الرئيسية » نقد » ادب » علي الإمارة : “قرابين” منذر عبد الحر.. الإستبدال واللازمة

علي الإمارة : “قرابين” منذر عبد الحر.. الإستبدال واللازمة

استبدال المعنى باب من ابواب الدخول الى الصورة الشعرية وعنصر مهم من عناصر توليد الشعرية في النص وتحقيق مستوى من مستويات الانزياح عبر زحزحة المعنى المالوف في العلاقات البنائية اللغوية ..
.. فتتشكل عبر رؤية الشاعر لها مظاهر فنية داخل النص الشعري .. أي ان الاحساس الاغترابي النفسي تجاهها تحول الى احساس فني تصويري ، وهذا هو المعادل الموضوعي الذي تتميز به تجربة الشاعر منذر عبد الحر في ديوانه ـ قرابين ـ فضلا عن ظاهرة اللازمة الشعرية المتكررة في القصيدة الواحدة او الممتدة الى اكثر من قصيدة ..
حيث تمثل هذه اللازمة ـ بتكرارها ـ متكا فنيا ومنطلقا الى فضاء اخر في القصيدة بتوليد ذاتي نصي بوصفها حلقة ربط فنية بين اجزاء القصيدة او مقاطعها ، وحتى هذه الظاهرة ـ اللازمة الشعرية المتكررة ـ يمكن ان نحيلها الى المعاناة النفسية ضمن حالة حياتية واحدة وايقاع رتيب لخطى الايام المتشابهة بعقمها وثقلها المكبل لذات الشاعر المتطلعة … وبهذه الاحالة يمكن ان تدخل هذه الظاهرة ـ اللازمة ضمن المعادل الموضوعي بين تجربتي الشاعر الحياتية والفنية ..  أي ان تتساوى او تتعادل كفتا الميزان لصدق التجربتين عند الشاعر ..
فظاهرة الاستبدال الفني تشير الى ان بنية القصيدة بنية فقدان وان الشاعر يحاول ان يرمم العالم المتهدم او المتداعي  بالكلمات لتعويض هذا الفقدان ، وبما ان الشاعر هو الفاقد والمفقود ايضا لذلك فهو يحاول ان يعيد ترتيب العالم باستبدال المعاني المالوفة بمعان شعرية جديدة تنسجم مع العالم البديل المتخيل الذي رآه الشاعر او اوجده بالمنظار اللغوي عبر فضاء الانزياح او الانحراف بالمعنى فعلا شعريا معوضا .
اما ظاهرة اللازمة المتكررة فهي بنية تاكيد واطناب فني لالفات نظر القارئ الى افق لغوي واحد تمر من خلاله الصور الشعرية المكتنزة بالاحداث والشخصيات والزمن .. وتداعيات العالم الاخذ بالفقدان ..
فتلتقي هاتان الظاهرتان الفنيتان ـ الاستبدال والتكرار ـ بهذه النقطة .. نقطة التاكيد على تداعبات العالم ـ فقدانه .
ففي قصيدة ـ هالة التائب ـ المتكونة من 11 مقطعا يبدا كل مقطع منها بمفردة ( التائب ) لازمة شعرية تاتي بداية جملة اسمية يبنى عليها المقطع الشعري وبالتالي تكون لبنة اساسية متكررة في القصيدة بوصفها بنية تاكيد على هذه الصفة ـ التائب ـ المشعة في القصيدة مثل هالة فسميت ـ هالة التائب ..
اما الاستبدال الشعري فنقرؤه في كل المقاطع كصور شعرية متدفقة ففي المقطع الاول يقول :

( مرة نسي عينيه على الطاولة )

اما في المقطع الثاني فياتي الاستبدال متسلسلا :

( وهو ينتظر الطرقات
اخرج من ركام اوراقه فزعا
وانتهى الى هالة
فتحت له عزلة
ورمت عليه انينها )

وفي قصيدة ـ كل شيء على حاله ـ تتكرر اللازمة الشعرية التي هي العنوان نفسه وتبدا باستبدال غزلي :

( دعي خصرك يثرثر
تري بلادا على امتداد ظفيرتك )

واحيانا ياتي الاستبدال اشبه بالرمز وليس انزياحا مثل :

( لفي الخطا بالشراشف
او ( المتلصص على البراعم )

وفي قصيدة ـ انا ايضا احب الفراشات ـ تتكرر مفردة (كدت ) سبع مرات في بداية كل مقطع وتمتد هذه اللازمة الى القصيدة التي تليها ـ فطام ـ لتتكرر  بالعدد نفسه وبداية كل مقطع من المقاطع السبعة ايضا .. علما ان  فعل كاد فعل ماض ناقص يدل نحويا ولغويا على عدم اكتمال الفعل او على المقاربة وان فاعله قد حاول ـ كاد ـ وهذا الفعل يكرس بنية الفقدان في القصيدة ..
واحبانا تكون اللازمة الشعرية اداة نفي ( لا ) او ( ما ) او ( لم ) كما في قصيدة ـ انها ليست سوداء ـحيث تتكرر  هذه اللازمة 23 مرة كما تتكرر فيها لازمة ( انها ليست سوداء ) خمس مرات مع العنوان والخاتمة ، علما ان اداة النفي تفيد عدم حصول الشيء أي فقدانه ..
ويستمر تكرار اللازمات في اغلب قصائد المجموعة كقصيدة –  مثول امام المشاجب ـ
لازمة ( سافترض ) ومثلها لازمة ( سيقولون .. ) في قصيدة ـ عصا المعلم ـ تتكرر تسع مرات وهو تكرار لتاكيد  قول الاخرين الذي يتوزع في عدة اتجاهات عن حياة الشاعر التي تنتهبها الاقاويل .
وهكذا في قصيدة ـ دموع القمر ـ تتكرر لازمة ( من اجل ان لا .. ) وفي قصيدة ـ حتى ادل العصافير عليك ـ لازمة ( كان لي ان .. )
وفي قصيدة ـ اكاسيا ـ لازمة ( لك .. او لك وحدك ) وفي قصيدة ـ ندم ـ لازمة
( بقليل ) وقصيدة ـ عتالو الظهيرة ـ لازمة ( الوحيدة ) وفي قصيدة ـ قتلى معتدلون ـ لازمة  ( لنا ) وفي قصيدة ـ تهم – لازمة ( ان لي ) وغيرها ..
واحيانا تتكرر مفردات في  القصيدة ولكنه تكرار لا اسميه لازمة لانه تكرار داخلي لا يشكل بداية مقطع او منطلقا فنيا او موضوعيا للقصيدة رغم انه يفيد التكريس لحالة شعرية ما ..
كما في قصيدة ـ دعوة للرحيل ـ تتكرر مفردة ( دع ) 17 مرة .
واحيانا نقرا فقدانا صريحا في المعنى وليس في البنية الفنية في قصيدة ـ دعوة للرحيل ـ يشير عنوانها الى هذا الفقدان بقول الشاعر :

( المدن كلها
ضعها في قنينة وارمها في ساقية
انها ليست لك .. )

أي احيانا ياتي على شكل بوح شعري وحس اغترابي دعا اليه الشعور بفقدان المكان وما فيه ..
واحيانا تاتي اللازمة متشظية في القصيدة كما في قصيدة ـ العليل ـ وهي اطول نص في المجموعة لذلك استدعى هذا الطول اكثر من لازمة تتحد فيما بينها لتشكيل اللبنات الاساس في النص مثل لازمة ( هو ) و( هم ) و ( الهم ) و ( معذرة ايتها الارض ) ..
واخيرا ان بنية الاستبدال وبنية التكرار في قصائد ـ قرابين ـ هما اشارتان واضحتان نتلمس فيهما التواشج الفني والنفسي بين صدق التجربة الحياتية وصدق التجربة الفنية لدى الشاعر ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *