طلال سالم الحديثي : أحمد الصافي النجفي في دمشق، برد الشوارع يتآلف مع نثيث القصائد

ما زلت أذكر أول دخول لاسم الشاعر المرحوم أحمد الصافي النجفي إلي ذاكرتي عن طريق ما كان يرويه أحد أبناء مدينتي الحديثة عنه وهو المحامي والشاعر مخلص عبد اللطيف الحامد الذي درس القانون في الجامعة اللبنانية وارتبط بصداقة مع الشاعر وعايشه سنوات إقامته في لبنان ، ثم توثقت قراءاتي في شعر الشاعر بعد أن نشر صديقي الشاعر والكاتب تركي كاظم جودة دراسته عن أحمد الصافي النجفي حياته وشعره وطبعه في بغداد وكنت آنذاك مطالع الستينات أزامل المؤلف جودة من خلال عملنا معاً في مجلة الفكاهة لصاحبها حميد المحل و كان محرراً لصفحتها الأدبية، ثم تواصلت قراءاتي في شعر الشاعر الذي تنشره مطابع بيروت في مجموعات شعرية تصل إلي مكتبات بغداد، واذكر أن مجلة العربي الكويتية نشرت عنه مقالتين علقتا في ذاكرتي، أولهما كتبها عنه الطبيب فيصل دبدوب في العدد (237) عام 1978، وكانت بعنوان: أحمد الصافي النجفي.. هكذا عرفته. والثانية كتبها عنه كاتب من لبنان هو ربيع ديب وكانت بعنوان أحمد الصافي النجفي بيروتياً، ونشرت في العدد (241) عام 1978.
ومقالة الدكتور فيصل دبدوب هي ذكرياته مع أحمد الصافي النجفي في دمشق(أوائل الأربعينيات)، وكان الكاتب يدرس الطب في جامعتها وتعرف علي النجفي ورافقه سنوات دراسته آنذاك، وقد تركت هذه المقالة في نفسي أصداء شتيتة إذا كنت وعفوياً أتحسس الأمكنة التي كانا يتنقلان فيها ومنها المقاهي التي كانا يترددان عليها، ومن محاسن الصدف أن أعثر علي مجلة كانت تصدر في دمشق باسم مجلة التمدن الإسلامي فأجد في أجزائها المرقمة (33-36) من المجلد 24 الصادرة في نيسان عام 1958 مقالة كتبها الأستاذ حسني كنعان بعنوان: فيض من الشعر وفيض من المال، وقد وجدت فيها ما لم أجده في غيرها من وصف دقيق لحياة الشاعر في دمشق أثرت أن أضعها أمام القراء والمهتمين بشعر الشاعر النجفي ودارسيه، يقول حسني كنعان:
ليلة من ليالي الجمعة القريبة، كنت اقطع شارع النصر من رصيف إ لي رصيف، والحذر آخذ من مأخذه خشية أن تدهمني بنت من بنات عزرائيل، أعني السيارات التي يكثر ازدحامها في هذا الشارع، ولاسيما في الطريق المؤدية إلي سوق الحميدية، وإذا بي أري شبحاً من الأشباح متكئاً علي دوحة من الأدواح الباسقة القائمة علي جنبات الأرصفة ينتظر انتظاري أن تكف بنات عزرائيل عن انسيابها في وسط الشارع، فتبينت ذلك الشبح عن قرب وإذا بي أري صديقي القديم الشاعر الملهم أحمد الصافي النجفي، وكان متلفعاً بعباءته الشقراء، يتقي البرد القارس الذي كان يهزه ويتسرب إلي جسمه الناحل الضئيل من كل صوب بهذه العباءة التي كأنها قطعة من جسده، وقد سد فمه (بكمه) ولم يبن منه غير عينيه اللتين كانتا تتقدان في محجريهما توقد عين نسر أشهب، ومذ صافحت عيناي عينيه بادر كل منا صاحبه بالسلام والتحية ثم تعانقنا وتباوسنا، وكان منظراً رنت إليه عيون المارين، ففاضت أعينهم بالدمع من شدة الضحك علي ذلك المنظر العجيب،ولما شعرنا بقهقهات وانفجارات أضاحيكهم ، انزوينا ناحية الشارع نتبادل عبارات الشوق حتي خلا الشارع من بنات عزرائيل وشياطين عذاله، ثم تأبط كل منا ذراع الآخر واجتزنا الشارع وانتقلنا إلي شارع الدرويشية، فجعل كل واحد منا يبث شوقه وحنينه إلي الآخر، وطال بنا المسير وطال بنا الحديث حتي قطعنا جادة الدرويشية ودخلنا في الشارع الجديد القائم علي أنقاض الحرائق التي أحدثتها قنابل سراي الطاغية الفرنسي في هذه المنطقة، فهلك الطاغية، وقامت في الجادة المذكورة الشوارع وباسقات المباني، وغدت اليوم تعد من أعظم الجادات لفخامة البناء والعمران القائم فيها، فاسترقّني حديث صاحبي أي جعلني رقيقاً، واجتذبني حتي قطعنا الشارع المذكور وانتقلنا إلي سوق الخياطين، ولما طلبت من صديقي الإذن لي بالعودة من حيث أتيت، وصافحته مودعاً ودعاني لزيارته في حجرته المشهورة القائمة في مدرسة قديمة في سوق الخياطين، وهي علي مقربة من مقام نور الدين الشهيد، أعني نور الدين الزنكي، واضع اللبنة الأولي في صرح وحدة العرب، داقاً المسمار الأول في نعش الصليبيين هو ووزيره صلاح الدين.
فقال فيما قاله: لو لم تكن أنت من أخلص أصدقائي لما دعوتك لزياتري في هذه الحجرة المتواضعة، إذ لم يوجد ما يرضي من يكون مثلك، والناس يا عزيزي تغرهم المظاهر، وليس في حجرتي شيء يرضيهم، فهم ينظرون إلي المكان، ولا ينظرون إلي قيم السكان.. ولما أراد أن يتسمر في اعتذاره علي هذا المنوال، قلت له: بل حجرتك هذه فيها كل شيء، منها تستلهم فيض شعرك، فالسر يا عزيزي بالسكان لا بالمكان، فكل شيء في حجرتك يرضي صديقك حسني كنعان حتي أوكار الفئران…
فضحك وضحكت، وكنا وصلنا إلي المدرسة المذكورة، واجتزنا ممرها وصعدنا الدرج المؤدي إلي الحجرة، ومذ دخلنا هبت علينا نسمة باردة من النوافذ المحطم زجاجها، وكانت الأوراق والكتب ملقاة في أرضها ومبعثرة هنا و هناك و فرشة الشاعر الكبير ذي النفس الطموح و القلب الفياض و الفكر الثاقب في وسط الحجرة تشكو إلي بارئها قدمها ووحدانيتها، فقّدم إليّ كرسياً من عهد سفينة نوح لأجلس عليه، ثم تهافت هو بدوره علي فرشته ،فنشرها من طيها ، و استلقي عليها يلهث من تعبه و عنائه ، فقلت لم مسرِّياًعنه مصابه بمسكنه: ذكرّتني حجرتك هذه بالحجرة التي ينام فيها صديقي المرحوم ممدوح الخطاط نابغة عصره في الخطوط الأثرية، فلقد كانت غرفته التي كان يأوي إليها شبيهة بغرفتك هذه…
فهناك قطعة أثرية علاها الغبار، وهناك قطعة أثرية أكلتها الأرضة، واهترأت وتمزقت، وهناك قميص ملوث بالمداد، وهناك بذلة قد فتحت الفئران والجرذ في حشاياها شوارع وطرقات وأخاديد، وهناك آنية للطعام فوق الفراش، قد بعثر ما فيها من طعام قط أو فأر أو جرذ، وتلوث الفراش بفضلات الطعام ونثراته، وهناك وهناك… فهذا شأن النوابغ أحياناً، وهذه هي حياة الفنانين الزاهدين، وكان صديقي مشغولاً عن هرائي بالنظر إلي وكر في الحجرة، فكأنه ينادم شيئاً فيه ويناغيه، فقطعت الهراء وصوبت بصري إلي الناحية التي يرنو إليها، وإذا بي أري فارتين صغيرتين تتهارشان وتتناجيان أمام باب الوكر، فكأنهما تتساران سراً تعلنان قدوم ولي نعمتهما ساكن الحجرة، وما لبث أن انحدر من النافذة قط أسود اللون رافع الذيل يختال فرحاً وابتهاجاً بقدوم ولي نعمته أيضاً، فلم تتحرك الفأرتان من مكانهما خشية من السنور القادم، والعدو الغادر،بل ظلتا في مكانهما تتهارشانو تتناجيان فما كان من صاحبي إلاأن خفّمن مكانه ،وأخرج شيئاً من جيبه كان قد لفه بورقة ووضع هذا الشيء أمام القط، فنظرت إلي ذلك الشيء، وإذا به بعض قطع من لحم كبد خروف، فانقضَّ القط عليها يلتهمها دون أن ينظر إلي الفأرتين، ثم خفّ صاحبي إلي جارتيه الواقفتين أمام الوكر يلقي أمامهما قطعات صغيرة من الجوز والجبن، فاختفتا برهة ثم ظهرتا وعادتا، فعكف كل منهما علي زاده يلتهمه وصديقي يضحك من هذا المنظر، وقد رآني مشدوهاً مستطار اللب لهول ما أبصرته من اجتماع الأضداد في حجرته علي صعيد واحد دون أن يعتدي أحدهما علي الآخر فقال:لا تعجب يا أخي حسني مما تري فهذه الحيوانات التي تراها هنا قد ألفتها وألفتني، وأنا من الأناس الذين يفضلون الكلاب علي بعض الكثيرين ممن يلبسون الثياب، فزال عجبي، وعرفت أن جميع ما ينشره هذا الشاعر العجيب في دواوينه عن الحيوانات وعطفه عليها إن هو إلا صورة مصغرة عما يكنه لها.. وهنا تركنا الحيوانات وانتقلنا إلي الأجواء الأدبية، فاستل صاحبي من جعبته قصاصات من الورق وشرع يتلو عليّ ما دونه من أشعار في شتي المواضيع، ثم قال لي فيما قاله:
ما أفعل أيها الصديق بشوارد هذا الشعر التي تتدفق علي خاطري فأنا مثقل بها مثل ما هو رب الأسرة مثقل بكثرة أولاده، والعجيب في هذا أنني كلما طلبت من ربي أن يرزقني فيضاً من المال رزقني فيضاً من الشعر، فأنا أدعو الله أن يخفف مصابي بكثرة الأشعار وقلة المال، فقلت آمين، ثم استلمت باب الغرفة مهرولاً لأني أبصرت القط فرغ من طعامه وأقعي متحفزا ًللوثب علي الفأرتين ليتم بهما طعامه، هرولت نحو الباب منهزماً خشية ان أري المأساة، وتركت صديقي الشاعر الإنساني يفصل النزاع بين الجيران.

شاهد أيضاً

رحيل الشاعر والصحفي العراقي “ماجد البلداوي”

نعى ادباء وصحفيو محافظة ميسان الشاعر والصحفي ماجد البلداوي الذي توفي اليوم السبت بعد معاناة …

الأدِيبُ( يحيى نوح مجذاب) وَالْوَشَمُ الْمَغْرُوسُ فِيْ شِعْرِهِ الْجَذَّاب.
موشي بولص موشي

تَعَارَفْنَا قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ وَتَعَمَّقَتْ عُرَى الصَّدَاقَةِ بَيْنَنَا، شَكَّلْنَا فَرِيقًا مُتَجَانِسًا مُكَوَّنًا مِنَ الْأَسَاتِذَةِ الْأُدَبَاءِ،عدنان …

ناجي الحازب آل فتله: المعجم الحازبي:الألمانية بوصفها لغةً عربية (القسم الواحد والعشرون)

ekl-atant أكل والْأُكْلُ: الرِّزْقُ. وَإِنَّهُ لَعَظِيمُ الْأُكُلِ فِي الدُّنْيَا أَيْ عَظِيمُ الرِّزْقِ ، وَمِنْهُ قِيلَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *