| د. صالح الرزوق : بالنار / الطاهر بن جلون.

صالح الرزوق

شعر محمد أثناء العودة إلى البيت من المقبرة حيث دفن للتو والده، كأن الحمل الذي حمله تضاعف ثقله. أصبح أحدب وكهلا. يمشي ببطء. مع أنه في منعطف عامه الثلاثين. ولكنه لم يحتفل بعيد ميلاده أبدا. كانت السنوات تمر وكلها متشابهة. جوع وحرمان واستسلام غامض يغلف حياته بالحزن والذي مع تقدم الوقت أصبح يبدو له شيئا طبيعيا. ومثل والده لم ينبس بأي شكوى. لم يكن متهتكا ولا حتى متدينا. ولكن وفاة أبيه قلبت حياته وجعلت عاليها سافلها. كان الأكبر وتقع مسؤوليات العائلة الآن على عاتقه. وهي مكونة من ثلاث إخوة وأختين وأم مصابة بداء السكري، ولكنها ليست مقعدة. كان آخر عمل امتهنه محمد هو الصيد، ومثل كثيرين سبقوه لم يجن شيئا، وحاليا يشعر بالقلق من ذلك. وهذا لا علاقة له بحسن الطالع أو قلة الحظ. كان يقول: هو أقرب لمشكلة في العدالة. شيء مرتبط بصدفة شئيمة وهي أنه ولد فقيرا. وهو لن يجلس أمام مباني وزارة المالية ليحتج على البطالة. بعض المتعلمين العاطلين عن العمل سابقا وجدوا عملا، ولكنه لم يكن واحدا منهم. وكان يحمل إجازة في التاريخ ولم يهتم لها أحد. كان بمقدوره أن يعمل بالتعليم، غير أن وزارة التعليم لم تفتح باب التوظيف. بحث في حقيبته المدرسية، وكانت مخبأة في خزانة أغطية السرير، وفرغها من كل الأوراق والوثائق، ومن ضمنها شهادة الدبلوم، وكومها في المغسلة، وقام بحرقها. وراقب ألسنة اللهب تأكل الكلمات، وبالصدفة احترق كل شيء إلا اسمه وتاريخ مولده. بقطعة من الخشب أعاد إشعال النار حتى تحول كل شيء إلى رماد. وتنبهت أمه بالرائحة فأتت مسرعة.
قالت:”هل جننت. هل إحراق الدبلوم سيفيدك بشيء؟ والآن كيف ستتقدم إلى وظيفة التعليم؟ حولت ثلاث سنوات من عمرك إلى دخان”.
دون أي كلمة، جمع الرماد، وألقاه في النفايات، ونظف المغسلة، وغسل يديه. كان هادئا. ولم تكن لديه رغبة بالكلام أو تبرير أفعاله. ما نفع قطعة ورق معلقة ولن تفتح له أبواب أي مكان؟ بقي وجهه دون تعبير. وذكرته أمه بإحضار دوائها. قالت إن الصيدلي جاهز لتقديمها بالدين. لاحقا جلس على مقعد ونظر إلى صف من النمل على الأرض. سأل صبيا عمن يمكنه أن يبيعه سجائر بالمفرق. أشعل سيجارة ودخن ببطء. خبأ النمل حمله وعاد إلى المكان الذي أتى منه. كان قد اتخذ قراره. سيقود عربة والده. وكانت بحالة سيئة. وعليه أن يقوم بتثبيت عجلاتها، وتغيير الخشب المتعفن، ومعايرة الميزان، والاتصال ببوشايب، مورد الخضار والفاكهة. ومن أين سيجد النقود؟. باعت أمه مجوهراتها حينما كان أبوه مريضا، ولم تعد تمتلك شيئا. سمع محمد عن “القرض المحدود”، وفكر به، فقدموا له كدسة كبيرة من الاستمارات ليملأها. وخارت عزيمته بسرعة من الأعمال الورقية. وشعر بالندم لأنه تسرع بحرق الدبلوم. ربح محمد رحلة الى مكة بمسابقة في كلية الفنون والآداب، حيث تلقى تعليمه. كانت هذه ضربة الحظ الوحيدة. ولكنه لم يستفد منها. ماذا يمكنه أن يفعل ببطاقة طائرة؟. فهو لا يرغب بالحج إلى مكة. وفي كل حال لم يكن لديه النقود لتطبيق الطقوس. وأراد أن يحصل على قيمة التذكرة من الخطوط الجوية، ولكن رفضت الشركة. وبقي خيار أمامه، أن يبيعها إلى حاج. وتمكن من بيعها بثلث سعرها. وكان عليه أن يرشو مكتب السياحة والسفر لاستبدال الاسم على البطاقة. وبالمبلغ المتواضع المتبقي قام بإصلاح العربة، وأخيرا أصبح بمقدوره بيع البرتقال والتفاح. وكان محمد يعلم أن بوشايب غير مهذب ويكذب. وطالما أخبره والده بذلك. وادعى الرجل مباشرة أن والد محمد يدين له بالنقود ولم يسدد آخر فاتورتين. ولم يكن عند محمد طريقة للتثبت. وتوجب عليه أن يصالحه لأن بوشايب هو الوحيد الذي يبيع بالدين ويحصل لقاء ذلك على فوائد تبلغ عشرة أو خمس عشرة بالمائة. لم يجادله محمد ودفع له ما يعادل شحنتي برتقال وشحنة تفاح. وطلب منه بعض السلال من أجل الفريز. نحاه بوشايب جانبا وطلب منه بصوت كالفحيح يد أخته الصغيرة. اعتذر محمد أنها تتقدم بدراستها وتجهز نفسها للانتساب إلى الجامعة بعد تقديم الامتحان. قال بوشايب:”كما تعلم وعدني أبوك بها. وأنوي الزواج وتأسيس عائلة. ويمكننا أن نكون شركاء. ولن تجني ما يكفي من عربة فاكهة. المنافسة قوية ولتحتل مكانا جيدا يجب أن تحصل على مباركة الشرطة”.
نظر إليه محمد ومال برأسه إلى الأسفل. وانصرف بصمت. لم يكن فعلا يعرف أين يقف بعربته. كان بعض الباعة يتجولون، آخرون وقفوا بأماكن استراتيجية. وبالعادة قرب تقاطع طريق أو في ساحة للمركبات. وسريعا ما علم أن أفضل الأماكن مشغولة، وقرر أن يتابع مسيره. وأعلن عن تفاحه وبرتقاله بصوت مرتفع، ولكن لم يسمعه أحد بسبب أبواق السيارات. وعندما توقف محمد لدقيقة قرب طاولة بقال، طرده البقال فورا وهو يصيح:”هل أنت مجنون؟ ما مشكلتك؟ أنا أمتلك رخصة، وأدفع الضرائب. كيف سأكسب قوتي إن زرعت نفسك أمامي تماما؟ اذهب. اغرب عن وجهي”.
في آخر يوم له، تجول في الأنحاء فقط، من شارع إلى آخر، وحتى هكذا، تمكن من بيع نصف ما لديه. وأدرك أنه عليه أن يبكر بالنهوض في اليوم التالي إذا أراد موضعا ممتازا قبل وصول غيره.
في العشاء، في تلك الليلة، نظر إلى أخته الصغيرة وتصورها بين ذراعي بوشايب. وشعر بالخزي. بنت صبية وبريئة بين يدي شخص غليظ من هذا النوع. لن يسمح بذلك. بعد العشاء. أخبر أمه أن بوشايب يطلب منه النقود. قالت له:”أبوك لا يحب الديون. وسدد كل شيء حالما استطاع. بوشايب مخادع. وليس بيده أي دليل. انس أمره فحسب. هل تذكرت أن تحضر لي الدواء؟ لم يبق لدي غير حبة واحدة”.
أخرج محمد صندوقا مزدحما بالكتب وعرضه أمام باب البيت للبيع. كتب تاريخ، روايات بأغلفة شعبية، ونسخة بالإنكليزية من “موبي ديك” مغلفة بغلاف من الجلد – وهي هدية كسبها بعد أن حاز أعلى مرتبة في آخر عام من الثانوية في حصة اللغة الإنكليزية. باع ثلاث كتب، وكسب ما يكفي لشراء الدواء. ولكن لم يرغب أحد ب “موبي ديك”. لذلك احتفظ بنسخته. في تلك الليلة، أعاد قراءة بضع صفحات وأدرك أن إنكليزيته مرتبكة قليلا ويعلوها الصدأ. قبل أن يسقط بالنوم، فكر بالجميلة زينب. كان يحبها منذ سنتين. ولكن بلا نقود، ولا عمل، ولا بيت يخصه، يكون الزواج مستحيلا. وكان شقيا. بماذا يعدها وليس بيده شيء يقدمه إليها؟. وحاليا لديه أولويات ملحة، وشعر أن بإمكانه النجاح إن عالج كل مشكلة على حدة. وبمقدور زينب أن تنتظر.  كانت زينب سكرتيرة في عيادة طبيب. وتحب محمد فعلا. وهي ابنة وحيدة لعائلتها ولذلك يمكنهما الزواج والإقامة في بيت والديها. كانت أمها فخورة بها: ولكن كان يصعب عليه الاعتماد على زوجته والإقامة مع أهلها. كان بالعادة يجتمع مع زينب في المقهى. يتكلمان كثيرا، ويتبادلان الطرائف، وغالبا ما ينفجران بالضحك. مر أكثر من ثلاث شهور، منذ أن مارسا الحب. في المرة الأخيرة وفرت ابنة خال زينب شقة متواضعة حينما كانت شريكتها بالمسكن مسافرة.
قالت زينب:”في يوم ما سنصل إلى نهاية هذا النفق. أنا متاكدة، وعندي إحساس مسبق. وعلم مسبق. سيكون لديك عمل جيد، و سأمتنع عن خدمة عيادة الطبيب، ونبدأ مشوار حياتنا. ستثبت لك الأيام ذلك”.
رد:” نعم. في يوم ما. ولكن كما تعلمين لن أصعد على متن واحد من تلك المراكب الخرقاء لأصبح خارجا عن القانون. أنا أعرف خطتك: كندا. نعم، سنذهب كلنا إلى كندا. وسنعيش جميعنا في الجنة. وهذا مقدر ومكتوب. ولكن في نفس الوقت يجب أن أعيل عائلة كبيرة. فأعتني بأمي وأحرص على اختيار موضع جيد لعربتي”.
تناولت زينب يديه وقبلتهما. والتقط هو يديها وفعل المثل.
استيقظ محمد في السادسة. وحاول أن يخفض ضجيجه قدر الإمكان، كي لا يستيقظ أخوته الذين يتقاسم معهم غرفة واحدة. وهم نبيل، عمره عشرون عاما، ويعمل دليلا سياحيا دون رخصة، ولذلك يتورط غالبا مع الشرطة. ونور الدين، عمره ثماني عشرة، وهو طالب في المدرسة الثانوية، ويعمل في مخبز بين مساء الجمعة وحتى صباح الاثنين. وأخيرا ياسين، خمس عشرة، ذكي، كسول، وسيم، متألق روحيا. ووعد أمه أن يصبح مليونيرا ويرافقها برحلة إلى الأهرامات.
اغتسل محمد، ابتلع لقمة خبز، وأخرج العربة. وفي زاوية الشارع الضيق، أوقفه ضابط شرطة.
قال له:”هذه عربة والدك. أين هو؟”.
“ميت”.
“وأنت تعمل بمكانه، كما لو أن شيئا لم يحصل؟”.
“ما المشكلة؟ هل ممنوع كسب لقمة العيش بعمل حلال؟”.
“لا تكن عنيدا. أوراقك”.
قدم محمد للرجل كل الأوراق التي يحملها.
قال له:”لا يوجد ضمان. كيف ذلك؟ لو دهست طفلا من سيدفع؟ أنت؟”.
“منذ متى كان التأمين ضروريا لعربة فاكهة؟ هذه بدعة جديدة”.
