الناقد شكيب كاظم : لست من الداعين إلى أدب الإلتزام*

*حاوره : كاظم حسوني
اعتمد الناقد شكيب كاظم في مشغله النقدي الاحتكام الي النصوص ذاتها ، توصلاته النقدية متاتية ليس من افتراض منهج مسبق ووضع مقاسات محددة تلزم عدم خروج النص من اطارها ، كما داب نقاد المناهج علي ذلك، لكن شكيب ينظر الي متن النص كبناء منجز ماثل للقراءة ومايمكن للمتن ان يرشح من دلالات وخصائص فنية ، ولم يخضع لاي منهج وهو العارف بالمناهج ، ادراكا منه بان النص اوسع واعمق واعظم من ان يلزمه منهج واو نظرية . لذا اتسمت كتاباته بجمال العرض وعمق التحليل وبراعة الاستنتاج، مارس الكتابة النقدية منذ نهاية الستينات .. يعمل بصمت ، هاديء بطبعه ،متواضع ، طموح ،، صدرت له مجموعة من الكتب منها ( الضفة الاولي / مقالات في الثقافة والنقد / بغداد 2000) ( الضفة الثانية ، نقد القصة والرواية /بغداد 2001) ( التراث والادب /بغداد 2001) (مطارحات في الثقافة /بغداد ).. وكتب اخري التقيناه فكان هذا الحوار:

ناقد أكبر من المنهج
û هناك مناهج نقدية متعددة تبناها عدد من النقاد في العراق، أين تضع نفسك منها، وما موقفكم من المنهجية في النقد؟
ــ أري اني منغمر فيها كلها، وخارج منها جميعها، والمنهج في النقد مهم جدا لانه اشبه بالضياء لمحتطب بليل النص ومرموزاته، لكن علي ان لايكون المنهج قيداً يحد من نشاط الناقد، فالناقد أكبر من المنهج، لانه هو الذي أوجده، فكيف نقبل ان يكون الموجَد سيداً علي الموجِدْ؟!
û المتابع لمنجزك النقدي، يلاحظ تميزك في الاسلوب الي جانب الرؤية في التشخيص ودقة تحليل النص، ويلاحظ ايضاً ان مقالاتك ليست مجرد بحث نقدي، انما تميل الي منحي سردي جميل يمتع القارئ وتمنحه قدرة كبري في الفهم والتوصيل، مارأيكم؟
ــ نعم. وشكراً علي هذه الملاحظة الذكية، وقد أشار اليها أكثر من قارئ نابه، لكنه ماكان في تدبيري ان أنهج هذا المنهج، بل جاء عفو الخاطر، وعفو الاسلوب ألم يميز الله الناس ببصمة الابهام وبؤبؤ العين؟ اذن من باب أولي يميز الكاتبين بأساليب كتابية مختلفة، ومنذ القرن التاسع عشر، أطلق الناقد الفرنسي المعروف سانت بيف (او بوف) باختلاف الترجمات مقولته: الاسلوب هو الرجل، الانسان، ولعل شغفي بقراءة الروايات والقصص القصيرة والقصص القصيرة جداً، قد تركت ظلالها علي اسلوبي الكتابي.
û تنطلق كتاباتكم النقدية خارج الاطار المحلي الي النتاج العربي والعالمي وهذه ظاهرة قلما نجدها في النقد العراقي. وتعتمد النقد التطبيقي الاجرائي في تحليل النصوص، ونري ابتعادك عن الالتزام بمنهج نظري نقدي، تري هل انت ناقد انطباعي؟ وهل يصح مطالبة الناقد ان يتخذ منهجاً؟
ــ أري ضرورة تقديم جزء من المنجز العربي، فضلاً علي منجز الكتاب في العالم، لتزدهر ذائقة القارئ وتتوسع مداركه وآفاق قراءاته، خاصة واننا عانينا بسبب الحروب والحصار قطيعة مع مايكتب خارج العراق، لابل حتي داخله، لانشغال الناس باليومي والعابر ومشكلات الحياة وتعقيداتها، وانحسار مد القراءة، خاصة لدي جيل الشباب، لذا اري المسؤولية مضاعفة، ازاء ماذكرت من اسباب، فتعريف الاجيال الجديدة بالجديد في عالم الكتابة والابداع علي المستويين العربي والعالمي، فضلاً علي العراقي مسؤولية في اعناقنا من خلال النقد التطبيقي الاجرائي الذي يسبر اغوار النصوص. فقد مضي علي بعض نقادنا حين من الدهر وهم منشغلون بالنظرية النقدية وتفسيرها التي هي ليست من منجزات عقولهم؟! وماطلب القارئ منهم ان يكونوا وسطاء بين صاحب النظرية وبينه فبأمكانه الذهاب الي كتبهم وقراءتها بمعزل عن تفسيرات النقاد الذين تركوا النصوص وراءهم ظهرياً وتحولوا الي شارحين ومفسرين، وكما قلت في الجواب الاول، فانا امتاح من بئر المناهج لكني لست اسيراً لمنهج معين لاني غير مؤدلج ولست من الداعين الي ادب الالتزام الذي ادعوه ادب الالزام والتسبيح بحمد الحزب الواحد القائد.
قد اميل الي الانطباع لكن ليس بالمعني الذي يوحي بالذاتية والانفعال والانغلاق والاحتكام الي المزاج بعيداً عن العقل، بل النقد القائم علي المعرفة الواسعة الموسوعية والذوق والرأي.
اما هل يتطلب الناقد ان يتخذ منهجاً، فأري ضرورة ذلك، شرط ان لايقع في فخاخه ويكون اسيراً له، اذن فما بالك بدعوة الناقد العراقي الكبير المغترب الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الذي يطالب كل ناقد ان تكون له نظريته الخاصة به، حتي انه نفي عن نفسه صفة الناقد مع انه ناقد كبير وباحث رصين، مضيفا ان النقد العربي ماقدم شيئاً منذ القرن الرابع الهجري؟!!
û ما الذي يستهويك في الكتابة النقدية، اي لون من الادب يثير شغفك اكثر، النثر ام الشعر، او بقية ضروب الادب الاخري؟
ــ يستهويني النثر اكثر من الشعر، ومن النثر تحديداً القصة والرواية، والرواية اكثر من القصة، فضلاً علي البحوث والدراسات في مناحي الثقافة المختلفة وابداء الرأي فيها ومناقشتها. فأنا لست ميالاً الي الشعر، عدا الشعر العمودي ولأكابر شعرائنا ولاسيما بعد طروء موجات، زادت في غموض النص وانغلاقه علي ذات منشئه بحجة الحداثة ومواكبة تطورات العصر المتسارعة، لابل ان هناك من يصرح بانه حينما يكتب نصه لايضع في حسبانه القارئ بل بحسبه نخبة يكتب لها لابل هناك من يقول انه يكتب لذاته.
لهذه الاسباب انحسر مد الشعر وتقلصت مساحة تأثيره والاشتغال فيه وعليه والدليل علي ذلك حجم المطبوع من دواوين الشعر، فالشعر اخلي مواقعه لفن العصر الحديث، الرواية لذا انا اعجب من بعض الاراء لمثقفين ودارسين لايأبهون بقراءة الرواية ويعدونها مضيعة للوقت، تري اين هم من هذا الابداع الانساني؟ وذلك مايقوله علي سبيل المثال الباحث هادي العلوي ولاتستغرب صدور ذلك من العلوي هادي فهو مولع بالغرائب ومخالفة الوقائع وماظنك بتركه الاعراب اي حركات الحروف في كتاباته.
û هل تأتي كتاباتك من خلال النص بذاته، ام تتدخل عوامل اخري مثلاً افكارك المسبقة عن الكاتب، او نتاجه السابق؟
ــ عملية النقد عملية متكاملة، يجب الاحاطة بالنص المنقود، تردفها افكاري المسبقة عن الكاتب منشئ النص، حياته، ثقافته، بلده، نتاجاته الاخري، ان كانت له نتاجات اخري، او ان كنت قد اطلعت عليها، لذا انا لااميل الي الراي القاتل القائل، بأنسلاخ النص عن منشئه، البنيويون قالوا بذلك ورولان بارت حادي ركبهم قال بموت المؤلف مبدع النص، اي الغاء اية علاقة بين النص ومنشئه، حال اتمام الكاتب نصه، اذ يصبح عندها من حصة القارئ، وهذا وهم قاتل فهل النص الا جزء مكتوب من الكاتب فيه نزعاته وخلجاته وامانيه وثقافاته وامكاناته و.و.؟ لذا يجب دراسة النص كلاً كاملاً مع مقترباته.

البنيوية والتفكيك
û هل يمكن ان يتطور النقد ويأخذ مسارات اخري، ام تظل قيمته مرهونة بما يمنحه النص المنقود؟
ــ يمكن ان يتطور النقد، ويأخذ مسارات اخري، والدليل علي ذلك هذه النظريات النقدية التي زخر بها القرن العشرون مثل البنيوية والتفكيك، والشكلانيون الروس، الذين وأد تطلعاتهم النقدية، صعود نظرية الواقعية الاشتراكية المسبحة بحمد الحزب الواحد والقائد وكذلك حلقة براغ النقدية و.و. اذن هناك نقدان لانقد واحد، النقد النظري الذي يهتم بالقواعد والاسس والتوجيهات، فضلاً علي النقد الاجرائي التطبيقي، الذي يتخذ من النص ومقترباته مثابة ومرتكزاً.
û مارأيك بالنقاد العراقيين، وما حال النقد العراقي في الوقت الحاضر؟
ــ حركة النقد في العراق شبه راكدة، وغير مواكبة للمنتج الابداعي شأنها شأن المناحي العديدة الراكدة في حياتنا، فالنقد والحركة الثقافية جزء من حركة المجتمع، الذي اضطرب، لابل تمزق بسبب الحروب المتواصلة العابثة والحصار المدمر، ومن ثم الحرب الاهلية التي اتت علي المتبقي في الحياة العراقية فبعد رحيل الرعيل الرائع علي جواد الطاهر وجلال الخياط ورزوق فرج رزوق وعبد المحسن اطيمش وعبد الجبار عباس وعناد غزوان وعبد الجبار داود البصري وعبدالاله احمد وهجرة من هاجر: حاتم محمد الصكر. عبد الله ابراهيم. حسين سرمك حسن وعبد الستار جواد ومحسن جاسم الموسوي وسكوت من سكت ولن اذكر اسماءهم: وانشغال الناقد المهم فاضل ثامر بالامور الادارية، فضلاً علي انشغاله المسبق بالنظرية النقدية، خلت الساحة او كادت الا من اصوات متباعدة، ليس بمكنتها متابعة هذا السيل من المنشورات الابداعية في القصة والرواية والمسرحية، والشعر بقي لدينا: الدكتور شجاع مسلم العاني والدكتور نجم عبد الله كاظم وموسي النصير والدكتور قيس كاظم الجنابي وباقر جاسم محمد وعلي حسن الفواز. فضلاً علي جهود الناقدة الدؤوب والرائعة : بشري موسي صالح والباحثة الناقدة نادية غازي العزاوي، والباحثة الناقدة ناهضة ستار والدكتورة بشري البستاني، وفازت النقدية العراقية بصوت جميل ورائع هو الدكتور سمير الخليل والنقدية الشابة ببشير حاجم.
û هل حدث ان عدت الي تقييم عمل رأيت انك لم تقل فيه مايشبع رغبتك في الاحاطة والتحليل؟
ــ لم يحصل ذلك، اذ انني اضع الكتب المنوي قراءتها والتي ارغب في تناولها نقدياً ضمن النسق حتي ان هناك كتباً اقرؤها بعيداً عن نية تناولها نقدياً فما كل ما اقرؤه، اكتب نقداً عنه اذ اني اطوي كشحاً ان كان لي كشح!! عن الضعيف لان صدورنا ضيقة كأنها تصعد الي السماء غيظاً من كلمة وما انا بحاجة الي وجع رأس فضلاً علي ان هناك نتاجات جيدة لكن لا اجد الومضة او الشحنة التي توقد مرجل النقد ومشغله فاضرب عنها صفحاً واذ اقرأ تكون الي جانبي عدة القراءة: القلم الرصاص،الممحاة،الموسي، ادون ملاحظاتي علي حواشي الكتاب حتي اذا اكملت قراءته، بدأت الكتابة مستعيناً بهذه الهوامش والملاحظات وربما احتجت الي قراءة ثانية وحصل ذلك مرات عديدة ونادرا ما احتاج الي قراءة ثالثة وان كانت قد حصلت حقاً ففي اوقات متباعدة جدا واذ اكتب اترك هذا المكتوب وقتاً قد يطول اسميه مرحلة التخمير اعود فيه الي قراءة ما كتبت حاذفاً ومضيفاً ومتأكداً من معلومة او تأريخ حتي اذا رأيت الموضوع قد استوي علي سوقه يعجب الزراع والقراء، اطلقت سراحه. هل تصدق ان بعض المقالات تتأخر اكثر من سنة؟ لي حديث نقدي مضت عليه اكثر من سنة من دون ان اطلق سراحه اراه بحاجة الي بعض المعلومات والاضافات انه حديث نقدي عن الباحث السوري المهم الدكتور: عمر موسي باشا وكتابه (نظرات جديدة في غفران ابي العلاء) وحتي الان لم انشره وانا اعيد التطلع اليه معيداً النظر في (رسالة الغفران) لابي العلاء راجعاً الي الرسائل المتبادلة بين ابي العلاء المعري وداعي الدعاة الفاطمي التي تولي نشرها الباحث المصري محب الدين الخطيب بالقاهرة عام 1349 هـ، وكذلك اعود الي الكتاب المهم للباحثة نادية غازي العزاوي الموسوم بـ (المغيب والمعلن. قراءات معاصرة في نصوص تراثية). لذلك اعجب اذ استعير كتباً من اصدقاء، فأجد الكتاب نظيفاً كأنه خرج تواً من المطبعة ! لاملاحظة لاتصحيح لخطأ، لاعلامة اعجاب بفقرة او صورة او عبارة. اية قراءة هذه؟ أهي ركضة الضاحية؟ لذا لم يحصل ان عدت الي تقييم عمل ما، فعملي المنشور، يكون قد أخذ حصته في مطبخي النقدي ومر بمرحلة التخمير الضرورية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صابر حجازي يحاور الاديب والشاعر العراقي المغترب أياد البلداوي

 في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها  بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

صابرحجازي يحاورالشَّاعرةِ والاديبةِ والتشكيليَّة اللبنانية “كيتي عقل”

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *