الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » عبد الستار ناصر : معراج الأبدية

عبد الستار ناصر : معراج الأبدية

أبيع الكتب في أيام الثلاثاء والخميس علي رصيف مزحوم بالقراء والصبايا والفقراء، أجلس من الساعة التاسعة صباحاً حتي الخامسة بعد الظهر، وفي كل ثلاثاء وخميس أبيع الكتب التي جئت بها جميعها، سوي كتاب واحد عنوانه(معراج الأبدية) لمؤلفه عطية مطاوع القط.
لماذا يشتري القراء والصبايا والفقراء عشرات الكتب المسماة: كاتدرائية العصافير، سلاماً أيها البحر، أقنعة البوذي، أسلاك شائكة، قوافل تائهة في صحراء، السائر في الظلام، ويرفضون شراء معراج الأبدية؟ لا أدري… مع أن غلافه أجمل وأوراقه بيضاء 80 غرام، وليس الثمن سوي ثلاثة دراهم، وهو أرخص من: عويل العنقاء والمهرج والراقصة والشجرة الشرقية وحمار علي جبل وموعد في سامراء، فكيف أفسر ذلك وكتاب الأبدية مايزال معي منذ عامين يرفض أن يتركني، يعود معي كل ثلاثاء وخميس حتي أصابني اليأس وقررت أن أبيعه بدرهمين بدلاً من ثلاثة.
كومة أخري من الكتب، في منتصف الظهيرة، مضت الي الفقراء والصبايا والقراء: روبنسن كروزو، ليلة الجنرال الأخيرة، حياتي مع بيكاسو، عودة الإبن الظال، نابليون بونابرت، مذكرات قاتل محترف، الرجل اللامرئي، ولم يبق منها غير معراج الأبدية، مع أنه صار بدرهمين وبقية الكتب بنصف دينار أو سبعة دراهم، وتباع بسرعة، بما في ذلك: النمور في اليوم العاشر وجمهورية الفراغ وصانع المعجزات والمدينة المحاصرة وأعمال جان بول سارتر وآرنست همنغواي ونوال السعداوي.
مسكين هو عطية مطاوع القط، ماذا تراه يقول إذا عرف المصير المخزي لكتابه وهو الرجل الطاعن في السن والسرطان؟

صار عندي من أرباح الثلاثاء أكثر من عشرة دنانير، ولم يبق معي سوي معراج الأبدية الذي عاندني منذ عامين، حتي قررت في ساعة نحس وغضب أن أبيعه بدرهم واحد مع أنه ليس أقل شأناً من قصائد ناظم حكمت وحكايات يوسف إدريس وبهاء طاهر، بل أظنه أجمل من قصص حنان الشيخ وأحلام مستغانمي، لكن أحداً من المارة لم يسأل عنه وليس من قاريء يرفعه من مكانه علي الرصيف ليقرأ بعض ما جاء فيه!
في الطريق فتحت كتاب الأبدية، أتساءل عن السر الذي يمنع الناس من السؤال عنه، فوجئت بالقول علي الصفحة الخامسة(كل يوم نعيشه علي هذه الأرض هو معجزة، والشخص الذي يعيش سنة أطول هو إنسان محظوظ محشو بالغنائم) وعند أول مقهي صادفني جلست أشرب الشاي حتي أقرأ علي الصفحة 23 كلاماً مخيفاً كزبر جلدي ومساماتي:
ـ علي سفح قرب جبال الروح، رأيت نفسي داخل(جب) مزحوم بالشوك والزهور، أشم رائحة الياسمين مرة، ويجرحني الشوك مرة، أنزل نحو ممرات من الضوء والعتمة معاً، فأضحك مرعوباً تحت هالة من النور مرة، وأنزوي خجلا باكياً من العتمة مرة.
منذ طفولتي وأنا أتعلم أن الصهيل للحصان وأن الفحيح للأفعي وأن الزئير للأسد وأن الحفيف للعنكبوت، لكنني أبداً ما عرفت صوتاً مميزاً للإنسان.
قرأت نصف(معراج الأبدية) حتي أقفلت المقهي أبوابها في آخر الليل، لم أقرأ كلاماً كهذا منذ وقت بعيد، قرأت كامو وفلوبير وكونديرا وكازانتزاكي وهربرت ماركوز، لكن مساماتي بقيت علي حالها ولم يقشعر جلدي، كيف تراني أبيع هذا الكتاب بسعر التراب؟ ذات مرة قرأت مقابسات أبو حيان التوحيدي وثورة الفكر الديني، كما قرأت نعوم تشومسكي وكل ما كان يأتيني من كتب قبل بيعها، بما في ذلك: دماغ لينين والقلعة الخامسة وصاحب الفخامة الديناصور والموت السعيد وضياع في سوهو، لكنها جميعها ذهبت من ذاكرتي وتشظت بمرور الزمان ولم أرتجف، فماذا يقول هذا الكتاب العجيب حتي أشعر معه بالرعشة والخوف مثل أرنب مذعور في غابة مغلقة؟
لماذا نام هذا الكتاب ما يقرب من عامين ولم يفكر أي فقير وأي قاريء من الرجال والصبايا أن يشتريه؟ والآن، لا مفر من الاحتفاض به حتي لو أعطوني نصف دينار بعد أن عرضته بدرهمين ولم يقربه أحد حتي اليوم.

في الخميس التالي، سحبت عربة الكتب الي الرصيف، أخذت معي موعظة النار وحافلة في الليل والزائر الليلي مع حفنة من روايات نجيب محفوظ ومسرحيات سعد الله ونوس ودواوين محمود درويش وترجمات سهيل إدريس وجلست كعادتي بينها أتهيأ لنهار آخر من البيع، كان أول من جاءني رجل في الخمسين من العمر كنت رأيته أكثر من مرة فيما سبق، وقف يحدق في عناوين الكتب، إذا به يسألني عن معراج الأبدية ويذكر اسم مؤلفه عطية مطاوع القط، قال:
ـ كان هنا منذ أيام، فهل عندك نسخة أخري؟
أصابني غضب عارم أخفيته خلف دهشتي ولم أقل أي شيء، رأيته يشتري(القوة السوداء) لكارمايكل، دفع اربعة دراهم دون أن يساومني عليه، ثم قال ثانية وهو يغادرني:
ـ إذا حصلت علي نسخة من معراج الأبدية أرجو أن يكون من حصتي بارك الله فيك.
إحداهن أيضاً سألتني عن الأبدية ومعراجها، وثالث جاء لاهثاً يريد الكتاب نفسه، وهذا ما جري في الساعة الثالثة والخامسة عصراً، كلهم يسألون بلهفة عن الكتاب الذي كان أمامهم طوال عامين بأبخس ثمن بين أمهات الكتب، فماذا جري حتي تنقلب الدنيا هكذا مرة واحدة؟
انتهي وقت البيع بعد الخامسة، ومشيت كعادتي صوب المقهي، مستغرباً أسئلة الناس عن معراج الأبدية بعد كل تلك الشهور من عرضه علي قارعة الطريق دون يد تمتد إليه، وفي المقهي، قبل أن أحتسي الشاي رأيت رجلاً يقرأ في جريدة صارت أمام عيني صفحتها الأخيرة، قرأت فيها بالبنط الأحمر المشع (وفاة الأديب والمفكر الكبير عطية مطاوع القط مؤلف معراج الأبدية).
كنت أهز رأسي عجباً واستغراباً وامتعاضاً بعد عامين من بيع الكتب، كيف أن موت المؤلف هذه المرة، وربما في كل مرة، أعطي الحياة ثانية لكتاب ميت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *