حسين عجة: شغف.. أو ولادة الناقد المبتدأ

لا تمنع الصعوبة الاستثنائية في تحديد ماهية النص، عموماً، والنص الأدبي بصورة خاصة من الحديث عنه دون كلل. على العكس من ذلك تماماً : تشكل تلك الصعوبة، من وجهة نظرنا، شرطاً أساسياً، إن لم يكن الشرط الوحيد، لقراءة النصوص، إعادة قراءتها، ومن ثم التشبث بأمل “فهمها”، ومضاعفة الخطوات بغية تبلور رؤية ممكنة عنها، إمكانية تظل مع ذلك محفوفةً دائماً بالمخاطر والسقوط فيما هو مُخيب جوهرياً. فالنصوص الأدبية الإبداعية والنقدية، في المقام الأول وقبل أي شيء آخر، هي بمثابة أرواح أو قوى تخيلية متفردة تعاني من إرهاصات وأزمات لا يمكن العثور على ما يماثلها في مكان آخر. أي أنها ليست براعة احترافية مجردة، تنصب على هذه المادة أو تلك، هذا الموضوع أو ذاك، بغية جعل ما هو “موضوعي”، حالي أو افتراضي، ينبثق ويتفجر كالعين الصافية أمام نظر القارىء. كل قراءة تستبق النص بما تمتلكه من تصورات عن ماهيته ينبغي التعامل معها باعتبارها مبدأ لا بد من التشكيك بصلاحيته. تشبه هذه الصعوبة، في نواحي مختلفة منها، عند هذه النقطة صعوبة الترجمة : ما يُطلق عليه بالنصوص التي لا تترجم، أو التي يفلت بالضرورة جانب من روحها عن فطنة وسيطرة المترجم، مهما كانت عبقريته ودقة أدواته، لا يعني البتة عدم القدرة على نقلها إلى لغة ثانية، ومن ثم الكشف عن مضامينها و”مدلولاتها” المزعومة، لكنها تكمن في مطالبة تلك النصوص ورغبتها الذاتية، كقوى محايثة وضمنية، في عدم الكف والحث دائماً على ترجمتها من جديد، أي مضاعفة قراءاتها وإلى ما لا نهاية. الأمر ذاته ينطبق بحذافيره على قراءة النصوص المكتوبة باللغة الأم. لماذا؟ لا يتولد وضع كهذا عن واقعة أن كل جيل ومرحلة لها قراءتها وذائقتها الخاصتين، اللتين قد تراكمتا بفعل عناصر وأسباب لا يمكن حصرها وحسب؛ فتلك بديهة أو مسلمة، بل وبشكل خاص لأن النصوص، القديمة والمعاصرة منها، إذا ما كانت نصوصاً “حقيقة”، تنتمي “بطبيعتها” لنظام اللامتناهي، أو أنها تتضمن على عنصر جوهري مراوغ يتزحزح، بالقدر الذي تراوغ وتتزحزح فيه القراءة الجديدة لها. كم هي عدد النصوص التي قمنا بقراءتها في الماضي وتوهمنا فهمها، الإحاطة بعوالمها والالتصاق بكينونة شخوصها، وإذا بها بغتة تكشف عن أصقاع وممالك ما كان بمقدورنا لا معرفتها ولا معرفة كيفية تذوقها؟

بيد أن صعوبة التحديد هذه تبقى، بالرغم من أهميتها، التي لا يمكن نكرانها، شيئاً ثانوياً تقريباً مقارنة بالصعوبة الكامنة في النص ذاته. صعوبتان، إذاً : صعوبة تحديد ماهية النص “الأدبي”، النظرية، ومقاومة النص كقوة حالية لكل مغامرة تنظير تحاول الإحاطة به. نزاع، يمكننا القول عنه، بحذر بأنه لا يدع نفسه تتخدر بعقار لذة القراءة وحدها، ولا، من ناحية ثانية، ببراعة الأكاديمي الذي يفصل “الأنواع” عن بعضها ويخضعها لنظام تدرج هرمي، لا يكون في الغالب سوى مسكن وقتي لآفاقها المتنوعةِ : فلذة قراءة النص، في مطلق الأحوال، ما هي إلا أحد آثار النص نفسه، الذي قد يكون مخادعاً، من جانب، والذي يميل إليه، عادة، القارىء الوقور “البرجوازي”، إذا صح التعبير، من الجانب الآخر. أما عملية التأكيد على وجود الأنواع واختلاف بعضها عن البعض الآخر، فهي مخيبة بالرغم من تفنن ومهارة خطابها، ذلك لأنها تختم تصنيفها بما يماثل عمل عالم النباتات التقليدي، الرافض لكل مزاوجة ما بين الأنواع والذي يبقيها على حالها، ضمن قائمة تُرحل نحو المختبرات للقيام ثانية بفحص كل نوع على حدة، لا لشيء سوى الإقرار بوجود تلك الأنواع! يقترب عمل كهذا من عمل فيلسوف “الكينونة” الذي يبقى، مهما كانت قوة وأصالة تأملاته، عند حدود الكينونة ككينونة ، حتى عندما يتحدث ويتناول “الكائن” ككائن في العالم. غير أن هذه قصة أخرى، لا مجال هنا لفحصها أو نزع ألغامها.

لقد عملت مناهج ومدارس عديدة وأشتغل الأفراد الذين أبدعوها بهمة لا يمكن التغافل عنها، بغية تكوين قواعد، رسم ووضع ضوابط وأدوات تحليل، دقيقة أو اعتباطية، وكذلك تثبيت بعض المصطلحات والرموز الضرورية، كشعاع قد ينير العتمة التي تحيط بالنص، وبالتالي أخراجه من انغلاقه، الواقعي أو المُفترض، على نفسه وبقائه ضمن عزلته.

فالأنثروبولوجيا، كما السوسيولوجيا قد بذلتا جهوداً عظيمة، ما قبل منتصف القرن المنصرم، من أجل صياغة ذلك التحديد. بعدها، ومنذ ستينيات ذلك القرن، قدمت البنيوية، السيميولوجية، الإبستمولوجيا، الألسنية، التفكيكية، الظاهراتية وتحاليل علم النفس، إلى جانب السمونتيكية والنقد الذي صب جهده على ما يُطلق عليه “سانتكس” النص لتسهيل قراءة هذا الأخير. (لا تقتصر كل هذه المناهج والمدارس على الغرب وحده وهي ليست حكراً عليه، إذ قد تفوق ضجتها في العالم العربي والعالم الثالث، على صخبها في الأماكن التي انطلقت منها). ومع ذلك، أو بالأحرى بسبب تنوع وتعددية تلك القراءات، فطنتها ورهافة تحاليلها، ظلت النصوص الأدبية “الحقيقية” مغلقة على أسرارها، وكأنها قد استشعرت، بطريقة وأخرى، بالخطر الذي يُهددها، أو على الأقل بغرابة ما يدور من حولها. لذا انكفأت ثانية على كنوزها، بغيرة وشك قد تدفع المرء في النهاية على الاستسلام، رفع الراية البيضاء وطرح أسلحته جانباً : لقد تبين للجميع، أو تقريباً، بأن مقاومة النصوص تتفوق من بعيد على كل مسعى تغويه نجاحاته الأولى بالتوهم بأن ما يطلقه من حولها من أحكام، أو استنتاجات يظن بأنها تشكل الكلمة النهائية والفصل فيما يتعلق بحياتها والطريقة المحيرة التي تعبر بفضلها وتنتقل، ليس من مرحلة إلى أخرى وحسب، بل ومن عصر إلى آخر، من ثقافة إلى ثقافة ثانية. يُسمي الروائي، الشاعر والأيتنلوغ الفرنسي المعروف “ميشيل لايرس” عمليه كهذه بمصارعة الثيران.

وبالرغم من ذلك، وهذا لغز مُحير آخر، لا يمر يوماً تقريباً إلا ويندفع فيه قارىء ما، وسط ملايين القراء، لكي يشحذ فطنته، ينكب بحماس على نص أو نصوص لغيره، يسجل ملاحظاته على الهامش، أو في ورقة معزولة، يعيد ثانية وثالثة ما يقرأه، وأثناء ذلك يغلف روحه أمل عظيم في أن يكون قارئاً “حقيقياً” للنص الذي يختاره. لنسمي قارىء كهذا بالناقد المبتدأ. فكما يقول “رولان بارت” الفارق ما بين القارىء “العادي” والناقد يكمن في أن هذا الأخير لا يدع القلم يسقط من يده أثناء قراءته، فيما لا يعرف القارىء المستهلك، لاسيما قارىء الروايات، سوى وسيلة واحدة : أما الاستمتاع اللحظي بما يقرأ أو يقوم بقذف الكتاب بكل نصوصه في وجه الجدار، أي أنه يتغافل، وربما يحتقر الدور الذي لا يستعاض عنه للقلم. كما أنه يتظاهر وكأن قراءته هي الميكروسكوب الوحيد الذي يلتقط بكتريا النص وفيروساته الخفية. وذلك بالدقة ما يتحاشاه، أو ما ينبغي على الناقد المبتدأ تحاشيه. التخلص من وهم كهذا.

يبدأ الناقد المبتدأ، إذاً، وهو يمسك على قلمه، أي أداة وشعاع العمل، في اللحظة التي يخالطه فيها شعور غريب وغامض بأنه هو نفس قد شرع بالتشكل ككاتب. أو ثمة من حظوظ في أن يكون الأمر كذلك. كل عملية ولادة الناقد الأدبي، القيصرية دائماً، تكمن في هذه النقطة : التحول من قارىء إلى كاتب. التيقن بأن القلم يفكر. ويفكر قبل كل المناهج، التي لا ضير أبداً من خلقها ومضاعفة عطائها، شريطة أن تدع القلم يعمل كقلم : المناهج في خدمة حركة القلم، تردده، توقفه وانطلاقه ثانية، وليس العكس.

تلك هي اللحظة الأولى، أو الظفر الأول وغير المرئي تماماً الذي يدفع بقارئنا “العادي” للخروج من كهف متعة قراءته المعزولة نحو آفاق الكلام والكاتبة عما يقرأ. مغامرة. مجازفة وتهور، لا مناص من المراهنة عليهما. ودون التلفت، كالمصاب بالذعر، من خلفه. وإلا لن يبقى أمامه أي شيء، سيسقط ثانية في غواية الكسل. فراغ الصفحة البيضاء المرعب والمعطل، والذي كان ملارميه قد وصفه باعتباره غفوة المبدع من فوق رماد الخيبة “لا شيء في المكان إلا المكان”. لا صدفة سعيدة ولا مراهنة على رمية النرد، التي ستشكل وتجلب لا مناص رقماً آخر غير الرقم المُتوقع. لكنه بالضرورة الرقم الذي ستشرع انطلاقاً منه تشكل العوالم. المراهنة التي نتحدث عنها، هنا، هي ذلك الحماس الصاخب وغير المفهوم الذي يستولي على الناقد الأدبي المبتدأ، كحماس وغبطة الإنسان الأمي الذي حالفه الحظ في العثور على من يعلمه القراءة والكتابة. كيف يمكن تسمية مراهنة كهذه؟ شغف، أو إدعاء لم يرتكز على أية ركيزة ملموسة بعد، ، مادام أنه لم ينتج نصه هو بالذات. لكن سيكون من الخطأ التعامل مع ذلك الإدعاء وكأنه لا شيء سوى حالة بسيكولوجية عابرة تتولد عند ناقدنا، مُخادعةٌ في بريقها الأول، لكنها مثبطة في سلة ثمارها الأخيرة، كالشعور بالخجل من ذلك الإدعاء، مثلاً. فمن دون إدعاء هكذا، والذي هو في صميمه سر داخلي يقترب من سر ذلك الذي يستولي عليه شعور الحصول على زمن مُستعاد، بعدما فقدَ وضاعت منه أزمنه عديدة ولا حصر لها، لكنها ليست بالأزمنة المتفردة، ولا شأن لها بزمن الإبداع الجوهري، الذي سيمزج جميع تلك الأزمنة في بوتقته الخاصة ويغلفها بقوة فعله. يجب تعميق فكرة الإدعاء هذه : في الحقيقة، يمكن تسمية الإدعاء بالدهشة، لكنها لا تتطابق تماماً مع دهشة الفيلسوف أمام الأشياء والظواهر هي كما هي عليه، بل دهشة التحول الذاتي، أو غرابة الخروج من نير القراءة العفوية والساذجة نحو رحاب الكلام والكتابة، غير المدعومة من البداية وبالضرورة بمعرفة واضحة ومحددة عما يكتب : كل كتابة تَكتبُ من فوق حدود امتزاج المعرفة واللامعرفة، الوعي واللاوعي، غير أن هذا لا يسجنها بالقوة في قمقم الفعل الاعتباطي. هنا، لا بد من القول بأن الناقد، وإن كان مبتدأ، يختلف تماماً عن مفسر النصوص. فهذا الأخير لا يرتكز ولا يواصل عمله إلا بفضل مبدأ واحد : فك طلاسم المعاني المفترضة في النصوص، البحث عن اشتقاق الكلمات، مصادرها أو ينابيعها الأولية؛ عمل بلاغي وأصالي ( جينيولوجي) في آن معاً، وفي المقام الأول. يتمتع هذا العمل، بطبيعة الحال، ضمن حقله الخاص، بأهميته التأويلية التي يكتسب بفضلها صفة المناقبية والبحث وحدهما، لكن هذه الممارسة لن تجعل منه، في مطلق الأحوال، ناقداً أدبياً. ولو مبتدأ. لماذا؟ لأن هذا الأخير لا يكتب ولا يفسر أي نص إلا من أجل أن يكون هو نفسه كاتباً مبدعاً، وليس مُشرفاً على نصوص الغير أو خادماً لها. أن الرأي القائل بضرورة أن يكون النص النقدي في مستوى ينخفض عن مستوى نص المبدع الأصلي كان واحداً من أكثر الآراء التي أساءت بقوة لنوعية العلاقة الجدلية الحبية بينهما، وزيف بالتالي خصوصية نشاط كل منهما في حقله الذاتي. لقد تم تشبيه هذه العلاقة وكأنها علاقة السيد بالعبد. ومن ثم لا بد لها أن تكون مخترقة “بالوجدان الشقي” أو التمزق، كغيرة أو تنافس شخصي يعاني من نتائجها المؤلمة الناقد. وذلك لأنه يسعى، وفقاً لذلك الرأي، للحاق بالكاتب الأول، ومن ثم، شيئاً فشيئاً، يحاول التطابق معه. كلا. لا يسعى الناقد أن يكون كاتباً كالكاتب الأول، ولا يحاكيه بشيء، لكنه يعمل لكي يكون كاتباً من نمط آخر، من طراز ثان، قد لا يعرف الكاتب الأول أي شيء عن طبيعة عمله. مرة كان “ميرلوبونتي” يتحدث عن عمل لكلود سيمون، وإذا بهذا الأخير يحتج على ما ذكره الفيلسوف الفرنسي، قائلاً : “لكني لم أقل هذا الشيء، لم أطرح تلك الفكرة، الخ…”. فما كان من “ميرلوبونتي” سوى الرد عليه بالعبارات التالية : “أنا لا أتحدث عن كلود سيمون الذي يتحدث معي الآن، بل عن سيمون أثناء عمله”. ثمة فارق، إذاً، ما بين المبدع وهو يسعى لشرح عمله، وما بين لحظة انغماره في عمله. الأمر ذاته يمكن قوله بالنسبة للناقد : هناك مسافة ما بين الناقد لحظة تبريره المباشرة لعمله، واللحظة التي يكون منخرطاً فيها لكتابة نصه. كذلك جعلت نظرية اللحاق تلك من كلا العملين، عمل الكاتب المبدع والناقد وكأنها علاقة غائية يستثمر فيها الثاني عمل الأول، لكي يسقط علينا جانبياً تداعيات خطاب أجنبي ينعكس كظل على ظهيرة وشمس الخطاب الأول الساطعة. وذلك ما عمم الرأي السوقي عن وظيفة الناقد، كفرد مرتهن وموظف عند الكاتب المبدع. هنا، لا بد من القول بأنه يتحتم على الناقد المبتدأ التحرر من آثار وجهة نظر النفعية هذه تماماً، كما عليه وبالقدر ذاته التحرر من غروره الشخصي الذي قد يصور له إبداعه الذاتي وكأنه إيحاء سماوي أو لفة عبقرية قد خرجت مسلحة وكاملة العتاد من رأس “جوبيتر”. بدلاً من وجهة نظر النفعية والإلحاق هذه، علينا التأكيد، في الحقيقة، على الطبيعة التشكلية أو التناظرية التي تصف بالدقة ما يجري ويحدث ما بين الناقد والمبدع. فكلاهما يتشكلان في كل يوم، لكن كل واحد منهما ضمن حقل فاعليته المحدد، وهذا معناه بأن الناقد، لاسيما المبتدأ لم يلد من رحم الكاتب المبدع، ولا ينتظر إبداعه كي يكتب، لكنه يتشكل في ذات اللحظة التي يتشكل فيها الأول، وهو يوازيه في نشاطه في آن معاً. بتعبير آخر، لا يمكن للناقد أن يكون غائياً حيال النصوص التي يتحدث ويكتب عنها. لكنه يتحدث ويكتب بالأحرى انطلاقاً منها وحسب، ولا ينتظرها كي يُعقبَ عليها، كما يعمل الصحفي. من هنا مصدر مماثلتنا ما بين الناقد والمترجم. فعند كلاهما لا يمثل النص الأصلي ضرورة وحسب ، بل هو دافعهما وميلهما الأقوى في الكتابة والحديث. لا ناقد مبتدأ ولا مترجم من دون الآخر، الكاتب، أو المبدع. لا فكاك من حبهما له. حب كتاب لكتاب آخرين، يكتبون بطريقة مغايرة، مختلفة تماماً. حب لما هو مغاير ومختلف.

غير أن هذا الحب لا يعكس أبداً حالة عاطفية أو بسيكولوجية، ترغم الناقد أو المترجم على توسل صداقة الكاتب المبدع. كلا. ذلك لأن نوعية الأخذ والعطاء بينهما غير مطروحة في مجال أملس ومخملي، أو يمكن العثور عليها في الطبيعة كما يمكن العثور على الزهور ونبات الفطر. أن عملية الأخذ والعطاء تلك يمكنها، من وجهة نظرنا، الحصول على اسم آخر، إلا وهو المواجهة والتشابك. فقط أن هذه المواجهة وذاك التشابك لا يأخذان ولا يميلان أبداً نحو أشكال عنف عارية أو عدوانية لا مبرر لها. فهي في جوهرها، أي تلك العلاقة، محاولة لتقاسم الملموس، توليد ومضاعفة آفاق العالم؛ العالم المعاش وكذلك عالم الكتابة. بيد أن لا عدوانية تلك العلاقة لا تعني المحايدة، التنازل، غض النظر عما يجري في منطقة الآخر، أو، على العكس من هذا، شطر الملموس بطريقة مجحفة وقطعية ما بين حقلين أو معسكرين : هنا حقل الكتابة الإبداعية الخالصة، فيما يربض هناك حقل الكتابة النقدية المشبوهةِ. كل تشخيص للتشابك بين هاتين الفاعلتين على هذا النحو سيجلب، عاجلاً أو آجلاً، الكارثة عليهما كليهما، وقد يتلقيان ضربته الموجعة في آن معاً. على النقيض من ذلك، من الأجدر فهم ذلك التشابك كونه حثاً أو تحدياً حبياً لا ينتهي، وقد يكون مفارقة، إحراج : حث واستفزاز النص المكتوب “الأول” الناقد على التحول في مراسه إلى مبدع؛ وحث وتحدي الناقد المبتدأ لنفسه أن يكون في مصاف النص الذي يكتب عنه : أن يكون في عمله مبدعاً لنص آخر، لا يكرر ما قاله الأول ولا يشوهه، فالناقد لا يخول نفسه أرغام نص الكاتب على قول ما لم يقله الآخر جزافاً، لكنه يدفعه إلى حدوده القصوى ويوتر كل قواه الداخلية، حداً يخوله هو، الناقد المبتدأ، بالقيام برسم نقطة انطلاقه الخاصة، كولادة جديدة، قد حدثت للتو أمام عينيه المندهشتين. ثمة تاريخ آخر لتشكل النصوص النقدية غير تاريخها الرسمي أو الأكاديمي، تاريخ تكون الدهشة أمام نظر ذلك الذي يكتبها. ومع ذلك، ثمة من أسبقية. مسافة ما بين النص الأصلي والنص النقدي. لا أحد ينوي إلغاء تلك المسافة. فإلغائها يعني بالدقة السقوط ثانية في العدم الأول.

لكن أسبقية كاتب النص على الناقد لا تجعلنا نفكر بأنها بداية مطلقة، تمنع وتجعل من أية بداية غيرها مستحيلة؛ العكس هو الصحيح تماماً : أنها الشرط الفاعل الذي يعمل سرياً من أجل ولادة بداية أخرى جديدة، إن لم يكن بدايات مغايرة ولا عد لها؛ بداية لا علاقة لها بالبداية الأولى سوى لحظة انطلاقها الحالية. أو القادمة، لحد يمكننا القول : تنتظر بداية كاتب النص الأول بداية أخرى، غريبة عنها، لكنها قد تمنحها حظ الشروق ثانية. بداية الناقد. لكن هل يعني هذا بأن نص الكاتب كان ضبابياً، ملتبساً وغامضاً، لكي يأتي الناقد ويغرقه بضوء لم يكن يعرفه، ومن ثم يجعله يشرق ويستعيد شبابه بعد شيخوخته؟ كلا. البتة. لكن لا بد، هنا، من التأكيد على النقطة الأساسية التالية : لا ينطوي النص الأصلي على الوضوح الباهر، الكامل والمحض بحد ذاته، مهما كانت شفافيته ونقاط البرق التي تخترق جسمه، وتلك هي أيضاً قاعدة نص الناقد المبتدأ والمحترف : كلا النصين محاط بطبقات وهالات من الغموض، المفارقة، التعقيد، والضبابية التي تشكل ثرائهما المتفرد. بلغة أخرى، لا يقدم النص الأصلي ولا نص الناقد نفسيهما لا ضمن حالة من العري الناجز والمكشوف، ولا يتغطيان عمداً بأوشحة المُعقدِ، الغامض والضبابي. على النقيض من ذلك، تشكل التعرية والتستر جزءً من طبيعتهما “الفطرية”، والتي لا يمكن الكشف عن أحدهما دون الكشف عن الأخر. فالكاتب المبدع، الشاعر، الروائي، المسرحي، السينمائي، وغيرهم لا يكتبون وهم مخدرون تحت ترياق وشطحات الباهر، المكشوف والجلي منذ ولادته الأولى، فلو كان الأمر كذلك لما ضاعفوا نتاجهم، ولما راودتهم فكرة إعادة تناول العمل ذاته، أو إلحاقه بعمل ثان وثالث. ذلك لأنهم يرون، أكثر من أي واحد غيرهم، ما بقى مخبأ ضمن المكشوف، ما ظل غامضاً في صميم الواضح، وما لم يقولوه ضمن ما قالوه. من هنا أيضاً يشعر المبدعون الكبار، في كل مرة، بنوع من الخيبة ترافق أكثر أعمالهم نجاحاً في نظر الغير. “كنتُ أود القيام بأي شيء سوى العمل الفني”، يقول مارسيل بروست. أو لنصغي لما يقوله صموئيل بيكيت : “لا يهم إذا ما كنت قد ولدت أولاً، إذا كنت قد عشت أولاً، لا يهم إذا كنت قد مت أو أني أموت وحسب ، إذ سأقوم بنفس الشيء الذي قمت به، جاهلاً ما أقوم به، جاهلاً من أنا، وأين أنا، إذا ما كنتُ أنا”. أن جهلاً كهذا لا يمكن تسميته باسم آخر سوى أدراك المبدع، بحدسه الاستثنائي، مواطن الخلل في عمله الأشد تماسكاً. لذا يمكن القول بأنهم هم أنفسهم نقادهم الأوائل. فالروائي الواحد ينطوي على روائي آخر يفحص العمل، والسينمائي الواحد ينطوي مثله على سينمائي آخر ينظر إلى عمله ليس كمخرج للعمل، بل كمشاهد أو مراقب، الخ.. والأمر ذاته يمس الناقد عن قرب : ينطوي كل ناقد على ناقدين؛ الأول يكتب نصه، فيما يتجاوز الآخر المكتوب ويحلم سلفاً بكتابة ما فاته أن يكتبه في الكتابة الأولى. ذلك هو درس التغليف العظيم الذي لا بد من الحصول على كل نتائجه وما ينطوي عليه من قوة. يغلف الكاتب في صميمه ويحتفظ على الناقد، كما يغلف الناقد وينطوي في جوهره على الكاتب المبدع. لأن كلا العمليتين عمليتي مسار طويل وشاق. فكما يتعلم الكاتب، بانتمائه لأحدى مناهج البحث عن الحقيقة، من أخطائه، كبواته، أوهامه، إخفاقاته، ويتخلص، تدريجياً، من الفضلات التي بقيت عالقة بعمله الإبداعي، كذلك يعمل الناقد.

لنشير الآن، باختصار وكثافة، على النقاط المركزية في مسار ولادة الناقد المبتدأ : 1- الخروج من كهف متعة القراءة المعزولة أو المترفة، وذلك بمسكه على القلم، أي الكف عن التفكير بأن نص القراءة مفتوحاً وبلا مقاومة، إذ صار يدرك بأنه يمكن للنصوص تحصين نفسها ضد شهيته التي لا نهاية لها. 2-تَلُوحْ في هذه اللحظة، عند الناقد المبتدأ، آفاق التحول من قارىء إلى كاتب. بداية التشكل. 3-لا بد لمثل هذا الشعور بالتحول أن يكون متلازماً مع نوع من الإدعاء بقدرته، من الآن فصاعداً، على الحديث والكتابة عما يقرأ. ولا يكتفي بالصمت أو اللذة السرية، أي التسليم لرعب وبياض الورق. 4-جعل جميع المناهج التي يمكن أن يكون قد تعرف عليها، بهذه الصورة أو تلك، في خدمة القلم وليس العكس. 5-التحرر بالقدر الممكن من علاقة التبعية أو الإلحاق بالكاتب المبدع، أو أن الناقد لا يكتب إلا ضمن هدف خدمة الآخر. إذ لا سيد ولا عبد، حينما يتعلق الأمر بإبداع النصوص، المكتوبة كفعل حدس مباشر أو أولي عند الكاتب الأول، أو التي يعاد تناولها ودفعها إلى حدود توترها القصوى، وإبراز قواها وممكناتها الضمنية بالنسبة للناقد. 5-الكف عن وهم الوضوح الناجز أو تلألأ النص من فوق حيزه الأملس. كل النصوص، الإبداعية والنقدية تظل محاطة بهالة من الغموض، من التعقيد، من الالتباس والضبابية التي تشكل ثرائها. 6-علاقة الناقد بالمبدع علاقة تناظر أو تشكل، ففي اللحظة التي يولد فيها كاتب، وبصرف النظر عن المنطقة التي يولد فيها، في ذات اللحظة يلد معه ناقده، في منطقة قد تنأى بآلاف الأعوام الضوئية عن المنطقة الأولى. غير أن هذا لا يحرمها من محليتها الجذرية، خبزها وملحها. 7-كما يضاعف المبدع أعماله، ويتابع ذات الفكرة من عمل إلى آخر ضمن ما لا حصر له من الأشكال والأساليب، وذلك لمعرفته بأن عمله ينتمي إلى مسار مفتوح ولا نهائي، كذلك سيفعل ناقدنا المبتدأ، وقد يمكننا القول، بلا محاباة هو منْ يضاعف بطريقة استثنائية النصوص ويخلق منها عوالم لا نهائية. شغف.

شاهد أيضاً

فيسوافا شيمبورسكا..نضال وابداع
ترجمة :مريم لطفي

هي ماريا آنا فيسوافا،ولدت في كرونك في ضواحي مدينة بوزنان البولندية في 2 فبراير 1923،وهي …

الدور الفني لللغة المحكية في أعمال جيمس كيلمان
سكوت هايمس*
ترجمة: صالح الرزوق

ذكر الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكلوفسكي أن “القيمة الفنية لشيء ما، وعلاقتها بالشعر <بالتعارض مع …

سعيد بو خليط : استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة

استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة تقديم : سعيد بوخليط …

تعليق واحد

  1. مدونه رائعه وجهد كبير أحيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *