شكيب كاظم : عشيق الليدي شاترلي رواية حسية فكرية عانت اسهابا ًوافتعالاً

يوم عرضت رواية (عشيق الليدي تشاترلي) في المكتبات عندنا، بداية السبعينات في ضمن الادب المترجم، تركت اصداء واسعة لدي القراء والنقاد، الي جانب روايات (البحث عن الزمن الضائع) لمارسيل بروست و(مدام بوفاري) لغوستاف فلوبير و(يوليسيس) لجيمس جويس، وورواية (الغريب) لألبيركامو وكتابات دوس باسوس.
وسبب هذه الاصداء، تلك الحسية الواضحة، والبوح الجنسي ورغباته وهو ما كان جديدا علي الحياة الثقافية في العراق والوطن العربي، بسبب سيادة مفاهيم الواقعية والادب الهادف الملتزم، فضلا علي ان المجتمع العربي المحافظ، ما كان ليرغب في هذا اللون من الوان الكتابة الروائية، ومازالت في الذاكرة تلك العاصفة من الشجب التي قوبل بها عمل (سفينة حنان الي القمر) القصصي، للقاصة والصحفية اللبنانية ليلي بعلبكي خريف عام 1962 التي فيها تصوير رمزي شفيف لخلجات شابة لبنانية تزور باريس، ووصل الامر بمنع المجموعة القصصية وتقديم القاصة ليلي بعلبكي الي المحاكمة، واصبح الكتاب هذا اشبه بالمنشور السياسي السري، يتداوله الشباب والمراهقون، في حين تغير الحال في العقود اللاحقة، فرأينا شيوع ظاهرة الجنس في السرد العربي، وكانت الروائيات العربيات، هن من اقتحمن حصون هذا اللون من الوان السرد، وبززن فيها حتي الرجال الروائيين.
هذه الرواية التي كتبها الروائي البريطاني ديفيد هربرت لورنس 1885 – 1930 خلال الاعوام 1926 – 1928، الذي عرف برواياته الحِسّية، والتي نقلت اكثرها الي العربية مثل (نساء عاشقات) و(الثعلب) و(العذراء والغجري) اقول هذه الرواية التي ترجمها حنا عبود اواخر سنة 1998، وصدرت طبعتها الاولي عن دار ورد السورية عام 1999 رواية افكار فضلا علي حسيتها اي ان لورنس يقدم من خلال سرده الروائي عرضا لتلك التوجهات والاراء السائدة في ذلك الوقت (نهاية العقد الثالث من القرن العشرين) فيعرض للافكار الماركسية وسياسة الاتحاد السوفياتي، فضلا علي الآراء الاشتراكية الفابية، وآراء آدم سمث المنظّر الاول للفكر الاقتصادي الرأسمالي، وآراء عالم النفس سيجموند فرويد، لكن القارئ يلمس عدم ترحيبه بالتطبيق الماركسي الاقتصادي كما انه مرتاب من الثورة الصناعية التي سادت دول اوربة لانها اتت علي جمال الطبيعة وحولت العمال الي عبيد، واقفا عند عمال المناجم والحياة القاسية التي يحيونها بحثا عن المعادن، التي تتحول الي اموال تكتنز بها جيوب اصحاب الكارتلات الاقتصادية والترستات الصناعية، اذ يري انهم (يهدمون البيوت الضخمة، وقد ولت القاعات التي شيدت ايام الملك جورج (…) وقد صار الريف بعيدا عن الاصالة جدا، والنبلاء كانوا يرتحلون الي الاماكن الامتع، حيث ينفقون نقودهم دون ان يروا كيف اتت هذه النقود، هذا تأريخ. انكلترا تشطب انكلترا. المناجم جعلت التلال غنية، الان تشطب كما شطبت هي من قبل الاكواخ، انكلترا الصناعية تشطب انكلترا الزراعية (…) انكلترا الجديدة، تشطب انكلترا القديمة) ص235.
