان الهم العام يومئ من طرف خفي الى ثقل الفاجعة , وبهذا يحصل زحفا” منظما” عن نقطة العمومية , اذ ان عملية التشفير والاخفاء ساعدتا على كسر افق التوقع الآني .

الحب بأمواج الشطئان
دم يغتال ربيع الشجر الباسق فوق
مروج البحرين
وريح شاحبة تغلي بين تخوم المدن
المفجوعة بالقتلى
والغافين ركاما” فوق جحيم الطرقات

الحب دم                      تحول نوعي

الغافين ركاما”                 تحول كمي
ان هذا التوحد الحاصل بين تحولين يفضي الى احساس بهيمنة البعد الزمني الماضوي وثقله على ماهو لحظوي اّني مما يؤدي  الى انطفاء جذوة الحياة من خلال توقف حركة الموجودات , وكأن الشاعر يخلع رداء الزمن ويحيله الى زمن صفري ويلاحظ ان النص يعتمد على بنية الترديد الصوتي الخارج من الدوال اللسانية الفعلية ذات الحركة : ينعدم , يطلع , تخمد , تعيد , تغوص . وعلى الرغم من ان نصوص المالكي لا تغادر سمة البنية النسقية إلا إنها تظل نصوصا مكتنزة .

اوراق مهاجر في اصقاع الوحشة / مجموعة شعرية / د . مجبل المالكي / مركز عبادي للدراسات والنشر / الجمهورية اليمنية / صنعاء / 2007 /

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: ناقدٌ ومحللٌ ادبى كفأ
عبد الهادى الزعر

كم أكن سعيدا حين أقرأ شيئا لشكيب كاظم – – ثقافة موسوعية مزادنة بالغنى والعمق …

شوقي كريم حسن: حامد عبدالحسين حميدي…. فاعلية النقد.

*سمعت، ذات محاضرة لاستاذ هجر كتابة القصة القصيرة، التي كان مغرماً بها الى حد، لم …

محمد الماغوط: تراتيل المواجع على أرصفة المقاهي
إبراهيم مشارة

محمد الماغوط (سلمية ،حماه 1934/دمشق2006 ) ظاهرة شعرية حديثة بامتياز في الأدب العربي الحديث وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *