نزار السلامي* : هشام القيسي .. هكذا أراه**

لاأدري كيف اكتب عن صديقي الأستاذ هشام القيسي ؟ معرفاً به .. فحتماً من يعرف هذا الأنسان يدرك تمام الأدراك
ان لاجدوى من هذه الكتابة ، ومن لايعرفه .. فمهما كتبت لن تصل الصورة التي احاول ايصالها عنه ، ولكن المحاولة حق مشروع لكل محاول .
التقيته في المكتبة الفلسطينية منذ سنوات ، وتحديداً أواخر التسعينات من القرن المنصرم .. تأملته طويلاً على غفلة منه ، كان يتحدث مع بعض الأصدقاء ، يطلق النكتة الجميلة حيناً ، ويصدر تعليقاً نقدياً حيناً آخر ، ويستذكر أصدقاؤه القدامى ، ويستغرق في تفكير عميق أحياناً اخرى وهكذا كانت معرفتي به ، والتي شعرت حينها انني محظوظ حقاً حينما ألتقي بانسان كهذا في زمن صعب تعددت لدى الكثير الوجوه والأقنعة وكثرت فيه المجاملات ، واختلط الحابل بالنابل ، وقل فيه الأصدقاء والأحبة ، وتلاشت فيما بينهم الحقائق ، واسترقت فيه الكلمات ، وضاعت فيه هيبة القلم واستبيحت فيه الألفاظ .. ! وبذلك أضفت الى قائمة أصدقائي المحدودة العدد رجلاً شامخاً وفياً معطاء لا يزيده الصدق إلا نقاء ولاتزيده عزة النفس إلاكرامة .
عرفته ذا نتاج ثقافي جم نابع من عصارة جهد وعقل ينمان عن أصالة ركائزها الأساسية  الحياة والأدب والصحافة والعشق الأبدي لكل ما هو جميل ، وطاقة كبيرة تعمل بتمويل ذاتي دون أن تحتاج الى قوة دفع خارجية ، طاقة تولد تأليف القصة وكتابة القصيدة والمقالات الصحفية والنقد الأدبي .. فالكلمات والأحرف هي هدفه ومسعاه ولسانه وصوته وضالته المنشودة التي يبحث عنها في أيامه ولياليه … ليسطر منها أجمل الجمل .. وأحلى العبارات .. وأصدق المشاعر .
لمع من بين أبناء جيله من الشعراء ولكنه تميز من بينهم جميعاً فبنى نفسه لبنة لبنة ، واقتحم الخضم بساعدين قويين وارادة من فولاذ ، حيث ألم بثقافة أدبية واسعة وعميقة قلما توفرت للذين بدؤا معه الشوط ، فقد عمل بصمت وتقدم بثبات ، ونجح بامتياز ، ففخر به الأدب وصفقت له القلوب والأسماع قبل الأيادي ، إذ كتب للجميع ، وتغنى بكل ما في هذا الكون ليسطر أعذب وأقوى الحروف والكلمات ، ليعالج فيها الآم الناس ومشكلات المجتمع وأوجاعه ، وحبه لشعبه ولوطنه ومدينته العزيزة كركوك ، ولم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا وكتب عنها .
حينما نلج بستانه الثقافي شعراً ونثراً نكتشف داخله عيناً فنية ببصيرة ذات افق بعيد وذوقاً جمالياً مبدعاً ولدته الفطرة والسليقة ، ورعته القراءة الدؤوبة المثابرة لنكشف شيئاً عظيماً نافذاً الى جوهر الأشياء ، ولب المعاني ، باسلوب قل نظيره عند غيره من أبناء جيله ، دون لف أو دوران ليثري به الساحة الثقافية بروائعه ودرره .
صديقي الوفي سأتوقف عن الكتابة لأنني مهما كتبت لن اوفيك حقك في المكانة التي تبؤتها في قلبي ..الذي انهمرت فيه أمطارك الدائمة في كل المواسم والسنين .. عبر سؤالك المستمر عني ، وتفقدك لأحوالي ، ووصول مؤلفاتك الى يدي قبل غيري ، والأهم من ذلك كله هو اطراؤك الذي ما أنفك لسانك يلهج به وأنت تذكر سيرتي كانسان وصحفي في أغلب المحافل الثقافية التي تجمعك بأرباب الأدب والثقافة ..  وهذا ينسحب أيضاً على جميع زملاؤنا الذين تربطك واياهم علاقة صداقة لأنك انسان خلقت لتحب الجميع دون إستثناء .

* كاتب واعلامي عراقي   
** نشرت في صحيفة الفيصل 2006

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.