حميد الربيعي : بنية السرد وتحريكه

ضمن السعي الدائم في البحث عن مقومات السرد في العراق، غالبا ما دعيت إلى ورش عمل بهذا الاشتغال ،والذي أعتقد جازما  إننا في أمس الحاجة لتبيان و لإرساء مدرسة للسرد .
إن محاولة الاشتغال على هذا المجال يجعلنا في رغبة ملحة لأن نتواصل مع الآخرين ، سواء إن كانوا مؤسـسات ثقافية رسمية أومـنتديات مهنـية ، لعل الدراسات الجامعيـة في هذا الإطـار تكون أكـثر شمـولية ، بالإضــــافة إلى مجال البـحث النظــري والتطبيقي ،  للإطلاع على أهـم منجزات السـرد في المدارس النقدية الحديثة ، كالمدرسة الألمانية ، والفرنسية ،وأيضا المدرسة المغاربية.
لقد تبلور لدينا خلال العقدين الأخيرين بعض  الملامح الأساسية لهذا السرد،لاسيما المنتج الروائي المـغترب ؛ والــذي أخذ في آفـاق الانفتاح على الآخـر، بالإضـافة إلـى الــتلاقح الحضاري والثقافي الذي بلوره روائيو المهجر.
مع إننا نقر أن ثمة محاولات جادة في الإرث السردي العراقي ، لاسيما المـحاولات التي بذلها جيل الرواد ، مثل فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري، لكنها بقيت في إطاراتها الضيقة ولم تتبلور مدرسة محددة بهذا الاتجاه ؛ رغم محاولاتها،والتي نزعم بأنها انفتحت على أطر التجارب العالمية لكنها بالمقابل؛ ظلت أسيرة موضوعاتها وأحاديتها في اللغة والمفاهيم.
لاحقها في مرحلة تالية رأينا بعـضا من نماذج التجريب، كما في العقد الستيني ، والذي كان فاضـل العزاوي مميزا فيه . بيد أن هذا التجريب سرى على مجموعة المفاهيم والآراء ، ولم يتداخل بشكل ضمني أو جلي في النسق السردي .
لا ريب بأن نـموذج التجـريب أمتلك ناصية كسر الجمود الذي غـلف المرحلة  السابقة في عالم السرد ، بيـد أن محـاولة كـهذه جاءت مجـتزئة بسبب ردات الفعل السياسي ولم تتغلغل في عمق العملية  الإبداعية.
كانت ” المخـلوقات الجـميلة “لفاضل العزاوي صرخة هـدم لما هو قـائم ، من حيث بلورة التأويل أو اللغة أو اللقطات والتقطيع في السرد ، لكنها لم تأخذ مجـمل العملية السردية في أتون التجريب ، فبقيت الأحداث والشخوص والوشائج  الاجـتماعية كما هي، ولم تبرح عالم الرواد الأوائل.
لقد حاولت في عدة مطالعات أدبية أن أوضح أن النص عالم قائم بذاته ، لا ينبغي الدخول عليه من الخارج وفق معايير مسبقة جاهزة ، أو قراءة المتن على أساس الصح والخطأ .لقد تجاوز عالم السرد الطـريقة التقلـيدية في الكتـابة أو الـنقد وانطـلقت الرواية إلى فضاءات أوسع في المفاهيم  أو الأنساق.
ما يلاحظ  بوضوح أن ثمة إشكاليات ، تكـاد تكون مقــولبة في إطارات جاهزة ، ما زالت ملاصـقة ، وكأنـها من بديهيات الســرد . عمـلية مبارحـتها إلى النقـيض أوالمتطور تـبدو محرمة  ،أو الحق فإن المفردة القرب إلى الدقة هي عدم الخوض بهذا النقيض أو المتطور. ثمة حجر قائم في اللاشعور تجاه هذه الحالة، ذلك إن ما ينتج مبني على ما هو قائم وموجود، مع أن جدلية الحياة تفترض بنا ، وعلينا،  صيرورة متـغيرة، وتلاحـقها الكمي يـقود بالضرورة إلى تطور نوعي.
إن ما نعيه جيدا الآن ، و منذ عقود، في الرواية العالمية إن الشخوص السردية هي نماذج ، بشكل ما، عن الواقع . أي أنها تحيا حياة طبيعية كما هي ؛ تأكل وتشرب وتناقش  ولديها أخطاؤها الحياتية ، كما لها إيجابياتها .
فلا يحتمل في السـرد أن تكون الشخصية نمطية وذات بنيان واحد من أول الحـدث الروائي وحتـى نهايته . في حين يتطلب البناء الدرامي ، الذي تتفاعل فيه الأحداث ، تأـثر الشخوص بهذه الأحداث ومن ثم إعادة تشكيلها إزاء الأحداث الآتية.
نادرا ما نجد في السرد العراقي من يبني على أخطاء شخـوصه ، وكأنها منزهة من هذه الناحية . دائما ما تطرح الشخصية في منتهى النزاهة الفـكرية والسلوك ، وحتى الأناقة.
هذه الصورة لم تعد من يعتد بها حقيقة ، كونها غير عقلانية ، وخارج الحراك
الاجتماعي،  فنحن لا نـطلب شخوصـا من خارج قـاع المـجتمع أو من عليائه ، إن ثمة مسـافة فاصـلة بــين الاثنين ، هذه المســافة الوسـطى هي التي يتحرك فيها أبناء المـدينة أولا ، وأبناء الطـبقة الوسطى ثانيا ؛ كونها عماد الرواية وعالمها الرحب.
الشخصيات النمطية تقود حتما إلى لغة نمطية . أعتقد من الأفضل تسميتها باللغة الخشبية التي غادرها ـلحاؤها ، صـاعدا أو نازلا، فلم تـعد تنـبض بالحياة ، بل في  بعض مفرداتها هي لغة أموات ، أكل علـيها الدهر وشر،.ولم تعد ذات نفع، سواء بإيصال المفاهيم أو الكشف عن مكنونات النفس .لعل لغة كهذه تلبس برداء الشعر تحيلها إلى مظهر لمهرج حتما.
ما الذي يمنع السارد من ينقل لنا حـركة إبطاله بلغة تحمل في شحنتها مفاهيـم عصرها؛؟ العصر الذي يمشي بسرعة ويأكل بسرعة ويحبذ مفردات بسيطة تحمل أفكاره
.
      ما الفرق أن يقال: أنت كعثق النخل ،أو أنت كمثل سنابل قمح؟ .

