مهدي شاكر العبيدي : أشتات من حياة “محمد شرارة”

لك أنْ تعدَّه لبنانيا ً وعراقيا ً معا ً , فقد عاش في كلا القطرين ِ الشَّقيقين ِ ردحا ً من الزَّمن , نازلا ً على حكم الضَّرورات والظروف التي حاقتْ بهِ واكتنفته غير  مرَّة , لأنَّ الولادة كانتْ في بنت جبيل من منطقة جبل عامل بلبنان في عام من الأعوام الأوائل للقرن الماضي , ومن ثمَّ نزح إلى النجف الأشرف ولمَّا يكتمل عقده الثاني , حيث استأنف تحصيله الدِّراسي في معاهدها ومنتدياتها , مضيفا ً إلى معارفه المتواضعة البسيطة من النحو والبيان والمنطق ممَّا تلقفه واسترفده من أفواه شيوخه الذين سبقوه إلى التعلم في النجف أيضا ً , قلت مضيفا ً زادا ً طائلا ً من ثمار العلوم الدِّينية والفقهية والعربية بشكل أتمَّ وأوسع وأكثر انفتاحا ً صوب الحياة الجديدة المائجة بتيارات شتى ونوازع مختلفة , ممَّا يقتضي من الدَّارس المنتظم في حلقات العلم أنْ لا يبدو منكمشا ً منعزلا ً عن الواقع الذي يحيط بهِ ويؤثر في مجريات   حياته , إنْ لمْ يسعَ لتغييره نحو الأضمن لإشعاره بقيمته وأهميته في هذا          الوجود , وكذا استكنه كثيرا ً من الطبائع والميول , وخبر ما لا حصر له من السَّرائر والأهواء , فإمَّا أنْ يجنحَ إلى المداراة والإذعان , ويقرَّ النزول على ما يجافي الحقَّ والمنطق من الدَّارج المألوف في البيئة والوسط الاجتماعي , وإمَّا أنْ ينتوي معارضته ومصاولته , ويتخذ موقفا ً لا عهد له بالنكوص والمساومة آيلا ً منه إلى الإجهاز على النفاق والمخاتلة والتظاهر بغير ما تنطوي عليه النفوس , وكذا كانَ زجه ذاته في مخاصمات ومشاحنات مع لفيف من المسيطرينَ والمتحكمينَ بتوجيه الدِّراسات للعلوم العربية والدينية وواضعي المناهج بهذا الخُصوص          ومقرِّريها , وهذا اللون من التنازع إنْ استتبعه وترتب عليه ما هو في غنى عنه , ولا حاجة له بهِ من الشَّتم والإيذاء والتخرُّص , ممَّا لا يحسن ذووه غيره , في مقارعة مخالفيهم وإبطال ذرائعهم وتسفيه حججهم , حسبه أنْ أحدث في المحيط النجفي ضجة ملحوظة وانقساما بيِّنا ً في وسط المثقفينَ حيث توزَّعوا في طوائف ومعسكرات , كلُّ يدين بوجهة نظر ويعتنق رأيا ً يضيق بدواعي الحياة ومستجداتها أو يرنو نحو الأسمى والأرفع من غاياتها وتوجُّهاتها , وهذه هي عصارة المجادلات الحادَّة والنقاشات المستفيضة التي تسللتْ حتى إلى مجالس بعض المرجعيات ذات المشيئة النافذة والكلمة المسموعة , بحيث تعدَّى الأمر وجاوز حدَّه إلى الإهابة بعامة الناس أنْ تنبَتَّ صلتهم بما اعتادوه منذ أحقاب سحيقة من ممارسة عادة ضرب الرُّؤوس بالسيوف والقامات إظهارا ً للحزن والتفجُّع على ما حلَّ بالحسين السِّبط وذراريه من الرَّزء الفادح على أيدي البغاة والسَّفاحينَ , صادعا ً بدعوةٍ جاءته هذه المرَّة من المرجعية بلبنان , وتردَّد كثير من المجتهدينَ في قبولها وتأييدها , ووقف إلى جانبه في هذه المحنة التي واجه فيها أكثر من مكابر عنيد أصفياؤه الخلص حسين مروة ، ومحمد حسن الصُّوري ، ومحمود الحبوبي ، وصالح الجعفري , وفي هذا الطور انقطع لنظم الموشَّحات مودعا ً إيَّاها أحاسيسه وأشجانه إزاء خيبة الآمال في نهوض هذه الأمَّة من كبوتها جرَّاء عدم إصغاء بنيها لصوت دعاة الإصلاح ، فنراه يقول :ـ

وثـَـبَ الـعَـــالمُ للـمَـجْـدِ سِـوَى         أمَّتِي طابَـت لهـا رقدَتـُــهـا
بَدْرُها الزَّاهِي توارَى واختفتْ         تحْتَ أستار ِ الدُّجَى نـَغمتها
لا تـَـــرَى إلا نفوسا ً أخَــــذتْ         تـَتـَلاشَـى جَـزَعا ً قـوَّتـُهــا
وعُــيـونـا ً كـُلـَّمـــا لاح لـهـــا         شفق الصُّبح اعترَاها النفس
و وجوها ً كلـَّما مَرَّتْ بهــــــا         نسمة الرِّيح على صُفرتهــا
كيْفَ نرجُو يقــــظـة ً مِنها إذا          دَخلَ الليـلُ ونامَ العَسَــــس

********

ويبدو أنـَّه ما من كاتبٍ متميز بأسلوبه وطريقته في الإفصاح عن رأيه , إلا وكانتْ له هناك محاولات في كتابة الشِّعر قدْ يزهد فيها ولا يثابر عليها , موهما ً نفسه أنـَّه لا يبلغ شأوَ الشُّعراء المبدعينَ , وكذا فقد تسامى محمد شرارة في كتابة المقالة الأدبية وجال في التراث العربي مستنبطا ً قيمه و أداءه الفني مستوحيا ً وقائع حياة أدبائه ومفكريه , مفرغا ً إيَّاها في دراسات وفصول جديرة بالنظر لاسِيَّما أنـَّها صِيغتْ هذه المرَّة بأسلوب العصر بعد أنْ مرَّتْ لغتنا العربية بأطوار ومراحل من الصَّنعة والعقم وانعدام الرواء , فالتجدد والعفوية والانطلاق والرَّشاقة والاحتراس من التكلف والإغراق والهيام بالمحسنات البلاغية , ومن هذا الباب تجيء مقالته      ( شاعر وامرأتان ) في سيرة عبيد الله بن قيس الرقيات , حيث التفصيل في كيفية نجاته من الهلك والانتقام بفعل شهامة امرأتين اهتدى إليهما مصادفة وتفاديهما لإنقاذه ممَّا كتبه في أخريات حياته ، وتجيء أيضا ً دراسته التحليلية لشعر أبي الطيِّب المتنبي التي حققتها وعلقتْ عليها وشرحَتْ بعض مضامينها ودلائلها وإشاراتها ابنته الدكتورة الرَّاحلة حياة ، التي دللتْ على أنـَّه لمْ يأخذ بقسطه من الحياة الخالية من التنغيص والعناء , وأنـَّه درج مكافحا ً العمايات والشُّرور , ولازمه سوء الطالع بحيث لمْ يبرزْ في صف الأدباء المجلينَ أسوة بالضِّعاف والأغمار ممَّنْ تضفى عليهم سمة الرِّيادة والتنوير في غير استحقاق , وأصل الحكاية أنـَّهم أسرفوا في الظهور وغشيان المحافل والمنتديات واصطنعوا لهم شللا ً تطنب في مزاياهم , حتى اجمع الناس على أنـَّهم الفهماء الذينَ تعبوا في تربية عقولهم , أمَّا من تواروا وتعففوا من ركوب أيَّة موجةٍ وانتهاز الفرصة المواتية أثناء أيِّ تحول في حياة             مجتمعهم , فحسبهم الانحسار والخمول والإجحاف وتضييع الحقوق .

غادر محمد شرارة النجف وقد أدرك بفطنته أنَّ سبل العيش فيها باتتْ وعرة بعدما لقي من التثبيط والتوهين , فالإنسان مهما صبر وقاسى وتحمَّل من متاعب يتسبب فيها من لا يتقبَّل رأيه من المتشددينَ والمتعنتينَ مكابرة وحسدا ً , فقد يجد نفسه في حل من التخلي عن العناد ويؤثر عدم مماثلة مناوئيه في شططهم    وسفاهتهم , ولو فرَّط فيما يليق بهِ من الشَّجاعة الأدبية , وقيِّضَ له من أهل الخير من سعى لتوظيفه في وزارة المعارف فتعيَّنَ مدرسا ً في ثانوية الحلة زمن الحرب العالمية الثانية , ليتفاعل مع تيَّار الوعي الشَّعبي الذي اجتاح البلاد بعد           الحرب , فانتفض الجمهور مطالبا ً بإلغاء معاهدة 1930م ، المبرمة مع بريطانيا ومحبطا ً مساعي الحاكمينَ لفرض معاهدة بورتسموث الأضر بمصالح الوطن والمجحفة بسيادته , فكانتْ أيَّام الوثبة العارمةِ التي ساهم فيها مع جمهور المثقفينَ وسواد الناس , وكانَ جزاؤه الإقصاء عن التدريس أولا ً ثمَّ فبركة تهمة باطلة عوقِبَ جرَّاءها بالحبس مدَّة عام , أسوة بما طال غالبية المتنورينَ والوعاة في ظلِّ الأحكام التعسفية والتي في ظلها صُفيَتْ مكاسب الوثبة الوطنية تدريجيا ً , وكذا كـُتِبَ على المثقف أنْ يضطرَّ لممارسة أشغال شتى لا يتقنها , فقد سمَعْتُ في غضون عام 1952م ، أنـَّه امتهن إدارة إحدى دور السِّينما أو شارك في تحرير جريدة ( الوعي السياسي ) التي لمْ يمهلها ذوو الشأن سوى أسبوعين حتى عجَّلوا عليها بالتعطيل  والمصادرة , بينا ألمح الشَّيخ علي الخاقاني وهو يترجم له في ( شعراء          الغري ) , إلى افتتاحه دكانا ً يبيع فيه المرطبات على مقربة من جامع ( الحيدر   خانة ) حيث جريدة ( الهاتف ) وتردد أخدانه من الأدباء عليها , وليس في هذا الحال ما يعيب ويزري , على كلِّ حال ، فبعد ازدياد النقمة والسُّخط على الحاكمينَ إزاء تهافتهم وتهاونهم في ربط بلادهم بعجلة الأحلاف المهينة , وجد من الأفضل أنْ يهاجر إلى لبنان مجددا ً صلته بالأعمال الأدبية .

عادَتْ جريدة ( الحضارة ) للصُّدور بعد ثورة 14تموز , وصاحبها كما        لا يخفى هو الشَّيخ الكاتب محمد حسن الصُّوري المقيم في الصين فيما بعد , وقد التزمَتْ خطها السَّابق إبَّان صدورها أيَّام الوثبة , حيث ظلتْ دوما ً أمينة على مبادئها من ابتغاء سعادة الشَّعب وضمان انتفاعه بخيراته وموارده وإنفاقها لصالح تقدُّمه     ورقيه , بعيدا ً عن استغلالها في وجوه تبعد بها عن هذا الجانب المشروع , وفي إدارة جريدة ( الحضارة ) عند مدخل شارع المتنبي تعرَّفتُ على محمد شرارة الكاتب العائد من لبنان ليختصَّ بتحرير زاوية أو عمود صحفي أسبوعي عنوانه      ( نهلات طائر ) ليسجِّل فيه نظراته وانطباعاته عن الأحوال العامة , وكان عتاب محمد شرارة على الجواهري في (  نهلات طائر ) ذات مرَّة لفرط قسوته ومغالاته في تبكيت وزير الإعلام يوم ذاك فيصل السَّامر جرَّاء إغضائه عن الحملات المسعورة على شخصه في بعض الصُّحف .

ومرَّتْ سنون وكلُّ ذهب في طريق حتى التقيْتُ بعدها بمحمد شرارة عند أطلال بابل , قادما ً إليها مع وفود مهرجان الرَّابطة العلمية والأدبية في النجف , حيث لمْ يعدْ غير الشِّعر سلاحا ً لنا في محو آثار النكسة , وكثرَتْ مثل هذه الملتقيات في غير حاضرة عربية , ففيها مجال للوجاهة والتعارف وتكوين الصَّداقات ومنافع      أخرى , بحيث يتمنى المرء أنْ ينزلَ بقومه كلَّ يوم مصيبة , لكن وجدَتْ الشَّيخ هذه المرَّة قدْ أضنته مآسي الحياة وخطوبها واجتليْتُ شبح الموت بينا ً في إمارات وجهه وتقاطيع جبينه وهذا ما حصل بعد مدَّةٍ قصيرة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.