وكما صَبّ جيمس جويس في روايته (يوليسيس) التي ابدع في ترجمتها الشاعر الدكتور صلاح نيازي ونشرتها دار المدي وزانها بالتعليقات والشروح، اقول صب الايرلندي الدبلني جويس جام غضبه علي اليهود فان الانكليزي لورنس هو الاخر يهاجم اليهود ويصفهم باقذع الصفات مما يؤكد كره الاوربيين لليهود في وقت كانوا يعيشون مع مسلمي الشرق ومسيحييه ازهي ايامهم، وجعلونا ندفع ثمن اخطائهم باقامة الكيان الصهيوني علي الجزء المتقطع من ارض فلسطين، ومنذ قرون كتب وليم شكسبير روايته عن التاجر اليهودي المرابي (تاجر البندقية) اذ يقول لورنس: (وكان ذلك فاسدا فساد يهودي وضيع المولد تواق للزني) ص117.. و(انت تجف باستمرار. انت تنتفخ فقط بالمال، مثل اي يهودي او اي مستغل..) ص289… و(هكذا اذن. عندما رفض يسوع اموال الشيطان، ترك الشيطان مثل مصرفي يهودي، سيدا للموقف كله..) ص389
قلت: ان رواية (عشيق الليدي شاترلي) فضلا علي حسيتها، فانها رواية افكار فالروائي يكثر الاستشهاد بالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ويورد نصوصا منهما مما يؤكد ادامته النظر في الكتب المقدسة، والنهل من معينها الثر، فضلا علي آراء استشرافية متقدمة فالرواية في بعض جوانبها اقرب الي روايات الخيال العلمي، او الاستشراف العلمي الدقيق، الذي ما لبث ان تحقق علي مستوي الطب او غيره، فهو يذكر (كانت اوليفي تقرأ كتابا عن المستقبل، حيث يربي الاطفال في زجاجات وتخضع النسوة للمناعة، قالت: انه شيء جيد تماما ايضا، عندها تستطيع المرأة ان تعيش حياتها الخاصة (…) ارادت سترانجواي اطفالا ولكنها لم تفعل، سألتها ونترسلو (…) كيف تريدين ان تُمَنَّعِي، قالت: انا آمل ان أُمَّنَع طبيعيا، وعلي اي حال ان المستقبل سيكون اكثر امكانيات، فالمرأة لا تحتاج ان تغوص باعمالها الامومية.. قال ديوكس: ربما تعوم في الفضاء (…) قال كليفورد: اظن ان الحضارة الكاملة مضطرة للقضاء علي العجز الجسدي، فكل مسائل الحب، مثلا، سوف تسير تماما، اعتقد انها تسير حسنا ان استطعنا تربية الاطفال في زجاجات) ص119 – ص120.
في هذا النص استشراف ذكي للمستقبل، وارهاص بثلاث منجزات علمية حققها العقل البشري لاحقا، واضعين في الحسبان، ان لورنس كتب روايته هذه خلال الاعوام 1926 – 1928، اذ اكتشف العلماء، حبوب منع الحمل للنساء، من اجل تنظيم الاسرة وتحديد النسل، وهو ما وصفه بقوله عندها تستطيع المرأة ان تعيش حياتها الخاصة، وان لا تتحول الي معمل للتفريخ وانجاب افواه جديدة تأتي علي الزرع والضرع، كذلك تمكن العلم من ابتكار الحواضن الزجاجية للمواليد الخُدَّج الذين يفدون الي الحياة الدنيا قبل اكمال شهرهم التاسع في رحم امهاتهم.
كما يتنبأ لورنس – ثالثا – بارتياد المرأة للفضاء الخارجي والعوم فيه، وهو ما تحقق صيف عام 1962 بارتياد رائدة الفضاء السوفياتية فالنتينا تريشكوفا للفضاء بسفينة فضاء لعل اسمها سيوز، وكذلك – لاحقا – في العديد من رحلات الفضاء الامريكية جالنجر، فويجر، وكذلك مكوك الفضاء الامريكي ديسكفري الذي احترق بُعَيْدَ اطلاقه في شهر كانون الثاني من عام 1986. من خلال استقرائنا للرواية، نجد ان المذياع، كان قد انتشر استعماله في زمن عشرينات القرن العشرين، في حين لم يصل الي العراق الا في حزيران عام 1936 وهو تأريخ تأسيس دار الاذاعة اللاسلكية ببغداد، وقبل هذا التاريخ في مصر اذ ترد في الرواية، اكثر من اشارة الي استماع كليفورد بطل الرواية، الذي اصيب اثناء خدمة الاحتياط في الحرب العالمية الاولي، واصبح معاقا، واثرت الاصابة علي قدراته الجنسية .. كليفورد (…) فضل الراديو الذي اشتراه بثمن باهظ (..) احيانا يستمع الي مدريد او فرانكفورت حتي هناك في الميدزلاند التي يصعب الالتقاط فيها، يجلس ساعات وحيدا يصغي لمكبر الصوت وهو يلعلع، وقد ادهش سلوكه هذا زوجته كوني.
كما وجدت في الرواية تشكيك بشخصية جان دارك، التي كانت شخصية خلافية، ففي حين عدتها الكنيسة الكاثوليكية، مهرطقة ساحرة زانية، تستحق الحرق، فاحرقتها، وما زال في الذاكرة الفيلم الذي جسدت فيه الممثلة رائعة الجمال سويدية الاصل انجريد برجمان، شخصية جان دارك، وانتجته عاصمة السينما الامريكية هوليود في حين عدها اخرون قديسة ثائرة، ولعل لورنس كان من الموافقين لرأي الكنيسة ايام العصور الوسيطة فهو يري (الاحتشام العام لم يعد موجودا فزوجات العمال ساخطات محتجات (…) وان كل امرأة من نسائنا غير المنسجمات كانت جان دارك المشهورة) ص394.
عانت الكثير من روايات ذلك الزمان وما سبقه من افتعال، لا يلامس وقائع الحياة، كان ذلك يوم كان الفن الروائي في بواكيره وبداياته نلمس ذلك في رواية (بائعة الخبز) للروائي الفرنسي كزافيه دي مونباتن، او رواية (بطل من هذا الزمان) للاديب الروسي ميخائيل ليرمنتوف ورواية (الرجل الخالد) لانورييه دي بلزاك و(المركيزة) للفرنسية المسترجلة جورج صاند، فضلا علي رواية (حياة صاخبة) للفرنسي جي. دي. موباسان ورواية (الآمال الكبيرة) للفرنسي فكتور هيكو، فاني وجدت افتعالا باديا وظاهرا في الكثير من ادارته لحوادث روايته والا ما الذي يدفع الروائي الي ان يجعل (كوني) زوجة كليفورد بطل الرواية المعاق بسبب الاصابة في الحرب، التي تعشق ميلورز صائد الطرائد والحارس في مزرعة زوجها، والتي كانت تذهب اليه خلسة في كوخه النائي كي يطارحها الغرام، ما الذي يدفع الروائي لان يجعل لقاءها به قبل ان تسافر مع شقيقتها هيلدا للراحة والاستجمام، يجعل لقاءهما في ليلة سفرهما؟ اما كان بامكان السارد لورنس ان يجعله في وقت آخر؟ قبل ان تصل هيلدا مثلا وما الداعي لهذه الفضيحة، ان تقابل عشيقها ميلوزر هي التي في عصمة زوج، وتمارس الخيانة الزوجية معه جهارا نهارا مخبرة اختها هيلدا التي جاءت لاصطحابها في سفرتها تلك بنزواتها ومغامراتها العشقية مع ميلورز؟ الامر الذي يثير حفيظة هيلدا ويؤذيها نفسيا. صارخة باختها كوني الزوجة الخائنة.
– (سوف تندمين علي ذلك) ص353
وحادثة اخري مفتعلة، تلقي ظلالا سلبية علي فن لورنس الروائي، والا ما السبب الذي يدفع (كوني) العاشقة المسافرة ان ترسل رسالة الي عشيقها ميلورز، ولكن بواسطة من؟ بواسطة الامرأة التي تقوم بخدمة زوجها ومساعدته علي العيش، كونه معاقا مستطيعا بغيره، الي ايفي بولتون تبثه لواعجها وشوقها اليه، مواسية له جراء الاذي الذي احدثته له زوجته واصفة اياها مجرد امرأة هستيرية تريد ايذاءك، وانها ستعود الي البيت، مؤملة ان يستقيم كل شيء!! ص391
ايعقل هذا؟ لاشك ان السيدة بولتون، ستخبر كليفورد زوج كوني بفحوي الرسالة، وسيزداد الامر سوءا هي التي تحاول حل الموضوع بالحسني، ان يطلقها زوجها، ويطلق ميلورز زوجته، ليتمكنا من عقد قرانهما؟!
رواية (عشيق الليدي شاترلي) للروائي البريطاني ديفيد هربرت لورنس، عانت كذلك، ص249 وص296 مثلا شأنها شأن روايات ذلك الزمان – من ترهل واسهاب وتطويل، وكانت الرواية ستكون اجمل واكثر تأثيرا لو خلصها كاتبها من هذه الهنات، والهفوات. ويظل اي عمل ابداعي موضع مدارسة ومناقشة لان اكتمال المطلق، لواجب الوجود قط..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

عودة الكلاسيكية في حلة جديدة في فن القريض العربي !!!
الناقدة والاستاذة الباحثة سامية البحري

_تصدير : عندما ينتفض الحرف الثائر فيشكل مفهوم “الجمالية ” ما بعد “الحداثة ” فيولد …

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *