حاتم العقيلي : حكاية قصة مُختلسة

فوجئت قبل أيام بكتاب نقدي  للكاتب د . حسين سرمك حسن عنوانه ” إغماض العينين المميت : دراسات في أدب لؤي حمزة عباس القصصي ” الصادر حديثاً عن دار الينابيع، وهو يتخذ من قصة ” عين كبيرة لامعة ” إنموذجاً لقوله (( ونؤمن أن فهم أي عنوان أو عبارة تمهيدية أو فقرة استهلالية لا يمكن أن يكون متكاملاً وناجزاً إلا بعد الإمساك بـ ” الصورة الكلية ” gestalt التي يوضع بعدها في موضعه ضمن الإطار الكلي.في حين تكون محاولتنا التفسيرية قبل ذلك عبارة عن لعبة احتمالات وتأويلات قد يثبت عكسها في كثير من الأحوال، وإلا فما الذي يوحي به إليك ـ قبل أن تكمل النص ـ عنوان قصة ” عين كبيرة لامعة ” للؤي ذاته من مجموعته ” العبيد ” غير عين مترصدة أو عين أنثى جميلة أو أي احتمالات أخرى تشي بجانب جمالي من نظرة ثرية. وكلها لا صلة لها بالمعنى النفسي الهائل لعين حصان اللوحة اللامعة التي يُسقط عليها الراوي صراعاته التبصصية التي أججتها خساراته الباهضة )) [ د . حسين سرمك حسن / المصدر السابق / ص 16 ]  فدهشني خطابه  وقررت حينها صياغة موضوعي القديم والذي يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عن اختلاس لؤي حمزة عباس لقصة محمد خضير صياغة جديدة مساجلاً هذه المرة الطروحات النفستحليلية التي قالها د . حسين سرمك حسن بخصوص قصة ” عين كبيرة لامعة ” للؤي حمزة وتشريح عين (( الراوي التبصصية التي أججتها خساراته الباهضة. ))  تشريحاً دقيقاً يضمن بآن واحد، موضعة القصة المسروقة ذاتها بمقابل موضعة قصة محمد خضير من جهة، ومساجلة بعض المفاهيم والاستعمالات الاصطلاحية التي اعتمدها د . حسين سرمك في تحليله النقدي للقصة المذكورة من جهة أخرى .  إن الراوي ــ الذي هو قناع فني من أقنعة القاص الكثيرة ــ ومهما كانت الصورة الفنية التي يتمظهر بها، لن يتمكن مطلقاً من إخفاء اثار صراعاته التلصصية على منجز الآخر أو المسطو عليه، فتتسرب آثار التلصص السري ذاته عبر خيط خفي ، مشبوك في وشيجة خيوط  تمويهية أو مناوراتية كثيرة أخرى  . والسؤال المطروح الآن : ماهو الخيط الخفي أو مايسميه هارولد بلوم بـ (( التلميح )) الذي أمسكنا به وشجعنا على الاستمرار في السير ورائه ؟ . للجواب على هذا السؤال، نورد المقـــارنة الأولية التالية:  عين كبيرة لامعة  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   1 ـ (( هل أكلت شيئا ؟ ))  2 ـ (( لا . أنا بحاجة الى النوم . ))  3 ـ (( أنام قرناً كاملاً ولا أفيق . ))  4 ـ (( سأتركك تنام . ))  تقاسيم على وتر الربابة  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ (( أتعشيت ؟ )) 2 ـ (( لا . أنا بحاجة الى النوم. )) 3 ـ (( سأنام اربعة وعشرين يوماً اخرى . )) 4 ـ (( وكان الجندي ينام . )) قد نتفق مؤقتاً مع النظرة القائلة، إن التشابه الكبير بين الحوارين لا يؤكد التماثل بين القصتين، وقد تضيف هذه النظرة قائلة ؛ قد تصلح هذه الطريقة في المقارنة لاستبيان واظهار الاتفاق والاختلاف في الشعر مثلاً .  أما القصة القصيرة فإنها مبنية على حدث وشخصيات وآليات فنية خاصة، وهذا صحيح الى حد ما، بسبب أن خلافنا واتفاقنا مع هذه النظرة لاينطلق فقط من القيمة السلبية التي يجسدها الحوار المنسوخ .  إن ظهور الحوار المنسوخ في نهاية قصة ” عين كبيرة لامعة ” بهذه الكيفية الواضحة والمباشرة، يشبه الى حد كبير ظهور جثة غريق في وسط نهر كبير، فكما يجسد ظهور مثل هذه الجثة وصعودها التدريجي الى سطح النهر وطوافها مع مده المنساب نتيجة برهانية لغرق هذه الجثة وتشبعها بمياه النهر الذي غرقت فيه، يشكل في المقابل ؛ ظهور الحوار المنسوخ وصعوده التدريجي الى سطح هذه القصة نتيجة برهانية كبرى لغرق وتشبع القصة المذكورة بالقصة التي نسخ منها الحوار . ولنثبت خطاطة السيناريو المزدوج أو ( المشترك ) ، الخاص بحركتييّ القصتين المذكورتين ، تمهيداً للخطاطة الترسيمية النهائية التي سنبثتها لاحقاً، ولنتأمل الآن سيناريو الحركة العامة في القصتين وأماد التشابه في تأثيهما الفني ( المشترك ) :   تقاسيم على وتر الربابة  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   1 ـ شخصية عائدة   2 ـ وصف مسرود لطريق عودتها  3 ـ في طريق العودة : خزان ماء / الطريق موحلة / ابواب البيوت  المقفلة .  4 ـ وصف مسرود لطريقة قربها من الدار وطريقة طرقها على  بابها وشباكها . 5 ـ امرأة تستقبل العائد وطفلتان نائمتان . 6 ـ احتضان وشم رائحة جسدية بين رجل وامرأة .  7 ـ دخول الى الدار .  8 ـ وصف مُركز لداخل الدار .  9 ـ غرف الدار .  10 ـ المرآة .  11 ـ الصورة . 12 ـ أسرة / كراسي / طعام . 13 ـ وصف لفم الزوجة، شفتاها واسنانها .  14 ـ جريدة . 15 ـ  إصابة جسدية . 16 ـ حوار عن الطعام والنوم  والإصابة . 17 ـ ينام الجندي .   عين كبيرة لامعة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ شخصية عائدة 2 ـ وصف مسرود لطريق عودتها 3 ـ في طريق العودة : انبوب ماء / المجاري القذرة / ابواب البيوت المواربة . 4 ـ وصف مسرود لطريقة قربها من الدار وطريقة طرقها على بابها وشباكها . 5 ـ رجلان يستقبلان العائد وامرأة راقدة . 6 ـ احتضان وشم رائحة جسدية بين رجلين . 7 ـ دخول الى الدار . 8 ـ وصف مُركز لداخل الدار . 9 ـ غرف الدار . 10 ـ المرآة . 11 ـ الصورة . 12 ـ أسرة / كراسي / طعام . 13 ـ وصف لفم الصديق واسنانه . 14 ـ كتب. 15 ـ ضرب جسدي . 16 ـ حوار عن الطعام والنوم والضرب . 17 ـ ينام الشخص .  يقول هيرمان هيسه في ” تذكاراتي عن نولب  : (( يمكن للأب أن يورث ابنه انفه وعينيه بل وذكاؤه ، لكنه لايورثه روحه فالروح شيئ جديد في كل كائن بشري . )) . واذا كان حقا إن (( كل كاتب يخلق لنفسه أسلافه )) كما يؤكد بورخس، فإن حال وفعل خلق السلف لايعني تشويهاً لروح منجزه السلفي .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.