هذه المفردات تدلل على الجوع وأيضا تدلل على واقع زراعي ، وفي كلا التدلــيل يضيع القارئ بين المخاطب والمخاطب إليه،أيهما الزراعي و أيهما الجائع؟

مثال:مال أبي ليحضنني فشممت عطره.

هنا اللغة محددة في المفردة وفي المعنى وتعطي بعدها  الزمني. بالإضافة إلى إننا نلمس إن المتحدث أبن مدينة، ليس ضروريا أن يضع جوعه وجذره الاجتماعي كمادة متوارية خلف النص.

نمطية الشخصيات واللغة متأتية من نمطية الأفكار التي تفرض  عنوة على الشخوص . ونـمطية الأفكار بهذا المعنى مثل طريق ذو اتجاه واحد، يستحيل الدوران أو العودة فيه ، أي مناقشة للــرأي والرأي الآخر لاـترد أبدا ؛ ذلــك إن بناء الشخصية مضــت بهذا الاتجـاه فلا يحتمل أي محـــادثة ، تحيد عن الهدف الذي يسـعى الثور إليه عـندما تربط عيناه وتحد من رؤياه بما هو أمامه فقط.

ما الفرق ان  قيل : مشيت بخط مستقيم  أو إني أمشي مع تعرجات الطريق للأمام؟

في المــعنى واحد ، لكـن المفردة اختلفــت وأيضا النـظرة تجــاه تداخــلات الحـياة ، بمعنى مدى  مدلولاتها في التصرف والسلوك. أيضا ليس هنالك خطـوط مستقيمة الآن في المدن أو الحياة  وكذلك  لن تجد طريقا ـ في بغداد ـ قد عبد ليبدو مستقيما. في الجملة الأولى يبدو الشخص محنط ، بينما في الثانية أكثر حيوية وأكثر انتباها.
مما يثقل كاهل السرد العراقي، بحيث يجعله يشيخ قبل أوانه ؛ مجموعة الرؤى والترميز، الذي رافقه مراحل طويلة ،والذي حتمت بعض الأوضاع السياسية الملغومة في التاريخ اللجوء لمثـل هكذا أطروحات في إفاضـة الترميز لكل منـاحي الســرد ، بما فيها الجملة الملغومة والمفردة الدالة ، وما رافقها من سلوك لشخوص السرد .
بهكذا حالة فإن الآخر القارئ والبعيد عن تداعيات التاريخ العراقي ، يجـد صعوبة في مواكــبة حثيثات السرد، بالإضافة إلى التذمر وأيضا عدم الـمتعة ، وهذه واحدة من المعضلات الكبرى التي أدت إلى محلية المنتج الثقافي وعدم انتشاره في محيط لغته الجغرافي.
لقد تجسدت هذه الرؤية  في مجموعة مختارة من الرموز، التي لا يألفها القارئ العادي ، وإن كانت جزءا من موروث ثقافي اجتماعي ، لكنها أيضا ذات دلالات لأوضاع سياسية،  مما سحب
كل ما هو اجتماعي وإبداعي إلى ما هو سياسي ، وكأننـا إزاء منشور سري يتداول خفية بين مريديه ، ناهيك عن إيصاله على قارئـه العادي الذي يشغــف بالحكاية ، مما حدا إلى
النفرة ، التي تراكــمت على مـر الزمان وحدثـت القطيعة ، أو شبه قطيعـة بين المثقف و القارىء ،ابن بيئته الذي لم تتجذر فيه الثقافة والوعي .
الترميز في الرؤية ما زال من متطلبات الأنساق السردية ، ويعد إطار أحدى أيقوناته الرئيسية ، والتي يطلق عليها التــأويل في مجـمل العمل أو ما وراء السرد من رؤية
وأفـكار، بمعنى القاعدة الخلفية لمجرى الأحداث المسرودة في النص ومدى ما تطـرحها من أفـكار قريبة من الواقع ، رغم إن هـذه المفردات اتخذت في مدارس السرد الحداثوية  بناءات  أخرى
من خلال انطباق صور الواقع على المخيلة وإعادة صياغتها وفق رؤية اقرب إلى إعادة تكوينها من جديد .
لم يكٍ ثمـة قارئ موجود في داخل النص السردي ، ولا يـعتد بهكذا قيمـة إبداعية  . دائما
ما نقول إن النص منتج نهائي ، والقارئ متفاعل مع إعادة تشـكيل النص ، فهو العنصر
المتبادل للمعرفة مع النص ، على اعتبار انه يكتب له ، وهو القيم على مجموعة
الأفكار الجمالية التي يحتويها . مقدار تذوقه وقبوله لمثل هذه القيم تحتم عليه أن يتداخل في جزئيات الروي ، من جهة القرب أو البعد عن الأحداث ، ومن جــهة التداخل الزمني والتقطـيع ، وكذلك فعالية المـــكان الذي تدور فيه الأحداث ، هذه المفردات من الجزئيات المحسوسة يومـــيا والتي يعايشها القـــــارئ في تواجده الحياتي، و عليها يقيس مــدى انسجام الصورة الذهنية  مع ما يطالعه  اويطمح أليه .
يضاف ذلك طريقة النقل و مـــقدار اجادة المـخيلة  لهــذه المحسوسات ، إن الـنقل الميكانيكي في ما يدعى بالواقعية أو الواقــعية النقدية أوقعت السـرد في مطبات المباشرة وأحيانا المقالة الصحفية .
فلم يــؤرخ في السرد العراقي ، على سبيل المثال ـ لأي مواقع فى بغداد ـ  مع إنها تزخر بالــمئات من الموروثات ، المقصود هنا أرخنة الزمان وتداخـلاته وتشعباته وجعله رافدا في مقومات الشخصية السردية.
من قرأ في نص ما إن صناعة “الكباب العراقي ” غير صحية؟ ، ومن وجد في نص سردي أن الشخصـــية في رواية ما  ترتدي حذاء ماركة كذا…، أو إنه وضع عطرا علامة كذا… ؟
هذه الصـــور حياتية ، والمواطن العادي أرتــادها في حياته اليومية..، وهي جزءا من منظومة العلائق الاجتماعية للمدينة ، قد لا تكون منتشرة في أربعينيات القرن العشرين ، لكن رصدها في الحادي والعشرين ضروريا ، لأن يفهم القارئ ـ الآخرـ أن ثمة تمدن وتطور قد  حصــل، وأن التاريخ لا يراوح  مكانه في العراق كما هو شائع عند أقراننا العرب.

متطلبات الحياة تــــفرض على السرد حثـــيثاتها ما دام الســرد يتحرك في محيط الواقع، الحياة زاخرة بآلاف الصور الصغيرة ، الضرورية ، كيما نعـــطي للشخصية بعـدها اليومي الحياتي ، ونخرج بها من نمــطية الصور الجاهزة  القوالــب إلى أتون العادي ، البسيط، المتداول، الواقعي التصرف والسلوك والمنهج.
(تحت سماء كوبنهاكن) رواية كنموذج تطــــبيقي للرأي الآخر ، مما طرح آنفا مـن أفكار.  ـالصدفة وحدها من وضع هذه الرواية بين يدي أثناء الإعداد لهذه الدراسة ، مع إنني لا أنوي إطـلاقا أن أدون نقدا عنها ، فهذا مجال ثان ، في واقع الأمر ثمة ما يغري بهذه الروايـة  بطرح بعض الاقتباس كشاهد حديث وجديد عن مقالات الهم السردي ، ما يؤهل الرواية إنها حديثة ، إذ هي من إصدارات عام 2010 وإن الكاتبة (حوراء النداوي)  تدخــل عالم السرد أول مرة ، بالإضـــافة إلى تـحررها التام من كل مثقلات السرد المتراكمة ، كونها ذات نشأة أوروبية ، إذ غادرت العـــراق بعمر الست سنوات وتربـــت وترعرعت هناك ، وعلى هذا فهي تعد الأقرب إلى الآخر ذي النظرة الفاحصة للحياة ، ولم تؤرقها النـشأة أو البيئة المحلية .
ما سيرد من أمثلة منتقاة بما يلاءم هذه الدراسـة ، وللرواية أوجه أخرى، أقرب ما تكون لأن يعتد بتفاصيلها الكثيرة الجميلة .
مثال: (الأخ الذي جمـــع عناد كل العراقيين ليحبسه في صدره ، دون أن يصرف منه شيئا ، فقط يدخره ويعيش على فوائده) ص212
تصنيف الآخر بلغة وصـفية كاشفة عن نوعية الأفكار الرائجة في عصرها ، الآخر القادم بعناده إزاء مجريات الحياة الطبــيعية ، بالتأكيد تنبأ عن حالة التأزم السائدة والمتفجرة في الزمن القادم، ولم تؤخذ الشخصية ضمن الموروث التقليدي، باعتباره أخ ، إنما كل شيء قابل للجدل ، و من ضمنها المــسلمات الوراثية ،
جدلية الأفكار تـرد في جملة بالـغة الدلالة  :(أغنية ذات  إيقاع ذكوري، إنها ميراث إدمان قديم ، كيف تكون أغنيتي المفضلة)ص199 . لم تكتف بمناقــشة ما يطرح أمامها ، بل مدت أصبعها إلى منطقة ظلية أكثر عـتمة وذلك بوصف الأغنية بالذكورية، تكاد أن تفضح هذه المفردة مقدرة السارد على الوصول إلى أعماق المسلمات في الحياة وطرحها تحت الضوء، بل إنها زادت حينما شخصت الأغنية بإدمان قديم  ،وهي تعلن بتساؤلها أنى تكون أغنيتها المفضلة ؟ .
عن نفس الأخ تقول : (كيف تسنت له الفرص الكثيرة لكي يشبهني ولم يفعل؟ الأخ الآخر ذلك المختلف الذي شذب عقله بحجر سومري صوان). ص212
نحن إزاء عدة مستجدات في السرد، فهي لم تك تتسآل بقدر ما كانت تسـتنكر سلوك الأخ الذي لم يقبل الاندمـاج في الدنمارك وظل على عناده الآخر، و إن التـشــذيب بحجر سومري يوحي من الدلالة ليس على الهرم الأسطوري بقدر ما مدى الاختلاف في الجذر  الذي يأبى التغير.
ربما الاختلاف المتأتي من تباين القـيم نبع لمثل هذه الآراء ، لكنه في جلية الأمر ( نابع من ازدواج القيم في منزلنا) كما تقول في ص198.
” لقد نزلت أخوته عليَ مثل الصاعقة ، لم يكن بوسعي تلافيها ” . هذا السـرد يقود إلــى مناقشة البديــهيات التي جبلت عليها ، وتخضعها إلى منطق الآخر ، الذي لا يسلم بشيء دون أن يكون له مـوقف  مما يتواجد فيـــه ، ليس الاعتراض عما هو قائـم كصيرورة اجتماعية ، إنما متأت مـن عدم القدرة على التلاؤم ومن ثم محاولة زحزحة الحياة باتجاه الممكن والمقبول من الذات الإنسانية ، كقيمة وجدانية ، ورغبة في التفرد الذاتي .
كمثال لهذه المقولة ترد عبر مصادفة مقصودة ، مفردة أخرى من تلك الشائعة في الحياة على إنها محرمة، وتخرج عن المحاورة :
(أنا ، رغم إنه لم يحدث إن طفت حول الكعبة ، صرت أسير دون انتباه) . كسر القدسية لا يأتي من تداول المحرم ، إنما في ضرب المثال في موضع أبعـــد من المقبول ، السـير دون انتباه يعادل الطوفان حول الكعبة ، لا أعتقد أن المقصود هنا الإ حالة التيه في كلا المثالين ، واللباقة في رفع ألآس عن المحرم وجعله في المتناول.
لنلاحظ موقع كــلمة “العار” في الاقتباس اللاتي : ( يا للعار، أن يعــدم لنا قريـب بتهـــمة الشـــــيوعية فيما نحن نحاول الانتماء إلى الأسلمة ). إن وقع المفردة قد أعطــــى للأفكار الجاهزة والمباشرة مفاهيم أخرى غير السائدة  المتداولة بمثل هكذا أفكار، إذ أن السرد هنا يخرجنا إلى فضاء أرحب بما تمتلكه اللغة من دلالات .
.كسر جمود اللغة وتحــويلها من جملة وصفية إلى مفردات نابــــضة بالحياة وموحية عن حالات الانفعال والتلاقح في الآراء ، تبين مدى أتســــاع الهوة بـين ما كانت عليه وما يرد في السرد الحديث، لاسيما في المنتج الإبداعي، حيث تصير اللغة ناطقة ومحكية عن الوضع النفسي والاجتماعي للحدث الدرامي.
الرواية في ص138 تقرر : (كل الشتائم العربية حتى الصغيرة منها تعد عيبا ،علـــى عكس الدنماركية فإنها لا تعني أكثر من مجرد لفظ) . وإن هي تقرر واقع الفروقات بين اللغتين بيد أن الكاتـبة تهــمز بشكل صـريح على أن المفردة هي لـفظ ولا تحمل أي تأويــلات أو دلائل تاريخية ، كما هو محمل في مجمل المفردة العربية ، بالتأكيد هذا التحمل لا يوضع على كاهل الحرف الداخــــل في منطوق الكلمة ، إنما مـــنبعه في التصور الموروث في الأذهان عن هذه الكلمة أو تلك . وضع الــــيد على هذه الصــــيغة هي تفجير لما اعترى المفردات وإعادتها إلى تشكيلها الأولي .
في ص201 تقول عن اللغة : ( نحن قوم في حالات تحـــــول على مدى العام ). ترد هذه الجملة ضمن فقرة التعليق على المناخ السائد في البلد . اللغة تربـــط ثلاث حالات ضمن مدلول التحول . استــــعمال اللغة بصيغة أكثر ديناميكية فيما يتعلق بوصف طبيعة الناس وأيضا تمازج أو انفلات الحالات مع المــناخ إن كان شتويا باردا أو صيفيا مشمسا ، من هنا يبدو استعمال اللغة أكثر مرونة في التكيف مع الحالات البشرية .
نقول: ( أنا دنماركية عبوسة ، سمجة وقليلة الذوق) . وضــع شخــصية السارد أمام تكوينه الطبيعي ونقل تفاصيل انفعالاته وإنفــلاتاته إزاء الأحداث ، هذه الشفافية في طرح الجملة الوصفية لهي وعاء ناضج إزاء الفهم الإبداعي في السرد الحد اثوي .
بنفس الإطار تقول: ( آن لي أن أستمع إلى الأغاني وأتـفرج من دون محـــــاولة إستــــنطاقها معاني أفترضها مسبقا ).
التقاط حي لحياة يومية يعيشها الإنسان بشكل اعتيادي ، من ضمن متطلبات هذه اليومية وجود الموسيقى والأفلام ، لكن الالتقاط لم يأت اعتباطا ، وساذجا ، بل بنوع من البلورة لأسس حياة جديدة ، تحاول أن تجتاز عتبة الماضي الـمثقل بهم الأطر الموروثة ، عندما تتفرج دون حـكم مسبق، بل بما تطرحه من قيم مضمونة في نصها.
لعل من الصيغ الأكثر بهجة في طرح المباشر ،المهــــــشم لكل الـبنى السابقة ، عندما يرد النص الآتي:( يخيل إلي إن الشرف حالة سماوية ، تطوف فوق رؤوسنا ، دون أن تستقر على الأرض،إمكانية القفز إليها مستحيلة وتفوق قدراتنا كبشر).
هذا التفجير للمفردات بمجموعة القيم وتشظي الأفكار باتجاه الواقع ، كما هو بكل أبعاده الحياتية وليس ما ينقل وفق نمطية محددة ومهددة للمنطق، قد اصبح ضروريا في السرد.
الإنسان العادي والحياة بكل أشكالها،المتنافرة والمتصالحة،والمتناقضة،والمدنية بأزمانها وأماكنها ووشائجها ووسائلها،تعد المادة الأولية للسرد الحدـيث ، ” فالوظيفة الخاصة للأدب  أن يعيد لنا الوعي بالأشــياء التي أصبحت فيه اعتـــــيادية في السلوك اليومي ، أن يمنح الإحساس بالأشياء كما تدرك وليس كما تعرف ، وفي إيجاد الـموضوعات الغــير مألوفة . ”
إن الإدراك غاية جمالية بحد ذاتها، “وتغريب أفعال اللغة عن طريق الإبطاء أو التطويل أو التقطيع يجعل القارئ حاضرا فيها وبذلك يكف عن كون الجملة مدركة تلقائيا، مما يدفعه للتفاعل معها “. على السرد أن يزيل أصـــــــداف العبارات والتقـــاليد الوهمية التي تسوغ الأشياء .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

تعليق واحد

  1. مؤيد داود البصام

    مقال مهمة في التحدث بصراحة عن أزمة السرد في بنية الثقافة العراقية، ويمكنها أن تنسحب على الكثير من الأعمال العربية ايضا، وانا لا اريد الخوض في هذه العجالة للرد على ما جاء فيها من مفاهيم تمس قضايا السرد بشكل عام، ولكني هنا ساقتصر على بعض الجوانب التي جاءت في المقال، أن نمطية الشخصية في الرواية العراقية عموما، في رأي هو بسبب ان اكثر الكتاب يكتبون سيرة ذاتية او مذكرات، وليس سردا روائيا، مبني على فهم للمتن الحكائي والمبنى الحكائي.
     اما في مسألة الرؤى والترميز التي ذكرها، فانا لا اتوافق مع المبدع حميد الربيعي في قوله( صعوبة في مواكبة حيثيات السرد بالاضافة الى التذمر وايضا عدم المتعة) لاننا عندما نأخذ بهذا ، يعني أن نتوقف عن قراءة جويس وكتاب امريكا اللاتينية، والكثير من الاعمال العالمية.  المقال يحتاج الى مناقشة عميقة ، من الصعب مناقشته بهذه العجالة وارجو ان تتاح لي الفرصة لمناقشته او الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.