أخرج الرجل دفتره وبدأ بتدوين شيء وزاوية عينه على محمد. بعد دقيقة قال:”أنت تتجاهل – وتتظاهر بأنك لا تعلم”.
“أنا لم أرتكب جناية. وأنت من يختلق المشكلة لتمنعني عن العمل”.
“حسنا. يمكنك الانصراف الآن. ولكن فكر بالتأمين. أنا أخبرك بذلك لمصلحتك”.
ثم مد الشرطي يديه الى التفاح والبرتقال وانتقى منها. قضم تفاحة، وقال بفم ممتلئ:”اذهب الآن”.
وجد محمد موضعا جيدا، كان الوقت مبكرا وهادئا. أوقف العربة وانتظر. توقفت سيارة. فتح السائق نافذته وقال له:”كيلو من كل نوع. ولتكن جيدة”. الزبائن الآخرون كانوا أقل تعجلا. غادروا سياراتهم وتلمسوا الفاكهة، وسألوا عن السعر، وساوموا، واشتروا بعض البرتقالات. بعد ساعة وصل بائع متجول آخر ومعه عربة مزينة وفواكه أفضل وجذابة وبينها فواكه غريبة ونادرة وغالية الثمن. وكان لديه زبائنه المنتظمون. بنظرة وحركة سريعة من الرأس أشار الرجل إلى محمد ليغادر موقعه. امتثل دون اعتراض. ومجددا تعين عليه أن يتشرد في الشوارع. كان صباحه طيبا، وقرر أن يبيع أنواعا مختلفة في المرة القادمة. عاد إلى بوشايب من أجل عربته. في تلك الأمسية ورغم أنه مرهق ذهب لمقابلة زينب في بيت والديها. كانا يرتاحان له. وأخبرها عن يومه وتناول معها بعض المعجنات المشوية بالدهن والسكر والقرفة قبل العودة إلى البيت. في نفس الوقت زار أم محمد شرطي بثياب دون أوسمة. وسألها عن محمد ولماذا لا يقابل “الخريجين العاطلين عن العمل” منذ فترة. وردت المرأة الضعيفة بقدر ما تعرف. وترددت أحيانا وهي تفكر. قدم لها الشرطي استدعاء، وبموجبه يجب على ابنها أن يزور مخفر الشرطة في المساء. بدأت تبكي، فهي تعلم أن الشرطة لا تقدم لأحد أخبارا جيدة. وفضلت أن تقول للشرطي:”ابني لا يهتم بالسياسة”. لكنه انصرف دون جواب. حينما قدمت لمحمد الاستدعاء، نظر إليه، ووضعه في جيبه.
قال:”سأذهب حالا. سيستجوبونني. وإن لم أذهب سيأتون ويزداد الوضع سوءا”.
قالت:”ابني، هذه الزيارة رفعت سكر الدم عندي. يمكن أن أؤكد لك. فمي جاف ولا أشعر أنني بحالة مطمئنة”.
رد: “نحن ندفع لهؤلاء البشر لخلق المشاكل لنا. وفي أغلب الاحتمالات يكون الشرطة من العائلات البائسة مثلنا. ولكن كما تعلمين الفقراء لا يحبون بعضهم بعضا”.
في المخفر انتظر محمد على مقعد لفترة طويلة. وبين حين وآخر يقوم ليرى لماذا استدعي. لا أحد يعلم. واشتبه أن الدعوة مقصودة لاستفزازه. وكان قد تلقى مثلها حينما انضم الى مظاهرة قام بها المتعلمون غير العاملين.  جلس بجواره عجوز معدم كما هو واضح. لم ينبس ببنت شفة. وبدا أنه يوشك على السقوط بالنوم. ماذا يوجد لديهم ضده. فهو يسعل ويبصق ومكانه الحقيقي غرفة في مستشفى؟. ابتعد محمد عنه مخافة أن ينتقل عدوى السل له. هناك أيضا امرأة بجلابية. دخنت سيجارة بعد سيجارة وذمت حياتها. قالت:”كنت سعيدة في قريتي. يا إلهي لماذا تزوجت من وضيع هجرني بعد الزواج؟”.
وطلبت من محمد أن يشهد معها. قالت:”أنا بغي. ولا أشعر بالخجل من التصريح بذلك. ولكن سيتبدل كل شيء في يوم قريب. سأثبت لك. أنا متاكدة. لا يمكن لهذا أن يستمر..”.
قرابة منتصف الليل، أشار رجل إلى محمد ليتبعه.
إثبات الهوية.
تحقيق كلاسيكي.
وقد وجد ضابط الشرطة في انقطاع محمد عن زملائه الناشطين مقلقا. سأله إن اتصل به الاسلاميون.
قال:”كلا. وفاة والدي بدلت كل شيء. استلمت عربته، وهي سبيلنا الوحيد للحياة”.
“نعم، أعرف. كم مضى على ذلك”.
“بدأت منذ قليل”.
“أنت تعلم أن زمن المعجزات ولى. هناك من ينجح ويراكم النقود، وهناك آخرون – المغفلون، الخاسرون. وعليك أن تختار”.
واستغرق محمد بعض الوقت ليفهم الصفقة التي اقترحتها الشرطة عليه. أن يكون مخبرا وأن يحتل موقعا مفضلا أو أن يرفض ويودع عمله.
قال له:”فكر بالموضوع جيدا. وغدا أقابلك في ساحة الاستقلال. والآن انصرف إلى البيت”.
وأدرك محمد أنه إذا ظهر في الغد في المكان المتفق عليه يجب أن يقبل باقتراح الشرطي.
في الصباح الباكر توجه بعربته الى منطقة الطبقة العاملة وهي بعيدة عن الساحة الشهيرة. كان سكر أمه قد خرج على السيطرة، وتحتاج لمراجعة الطبيب والحصول على وصفة جديدة. أجرى بعض الحسابات. ولكنه لم يكن يمتلك المال الكافي لهذه النفقات غير المتوقعة. قرر أن يرافقها الى مستشفى حكومي. وذهبت معهما أخته ذات السبعة عشر ربيعا. تركهما محمد عند البوابة وبدأ ببيع بضاعته. وانتبه أن المكان ممتاز. كان زوار المستشفى يشترون الفاكهة للمرضى. وبعد ساعة جاء شرطيان، أحدهما امرأة. وقفا أمامه. قالت:”أوراقك”.
قدمها لهما.
“أنت لست من هذه المحلة. ماذا تفعل هنا؟”.
“أحضرت أمي إلى المستشفى. تعاني من ارتفاع في سكر الدم”.
“باركك الله. من المفيد أن تأتي بها إلى هنا، ولكن سنباركك أكثر لو غادرت بالحال. لن نغرمك الآن بأي قرش، وهذا تحذير لك. لا تقترب ثانية. هل هذا واضح؟”.
“ولكنني هكذا أكسب قوت يومي”.
“أرض الله واسعة”.
أراد محمد أن يرد قائلا إن الله لا يحب الفقراء كما هو واضح، وأن الأرض واسعة فقط لمن لديه إمكانيات. ولكن قال لنفسه “المسألة لا تستحق. وستزيد الأمر سوءا. وقد يعتقلونني بتهمة الكفر”.
ربما لم يكن كافرا، ولكن باعتبار أن الإسلاميين في كل مكان، نأى بنفسه عن الدين. واعتاد والده أن يقول له “مكتوب العذاب على المؤمن، والله يمتحنه. اصبر يا بني”.
تهيأ محمد للانصراف، ولكن توقفت سيارة أمامه. وطلب منه السائق، وكان يبدو متعجلا، أن يكيل له كل فاكهته، وأن يحزمها في سلة كبيرة، وكان يحملها ويمد يده بها. قال:”سأشتري منك كل شيء. اليوم مخصص للاحتفال. فابني نجح بالمدرسة الثانوية. هل تصدق ذلك. وسأرسله للدراسة في أمريكا. نعم يا سيدي. إلى أمريكا. هنا حتى لو درست كل الليل والنهار لن تجد في النهاية عملا. ولكن إن كنت تحمل شهادة أمريكية يوظفونك فورا. أنا بغاية السرور. هو ابني الوحيد. وبناتي لا نفع فيهن – لا يمكنني تزويجهن، لا أحد يرغب بهن… حسنا، أسرع. بسرعة، بسرعة. كم يبلغ وزنها؟. احسب بسرعة. إن أردت يمكن أن أساعدك”. وحمل هاتفه الخليوي وبدأ يحسب ومحمد يملي عليه الأرقام. قال:”حسنا. بلغ الثمن مائتين وثلاثة وخمسين ريالا”. قدم له الرجل ورقة من ثلاثمائة ريال وأضاف:”تستحقها. أنت شاب طيب. هذا واضح من وجهك”.
بدأ محمد يدفع عربته نحو السوق الرئيسي. ولم يود أن يذهب مجددا إلى بوشايب ويدفع نقدا. في خاتمة المطاف نحى عربته وذهب لانتظار زينب أمام مدخل مكتبها. وبالجوار وقف عدد كبير من الشباب المشغولين. وأذهلته السبل الكثيرة التي يجنون بها قوت يومهم، يوجد شباب يغسلون السيارات، وغيرهم يساعدون الشيوخ، أو يصنعون الدمى من علب الصودا، أو يبيعون سجائر أمريكية، ويرسمون البطاقات والخرائط يدويا. أو صور مايكل جاكسون وبين هاربر. وهناك لاعبو أكروبات بثياب حمراء، يؤدون الخدع. ومدربو قرود، وبياعو أقراص مضغوطة مقرصنة لأفلام من كل الأنواع – هندية أمريكية حديثة، أفلام كلاسيكية وإنكليزية وفرنسية، وهناك أيضا حكواتيون مع مكبرات صوت مثبتة على ستراتهم. ولكنه لم يجد حواة الثعابين، وقارئي الحظ، والسحرة، وبقية الغشاشين. ثم فجأة دب الرعب بينهم. بدأ الباعة المتجولون بالجري – وطاردهم شرطة النظام. وتمكن الشرطة من إلقاء القبض على واحد أو اثنين بالقوة – حامل ببغاء وبائع أقراص مضغوطة. تبع ذلك الضرب والإهانة. وكان الببغاء يزعق.  سقطت الأقراص مكسرة على الأرض. وبينها فيلم “سبارتاكوس” بطولة كيرك دوغلاس. وكل ما تبقى من الفيلم غلاف القرص. وألقي ببائعين في شاحنة الشرطة. وشعر محمد بالرغبة بالصراخ، ولكنه فكر بأمه، وبكل عائلته. ابتلع غضبه وقال لنفسه :”يجب أن أذهب لملاقاة زينب”. وسره أن يراها. أخبرها عن يومه وتجنب الكلام، على الأقل، عن هجوم الشرطة على الباعة الجوالين، واقترح أن يأكلا السمك في مطعم معروف قرب المرفأ. وسرعان ما ضحك كلاهما كالأطفال. كانا في مرج رائع في يوم ربيعي.

قال لها:”الشرطة غلبت سبارتاكوس. ودهسته دواليب الشاحنة”.
وعادا إلى البيت مشيا. في طريقهما شاهدا أولاد شوارع يشعلون نارا للتدفئة. طلب أحدهم سيجارة. قال محمد:”أنا لا أدخن. ولكن خذ هذا واشتر شيئا لتأكل”.
كانت شاحنة الشرطة تقترب منهما ببطء. طلبوا من البغايا أوراقهن. ولاحظت زينب أن إحدى البنات دست في جيب الشرطي ورقة مالية. روتين. هكذا تؤول إليه الأمور. ناقشا موضوع زواجهما ثانية.
قال: “علينا أن ننتظر. بدأت العمل للتو. ويجب أن أجني شيئا مهما قبل كل شيء”.
“ماذا تعني؟”.
“لا تقلقي. لن أسرق أحدا. ولكن أود ان أفتح متجرا في السوق. أحد جيراننا مريض. ولديه متجر بمكان متميز في وسط السوق. وسأكون محظوظا إن سمح لي بالعمل فيه. ويمكنني تسديد ثمنه على أقساط. فكرت بالأمر. أولاده لا يريدون متابعة أعماله. فهم مهندسون وفنيون، ولا يعانون من البطالة. هكذا أكون قد وجدت الحل المثالي. وسأكلم الرجل بهذا الشأن”.
قالت زينب:”أنت على حق. ولكنني تعبت من الانتظار. وعلينا أن نجد بيتا. ولو أنه كوخ. حفرة في جدار، خيمة”.
في البيت كان التلفزيون القديم يعرض برنامجا عن الاحتفال بالذكرى الثلاثين لاستلام الرئيس السلطة في الجمهورية. وظهر الرئيس برفقة زوجته وكانت قد زادت بدانة. وكلاهما استخدم أدوات التجميل وارتدى أبهى حلة، ثياب فخمة، أنيقة، وبشعر مسرح تماما، وهيئة متكبرة وابتسامة رضا. تابعتهما الكاميرا في أرجاء القصر في حدائق مشذبة بأشجار مقصوصة ومرشات أوتوماتيكية لسقاية المروج. وكانت زوجة الرئيس تقول:”زوجي يعمل بجد وأجبره على الاستراحة قليلا، والشكر لله أن البلد يتحسن. والشعب ممتن. ونحن نرى تأييدهم يوميا، وهم يعلمون أن البلد يزدهر ويتقدم إلى الأمام”.
صنع الرئيس إشارة بيده، كما لو أنه يلوح لطفل. وترافقت مع هذه الصور موسيقا ناعمة في الخلف، لكنها استفزت أعصاب محمد. كانت أمه نائمة. وأخواته وأخوته يتهيأون للسرير. وعرض ياسين على محمد بطاقة المدرسة. وكانت النتيجة متشابهة تقريبا في كل المواد. وورد فيها ما يلي:” ولد ذكي، وطالب موهوب، ولكنه كسول.  يمكنه أن يتحسن”.  ضحك ياسين وقال:”الدوام يضجرني. وفي كل حال ما الهدف من الدراسة؟ أنت جربت ذلك. درست كالمجنون والنتيجة أنك بلا عمل. والآن تقود عربة الوالد”.
حاول محمد أن يعطي أخاه بعض الأمل، ولكن وجد ذلك صعبا. هناك الكثير من الإجحاف في البلاد، والكثير من اللامساواة والذل.  أخبره ياسين أنه أثناء العودة إلى البيت من المدرسة شاهد رجلا يضربه الشرطة. وكان الرجل يستغيث والناس تقف دون أن يتدخل أحد. قال: “عرفت الرجل. كان حارس البناء الزجاجي – كما تعلم، الموجود على الجهة المقابلة من المحلة. والشاب طرد من عمله ولا أحد يعلم السبب. واليوم سرق دجاجة. شيء بلا معنى. الرجل كان يزعق وكذلك الدجاجة لأنه قبض عليها بقوة”.
في بواكير الصباح التالي غادر محمد لشراء الفاكهة. حرص على تنويع مشترياته في هذه المرة. غادر السوق، وقابل أحد زملائه القدماء من الناشطين، والذي يعمل حاليا في بلدية المدينة. قال له:”ليس لي عمل فعلي هناك. وأتقاسم مكتبي مع أربع موظفين. بعضهم لديه أشغال، ولكن ليس أنا. أشعر بالملل. وعلاوة على ذلك لم يدفعوا لي. مرت ستة شهور. وأعيش بالدين. وأغلب الظن أنهم يوظفون بعض الجامعيين ليخرسوا، لكنهم في الحقيقة ليس لنا مكان بينهم. وماذا عنك؟”.
“كما ترى”.
افترقا بتحية وداع. وبعد عشر دقائق وحينما وقف محمد ينتظر عند إشارة مرور حمراء، اقترب شرطيان بثياب عادية وجراه جانبا.
سأله:”ماذا كنت تقول لزميلك؟”.
“لا شيء”.
فاجأته أول لطمة. صاح فتلقى لكمة على بطنه.
قال له:”توقف عن هذا العبث. هيا، أخبرنا باسم زميلك”.
“نسيت اسمه”.
لطمة أخرى. توقف بعض عابري السبيل. وهددهم أحد الشرطيين قائلا:”انصرفوا. فهو لص. ونحن نربيه لحمايتكم. اتركونا نكمل عملنا”.
صاح محمد:”هذا كذب. ولست لصا”.
ولما شاهدا اقتراب الناس منهم، دفعا العربة وبقي محمد مع فاكهته الملقاة على الأرض. طمأنه الناس، وساعدوه بجمع الفاكهة، ولكن معظم الفريز تلف، وقال بعض الناس:”هذا مقرف. عار علينا. يهاجمون بائعا جوالا فقيرا”.
قال آخر:”يتصرفون كأنهم في أفلام المافيا. هؤلاء القذرون يريدون حصتهم فقط”.
“لا يمكن لهذا أن يستمر. في يوم ما سيكشف الله الحقيقة”.
“الله من طرف الأغنياء”.
وتبع ذلك مجادلة.
“أشرار. خونة. الله مع الجميع. والله في كل مكان”.
وقرر الناس شراء فاكهة محمد كلها للتضامن معه. ولكنه قدم الفريز غير التالف هدية لهم. وفقد الرغبة بالعمل. وشعر بالغثيان.  عاد إلى بيته. ربط العربة وقرر الاستفادة من غيبة أخيه بالنوم والاسترخاء قليلا. وانتابه حلم. رأى والده بثوب أبيض ويناديه لينضم إليه. وقال شيئا، ولم يسمعه محمد. ولم تكن لديه رغبة للانضمام إلى الميت. وفجأة ظهرت أمه وقالت:”لا تستمع لما يطلبه منك. فهو بصحبة الله. وربما في السماء”.
استيقظ محمد قلقا. كان الحلم حقيقيا جدا.
بعد تحسن الأحوال أصبح لدى محمد وزينب هاتف خليوي. فقد اشترى اثنين مستعملين من السوق المركزي. وكلاهما بسيط. دون اشتراك شهري ولكن يعمل بالشحن. أصبح مصير محمد أن يعمل بائعا متجولا. باعتبار أن المواقف الجيدة كانت من نصيب المتعاونين مع الشرطة. ولكنه في أحد الأيام قرر العودة إلى المنطقة المجاورة للمستشفى، حيث البيع والشراء بحال جيد. وسرعان ما جاء شرطيان وبدأا بالدوران حوله.
قال الأول:”هل تحب صوت أم كلثوم؟. نحن نحبه. ولكن لماذا علقت صورة مطربة عجوز ماتت منذ فترة طويلة وليس صورة أحد المطربين المفضلين للرئيس؟ يحفظه ربي ويمنحه المستقبل والسعادة”.
“لم أفكر بذلك. إن أردت يمكنني إزالة هذه الصورة”.
“كلا، اتركها. ولكن أضف إليها صورة يحبها الرئيس ولتكن فوقها، وأن تكون أكبر من صورة أم كلثوم هذه. اتفقنا؟”.
“حسنا”.
انصرف الشرطيان. غطى محمد العرق البارد. لقد لاقى ما يكفي من المشاكل اليومية. اتصل بزينب وأخبرها بالحادث.
قالت:”يريدون أن تيأس. هؤلاء البشر متعفنون. فاسدون للعظم. وأحب أن تقف بوجههم”.
“هل أمامي خيار؟”.
“هل سنتقابل هذا المساء؟”.
“نعم، أراك مساء”.
وجد جريدة قديمة فيها صورة كاملة للرئيس وحاول أن يعلقها على عربته. ولكنها كانت تسقط باستمرار. طوى الصفحة ووضعها تحت إحدى العلب. وقرر أن يعلقها إن ألحوا على صورة الرئيس.
انتظر محمد الزبائن في شارع مزدحم، وقف بائع صحف وقدم له جريدة بلغة عربية. وعلى الصفحة الأولى ما يلي:”فضيحة: عضو في مجلس النواب من حزب الأغلبية ابتز النقود من جامعيين غير موظفين ليسمح لهم بملء استمارات هجرة إلى كندا: 500 ريال من كل شخص. 252 ضحية. ولم تتم إدانته”. سمع محمد بهذه المشكلة وكاد أن يكون واحدا من الضحايا – لو كان لديه ما يكفي من المدخرات لدفع الرسوم. قال له موزع الجرائد :”كما تلاحظ. يمكننا الكتابة عن كل شيء. وإدانة أي شيء. ولكن هذا لا يبدل حالنا. لا يزال ابن الحرام عضوا في المجلس. وحصل على مبلغ كبير من النقود. ولم تتخذ السلطات أي إجراء ضده”.
“كما تعلم، لن يدهشني أن يذبحه يوما ما أحد الضحايا من حنجرته. في النهاية يجب أن تأخذ العدالة بيدك”.
مفاجأة.
توقع محمد أن الشرطة يقومون بجولة، دفع عربته إلى شارع ضيق ليختفي عن الأنظار. بعض القطط كانت تتصارع عند علبة نفايات مقلوبة. وأطفال يلعبون ببواريد بلاستيكية. التقط نفسا عميقا. جلس القرفصاء. ووضع رأسه بين يديه. وشعر بالرغبة في التخلص من كل شيء ليرتاح. ثم فكر بأمه، وشاهد وجه زينب في خياله، وأخوته، وأخواته… فنهض وعاد إلى الشارع الأساسي.  كان محمد يعمل لما ينوف على شهر، ورغم المصاعب التي لا تنتهي والتي واجهها. في أحد الأيام انتابه إحساس سيء. كان يجر عربته إلى الخارج، وسقطت إحدى العجلات. ولم يعلم هل هو حادث أم أنه نتيجة فعل مدبر. فقد تورط بمشكلة مع الجيران الذين لم يوافقوا على انتقاد النظام. وفي يوم ما قال له زوج جارته:”إن تابعت الكلام ضد الحكومة، ستجلب لنا المشاكل. لماذا تريد إفساد كل شيء؟ أنت شيوعي، أليس كذلك؟. الأفضل أن تهدئ نفسك، لأنه في هذا البلد، إذا اعتقلت الشرطة شخصا لن تعلم بأي شكل أو هيئة يمكن أن يعود”.
“أعلم – أنت أيضا تنتقد الحكومة”.
“لا، أنا أتكلم عن حقائق فقط. وحياتي سعيدة وأنا سعيد”. ثم بدأ يصيح بأعلى صوته قائلا:”ليحيا الرئيس. لتحيا السيدة الأولى”.
وبدأ محمد بتعديل العجلة المكسورة. وقف الأولاد حوله ليساعدوه. وأصبحت العربة بأحسن حال سريعا، ثم غادر. في أول تقاطع طريق أوقفه شرطي.
سأله:”إلى أين هكذا؟”.
“إلى العمل”.
“أين الأذن بالعمل؟”.
“أنت تعلم أنه غير موجود”.
“نعم أعلم. ولكن يمكن أن يوجد”.
وتظاهر محمد أنه لم يفهم.
قال الشرطي:” هذا ليس في مصلحتك. وموقفك سيكلفك الكثير. نلتقي لاحقا”.
غادر محمد دون أن يلتفت. وانضم إلى موكب جنازة. هناك العديد من الناس. وما يدعو للغرابة أن بعضهم حمل العلم الوطني.
سأل محمد عن الميت. قالوا: “شاب مسكين مثلك ومثلي. ولا أحد يعلم كيف توفي بالضبط. اعتقل في الأسبوع الماضي بتهمة لها علاقة بالانترنت، وأمس وجده أهله جثة ملقاة أمام باب بيتهم”.
“هل قتلته الشرطة؟”.
قال الرجل بصوت منخفض: “يبدو ذلك. ولكن لا يوجد دليل. كان شابا نظيفا، يعمل في مقهى، وفي المساء يلعب بالانترنت”.
تبع محمد الجنازة وهو يدفع عربته. ولاحظ أن الشرطة بالثياب المدنية يلتقطون الصور. بعد الدفن غادر إلى السوق. كان الحال وحشيا. ولم يجد الوقت لينهض. ألقا على الأرض ضابطان بثياب رسمية، رجل وامرأة، وحجزا عربته.
قال الضابط:”محجوزة. ليس لديك الحق بالبيع دون إذن. ليس معك أوراق رخصة ولا وثائق. لم تدفع الضريبة. أنت تسرق من الدولة. انتهى أمرك. عربتك محجوزة”.
قالت الضابطة المرأة:”والآن انصرف. وسنستدعيك للمثول أمام المحكمة. اذهب إلى الجحيم”.
لم يتحرك محمد من مكانه. فالضابط الآخر تابع ركله. وتوقف عابرو السبيل للمشاهدة. اعترض بعضهم. وهددهم الشرطي. جاءت سيارة جيب، وخرج منها ضابط. بعد أن شرح له الشرطي الموقف، عاد إلى الجيب واختفى. وصلت شاحنة الشرطة. وخرج منها شرطة آخرون جمعوا الفاكهة التي سقطت من العربة. وقضم أحدهم تفاحة انتقاها. لم يتكلم محمد، كان ضعيفا. وتجول في الشوارع. مذهولا مما جرى وعاجزا عن التفكير. ودون أن ينتبه حملته قدماه إلى بلدية المدينة. وطلب أن يقابل المحافظ. رسم موظف الاستقبال دوائر سريعة على صدغه بالسبابة كأنه يقول عن محمد إنه مجنون.
وقال له:”هل تعتقد أن رؤية المحافظ بسيطة”.
“لم لا؟ أنا بحاجة للكلام معه”.
“من تظن نفسك؟ هل أنت غني؟ مهم؟ اخرج من هنا ودعني أشرب الشاي بسلام”.
أصر محمد. قال:”ربما نواب المحافظ…”.
“الجميع في الخارج، الحاكم يفتتح مسجدا”.
“غدا إذا؟”
“سأعطيك نصيحة: انس”.
“حسنا. قبل أن أنصرف لماذا أريد أن أكلم المحافظ”.
“لماذا؟”.
“الشرطة حجزت شيئا أحتاجه لأجني لقمة عيشي. العربة التي أبيع عليها الفاكهة. هي كل حياتي”.
“وتعتقد أن المحافظ سيلغي أمر الشرطة لجمال عينيك؟”.
“لأجل تحقيق العدالة”.
“حسنا، هل لك ميزة خاصة. من أين أنت؟”.
وخفض الرجل صوته وسأله:”أين رأيت عدالة في هذا البلد؟”. ثم غادر لحظة وعاد مسلحا بهراوة. وقال:”الآن انقلع. وإلا سأحطم وجهك الجميل”.
توقف محمد عن الإلحاح. في تلك الأمسية التقى بزينب. واقترحت أن ترافقه إلى البلدية. وكان لديها فكرة أخرى.
قالت:”ما رأيك أن نذهب مباشرة إلى قائد الشرطة؟”.
“لم لا؟”.
ورافقها إلى قيادة الشرطة.
لم يسمع أحد من الضباط هناك بمشكلة محمد. قالت زينب لأحدهم:”حسنا، يسعنا الآن تقديم شكوى بالسرقة”.
“ستطلبين معاقبة الشرطة. أين تعيشين؟ في السويد؟”.
سألها الضابط مع ابتسامة شريرة.
“نريد استرداد حقنا”.
“أفهمك. قدمي لي بطاقتك لأنسخ صورة عنها. وسأتصل بك لو وصلتنا أخبار”.
لم تثق زينب به. ورفضت. وانصرفت مع محمد وجرته من ذراعه.
سارا في الشوارع لفترة طويلة، وأيديهما متشابكة أو ذراع أحدهما حول خصر الآخر. وقفت بجانبهما سيارة. شرطة بثياب عادية.
قال شرطي:”اوراقكما.. غير متزوجين. لا يجوز التنزه بشوارع مهجورة في هذا الوقت من الليل”.
لاطفت زينب الشرطي وتوسلت إليه أن لا يحجزهما.
قالت:”والدي متوحش. اسمح لنا بالانصراف من فضلك. سنعود إلى البيت. لم نقترف خطأ”.
“حسنا، تابعا. أنتما طليقان اليوم”.
وعادا إلى البيت. عانى محمد في الليل من القلق. ولم يخبر أمه بما حصل. الإجهاد يرفع ضغط السكر لديها كما أخبره والده. في وقت مبكر من اليوم التالي اغتسل محمد ثم لأول مرة بعد وفاة أبيه قرر أن يصلي. ارتدى ثيابا بيضاء. كانت أمه نائمة. دون أن يوقظها قبل جبينها. ونظر إلى أخوته وأخواته النائمين. ثم هرب من البيت. استعار دراجة أخيه، وتوقف في محطة بنزين، وملأ قارورة ماء بلاستيكية بالبنزين. وضع القارورة في كيس صغير وذهب إلى البلدية. وهناك طلب مقابلة موظف مسؤول. لم يرغب أحد برؤيته. عاد إلى المكان الذي احتجزت فيه الشرطة عربته. كانا هناك أيضا. وكانت العربة بالجوار. فارغة. اقترب منهما محمد وطالب بعربته. ضربه الشرطي بقوة وصاح:”أيها الجرذ الحقير. انقلع قبل أن أضربك وأنسف أمعاءك”.
تعب محمد من الدفاع عن نفسه. وفي هذه المرة ضربته الشرطية بدورها على وجهه.
قالت:”أيها الحشرة. أنت تفسد إفطارنا. ليس لديك أخلاق. أنت نكرة”.
استلقى محمد على طوله. لم يتكلم، ولم يتحرك. سكن وجهه، واحمرت عيناه. وتوتر فكه. وأوشك شيء في داخله على الانفجار. واستمر هكذا لعدة لحظات كانت بالنسبة له مثل الأبدية. قال له الشرطي:”اذهب، وانصرف. عربتك – لن تراها مجددا. انتهت. أنت لا تحترمنا، ولهذا السبب ستدفع الثمن في هذا البلد المفدى”.
جف فم محمد. أصبح لعابه مرا. واختنقت أنفاسه. فكر لو عندي مسدس لأفرغته في هذين القذرين. ولكن لا أحمل مسدسا. مع ذلك عندي جسمي. وحياتي. حياتي التافهة. وهذا هو سلاحي.
وقف محمد وابتعد عنهما. أقلع بالدراجة وذهب إلى البلدية. ربط الدراجة بعمود وطلب ثانية مقابلة المحافظ أو أحد معاونيه. غضب رجل الاستقبال أكثر من المرة السابقة. فكر محمد بعد أن غادر بعلبة البنزين التي يحملها في الكيس الصغير. رتب ثيابه البيضاء، وسار حول الساحة. لم يشاهده أحد. كان صباحا مشمسا من شهر كانون الأول. السابع عشر من كانون الأول. تسابق تيار من الأفكار المضطربة في رأسه: أمه في السرير، أبوه في التابوت. وهو في كلية الآداب والفنون وزينب تبتسم حانقة. زينب تتوسل أن لا يخطئ. تغادر أمه السرير وتناديه. وجه المرأة التي لطمته قبل فترة وكررت فعلتها ثانية. انحنى جسمه كأنه يقدم نفسه للجلاد. السماء زرقاء. شجرة عملاقة تحميه. وهو في أحضان زينب تحت الشجرة. في طفولته. يجري كي لا يتأخر على المدرسة. أثنى عليه أستاذ اللغة الفرنسية. أدى امتحانات الجامعة. وأبرز شهادته لوالديه. شهادته معلقة بجوار كلمة “لا يعمل”. ظهر والده أيضا. صياح. عصافير. الرئيس وزوجته يضعان نظارات سوداء كبيرة. المرأة التي لطمته. الآخر الذي أهانه. سرب عصافير تعبر السماء. سبارتاكوس. نافورة عامة. أمه وأختاه واقفات بالطابور من أجل الماء. الشرطة تعتدي عليه مجددا. إهانات. صفعات. إهانات، صفعات..
سأل محمد ثاني. وطلب لقاء المحافظ. رفض وإهانات. ضربه رجل الاستقبال بالهراوة فسقط على الأرض. نهض بصمت ووقف أمام المدخل الرئيسي.
حمل قارورة البنزين من الكيس، وسكبها على نفسه من الرأس إلى القدم. فرغت القارورة. أشعل ولاعة بيك. نظر لحظة إلى لهيبها. وقربه من ثيابه.  واشتعلت النار فورا. بغضون دقائق هرع الناس نحوه. صاح رجل الاستقبال. وحاول إطفاء النار بسترته. ولكن تحول محمد إلى شعلة نارية. وصلت الإسعاف. كانت النار قد أخمدت. ولكن محمد فقد هيئة البشر. كان أسود تماما مثل خروف مشوي. كان رجل الاستقبال يصيح:”كله خطأي. كان يجب أن أساعده”.
أصبح محمد في المستشفى. التف كل جسمه بالضمادات كأنه في كفن. دخل بغيبوبة. جماعة في الممرات. أطباء بمعاطف طبية وممرضات تسرعن في الممر إلى غرفة محمد. جاء الرئيس. سأل الرئيس عن مصير محمد. لم يكن مسرورا. وسمع عن المحافظ الذي رفض رؤية محمد. وطلب تنحيته. كان غاضبا. ووجد أن الصحافة الدولية غطت الخبر. جماعة أطباء تبعوا الرئيس إلى غرفة المستشفى. حركات مكشوفة وسخيفة. كل البلد دخل في ثورة. وقادت زينب مظاهرة وشعرها مربوط إلى الخلف. قبضتها مرفوعة إلى أعلى وتصيح وتصرخ. مات محمد يوم 4 كانون الثاني 2011. انطلقت المظاهرات في كل مكان. صيحات تقول “كلنا محمد”.
غادر الرئيس البلاد مثل لص. واختفت طائرته في سماء مشرقة بالنجوم، المزيد من الاضطرابات. صور لمحمد في كل مكان. ضحية ورمز. أسرعت الصحافة العالمية إلى البلد لتقابل عائلته. وجاء منتج أفلام لرؤيتهم. قدم للأم الباكية ظرفا وقال:”من فضلك اقبليه كمساعدة. ليس كثيرا. يا له من مصير قاس وظالم”.
انحنى وهمس بأذن المرأة الباكية:”من الضروري أن لا تتكلمي مع غيري. ولا تقدمي أي لقاءات للصحافة. سأساعدك. وسأروي حكاية محمد. وكل العالم سيسمع بما حصل. محمد بطل، ضحية، شهيد. هل اتفقنا؟ لن تكلمي غيري. سأنصرف الآن وإن احتجت لأي شيء هذه هي بطاقتي. وهذا هاتف خليوي لتتصلي بي”.
لم تفهم الأم شيئا مما قاله الرجل. ولكن فهمت بنتاها قالتا لها:”هذا الشاب يريد شراء موت أخينا لينتفع منه. يا له من كابوس. كابوس فظيع. حكاية محمد لا تخص أحدا. هي حكاية شاب بسيط مثل ملايين الشباب ولكنه تعرض للإهانة والذل وحرم من حقه بالحياة وأصبح شرارة أحرقت العالم. لا أحد يمكنه أن يسرق منه موته”.

الترجمة عن الفرنسية: ريتا س. نظامي Rita S. Nezami  2018

الطاهر بن جلون: كاتب فرنسي من أصول مغربية. من أهم أعماله: طفل الرمال، تلك العتمة الباهرة، صلاة الغائب، ليلة القدر، نزل المساكين، أن ترحل، حين تترنح ذاكرة أمي….

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعيد بوخليط : غاستون باشلار : نيتشه شاعر الأعالي والمرتفعات.

قد تبدو مسألة دراسة خيال مفكر مثل نيتشه،كما لو أنها عدم معرفة بالدلالة العميقة لنظريته.ذلك …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. صالح الرزوق : حاسانلي (1-2) / عبدالرزاق قرنح .

هناك قصة حول مرآه أول مرة. في الحقيقة أكثر من قصة واحدة، ولكن هذه القصص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *