| اسماعيل ابراهيم عبد : حسن عبد راضي وعورة الجملة , وعورة الكون .

لعل الشاعر حسن عبد راضي رضي ان يأخذ دور الشاعر المحتفي بحال القيم , ولعل هذه القيم تتراكم كمّاً ومعرفة وأخلاقاً عبر قوة واحدة هي (الجملة الشعرية) , وتتماهى مع الفلسفة المنتقاة عبر (الهوة الكونية) , وهما معاً يرسمان عالمه

اسماعيل ابراهيم عبد

المتخيل للفضيلة الجمالية . لنتابع .

أولاً : شعرية الجملة  

بتعدد الجمل النموذج تصبح اللغة حاملاً قيميّاً ـ الى حد ما , إذ ان الجملة نواة الفقرة اللغوية , مقيّدة بنمط من الصوغ البياني , لا تمتلك حدوداً لما بين الإفاضة والإيجاز . 

أن الجملة هذه بدء الشكل والمعنى والتوصيل والتواصل الإشاري والحركي الانتقالي , هي القيمة الجمالية المهمة , ضمن القيم الأُسـلوبية , ومن جودة العمل ان يلجأ الشاعر الى جعل الجملة مشحونة بالصور الحاوية لمكونات الفضاء الشعري المادي وزمانه الكوني.

اننا نعتقد بان جملة الشاعر د. حسن عبد راضي تتنوع بحسب المتجهات الآتية :       

أ ـ الجمل النموذج

ثمة جمل تحيل الى تعدد دلالي يشغل تفكير وعاطفة المتلقي مثلما في القصيدة الاشكالية (أُغنيةٌ لكِ وللسنونو) , إذ يقول :

[لا تسكبي سِفراً على أصقاع خارطتي

ولا تدّعي السنونو

وضعي على جرحي بياض يمامتين

ضعي دمىً

بأكف اطفالي](1).

يمكننا تقصي الجمل النموذج على التوالي الآتي :

ـ لا تسكبي سِفراً على أصقاع خارطتي : تحيل الى :

ــ لا جدوى المعرفة , وان الخارطة الإنسانية مجردة من الأمل , وأن أي ثقافة هي أسفار لا أرض ولا خرائط ستضمها.

ـ ولا تدّعي السنونو : تعطينا صوراً ومعاني متعددة , كصورة الهجرة الموسمية للبشر المحاذية لهجرة السنونو الموسمية , وصورة اللمعان الكاذب للمظاهر المقاربة للمعان ألوان السنونو , التي تبهر لكنها لا تلغي جوعاً ولا تروي عطشاً ولا تزيد من قيمة الممتلكات لدى من تسكن السنونو بيته , فضلاً عن أن أي فتاة هي سنونو متغيرة المكان والمزاج , بما يوحي بالخداع الذي يوسم سلوك الوجد بين المكان والسكان والنساء السنونوات!.

ـ وضعي على جرحي بياض يمامتين : لعل الشاعر يريد ان يضعنا أمام رغبة في التحرر من سواد السنونو , فيبدلها بيمامتين , وفي هذه الصورة عتمة جامحة مصدرها تيبس الجرح على ضمادين , ضماد الخير المفقود , وضماد الصدق المفقود , وبذلك يتصل بمعنى مغاير تصير دلالته الجديدة (الجرح الذي يسببه جمال اللون ومنفعة الضماد هو قوة قلب يرى الرجالَ يمامة والنساءَ يمامة , يرى بهاءهما جلالاً للنوايا وحُسناً للطوايا وفواحاً لطيب النفوس والطبيعة.

ـ ضعي دمىً بأكف اطفالي : ان من فائض الدلالة هنا , ان الشاعر يوجهنا لأن نعي :

ان (الحبيبة , الأرض , الوطن) , هم من يصنعوا فرحة الأطفال , وهم من يرعى صحة كفوف أبدانهم المتمتعة بملمس الدمى , وان من تضع سعادة الأطفال بالأكف هي حبيبتنا جميعاً , مدينتنا جميعاً , بغدادنا الأزلية!.  

* أعتقد ان القارئ الكريم يدرك الآن هذا النموذج من الجمل الشعرية التي توائم بين المادي والمعنوي , والموجز والكوني!.

ب ـ تكافؤ قوى التسويغ

من المعروف أن أي نشاط بشري يود الحصول على مكانة برتبة تقارب طموحه مادياً أو معنوياً أو كلاهما , والشاعر د. حسن عبد راضي , في المقاطع الآتية سيؤلف منظومة تسويغ نموذجه الشعري بطريقة التكافؤ المتساوق بين طموحه المادي (الاعلام) , وطموحه المعنوي (الفضيلة الثقافية) , مثلما في :

[لا تُمْعِني في كيمياء فجيعة الغرباء

لم يجدوا بلاداً في مواطنهم

وقد غفتْ البلاد

الأرض أضيق من حقيقتها

وأنتِ بعيدة في ياسمين الخوف

والطرقات يأكل بعضُها بعضّاً] ـ طقوس موت الأشياء , ص15

في هذه المقاطع عفوية وبساطة ممتدة بين مشاعر الشاعر الذاتية ومشاغل التيه الإنساني المضلل , وهو بذلك يقيم منظومة خماسية من /

((الغرباء = العِلم المؤذي , البلاد = لا وطن , اللا وطن = غفوة الشعور , الأرض = الضيق , الياسمين = الخوف)) .

ولهذه المنظومة غرض أعلى من بساطة اللغة وحميمية التوطن , إذ يُراد لها ان تستقطب مبرراً يسوّغ ويسوّق بيئة التيه ,عبر /

ـ ياسمين الخوف يجمع بين أبعاد اللذة وقيامة الفتنة ورهاب الألم .

ـ الطرقات هي المضيعة الكبرى كونها تساوي بين أجزاء المنظومة الخماسية , وتجعل لكل منها وظيفتين / الاشهار الاعلامي , والاحتجاج الثقافي.

ـ الاشهار والاحتجاج يتعاضدان معاً , لأجل تبيان موقف ثقافي موحد تجاه المخفي من عوامل النكوص الإنساني لعصر الرهاب والخوف. 

ـ اكتمال منظومة التكوين الشعري والتحامها مع فعلي الاشهار والاحتجاج , يؤدي الى نمط جديد من الايقونات (مشحونة الصور , وجدية المكان) , عبر جملة تنحاز لهذا الايجاز كما في المحور (ج) القادم.

ج ـ الجمل الايقونات

انني في أي متابعة لي , أبحث ـ في البدء ـ عن الجملة الايقونة , التي تماهي ما بين المادي والمعنوي والقيمي , وأرى ان مثل هذه الجمل تمثل نشاطاً شخصياً لواضعها , وتشكل بصمتّهُ الخاصة , وفي المقطع القادم سنثبت خمسّ جملٍ بهذا الشأن :                  

[ان زروعنا قد أثمرت حجرا

حسبنا انه عنبٌ وتينُ

الموت يزحف كالجراد على أزقتنا

ويهدم ما بنينا

في الطفولات السحيقة…

وفي الدروب

يحمل قلبَ ذئب

في حقيبته

ويلبس وجه حاكم

والموتُ يأتي في شرايين المدينة

في الخواء وفي الدواء

يزور أي فم يشاء

ويصطفي خرز المواسمْ] ـ طقوس موت الاشياء , ص14

….

لنتصفح الجدول أدناه فسيوجز الفهم بطريقة مناسبة

 

الجملة الرديف الإيقوني الدلالة القيمية
زروعنا أثمرت حجرا حسبناه عنباً وتيناً خيبة المواطن من عافية الوطن 
الموت يزحف كالجراد ويهدم ما بنينا لا جدوى الفعل الفردي
الموت ـ ينتشر ـ في الدروب يحمل قلب ذئب وحشية الحروب المجرمة
(الموت) يلبس وجه حاكم

 

الموت يأتي عبر شرايين المدينة ضحايا الحروب تطال البلاد كلها
(الموت) يزور اي فم يشاء ويصطفي خرز المواسمْ قتل الجمال والثراء لكل موسم

 

ثانياً : شاعرية الفعل الذهني

الفعل الذهني هو الفعل الذي يعطي لأفعال الانجاز قدراً من الحركة الغائرة بزمن سديمي, على شكل ألفاظ متخيلة غير معهودة , وأهم ما في هذا هو (القدر الكبير) الذي يتضمنه جهد الشاعر من جانبي المعرفة والعاطفة .. لنتماشَ مع المقطع الآتي , كونه اجراءً للتجربة الشعرية بهذا المضمار :

[ متن الأسماء

القلب خاوِ تماماً

لا نأمة

الأسماء تتخلق كأجنحة في دهاليز الوهم

تحلق في أرجاء الأبدية

ثمة يقين يتطاير كغبار فاسد

الأسماء اللزجة تلتصق

بالجدران والانهار والليالي](2)

لنحدد شاعرية الفعل الشعري الذهني بالتأويلات الآتية :

1 ـ القلب الخالي : هو قلب مطلق التصور , فربما هو قلب بلا هموم , او بلا سعادة , او              بلا رحمة , او بلا أمل … الخ … ومثل هذه التوصيفات تعطي فكرة عن هذا القول بانه صورة ذهنية لا يمكنها ان تكون يوماً ما حالاً محسوساً او مدركاً.

2 ـ الأسماء التي تتخلق في دهاليز الوهم : هي صور عن موجودات لا شكل لها ولا ماهية , انما هي صور ذهنية لأشياء متخيلة , قد تكون تشكلات لأجنحة ملونة تدور في فضاء الخيال الجامح , المفعم بصور لا تجسيم لها , تسللت من الطفولة او من اي عمر , او وهم (ما) , إذ من المستحيل تخمين شكل الأسماء التي (تتخلق كأجنحة في دهاليز الوهم).

3 ـ الوهم والأبدية : منجزان فلسفيان لم ولن يدركهما أحد يوماً ما , لذا فهما صور ذهنية تعارف على ـ مخمن ادراكها ـ العقل البشري , شأنها شأن الأرقام والنظريات .               

4 ـ اليقين الطائر , والغبار الفاسد : هما شيئان ذهنيّان خلقهما الذُهال الشعري لا غير , لأجل وضع الجنوح المعرفي بزاوية الحيرة اللذيذة المتخيلة.

5 ـ  الأسماء اللزجة التي تلتصق بالجدران والانهار والليالي : تلك ليست أسماء بل صوراً ذهنية تُخَلّد الفطرة , وتضفي على أشياء الوجود المادي هالة من الضوء الوجداني لتنير الوجود المادي القاسي.

* ترى ان ما نتصوره جاء شعراً عبثياً ؟ .. لا .. قطعاً , انما جيء بهذه الملظومة                لتشي بـ : معرفتين , جمال الخيال الجامح الفتنة , وتشكيل لعمق فلسفي مضمر بنسق شعر ملائم , مثلما توحي به التكملة الآتية :

[بينما كل شيء مندفع الى فنائه

لا يبدو على الأسماء انها كذلك] ـ عين الدم , ص12

إذاً .. الفعل الذهني هو الفعل الذي يعطي لأفعال الانجاز قدراً من الحركة الغائرة بزمن سديمي…

حقاً ان في الشعر حكمة .

ثالثاً : كائنات التبصر    

الكائنات البصرية الشعرية , كنظرة توفيقية , تشتمل على (المشاهدة والابصار والرؤيا) . وبالنظر لعدم حصولنا على مادة نظرية لها مصدر موثق , فقد اعتمدنا غلى طاقة  الفرض , بها يمكننا تقييم ما يتمخض عنه النص من تأويلات , فجُل ما متوفر من طاقة لقول يُعنى به متجهنا.. لنتابع ..

[ لم يبـقَ إلّا أنتَ أسالكَ الوقـــــــــوف الى جواري

النار حولــــــــــي وخيل الروم تمعـن في حصاري

سرق اللصوص ضحاي والجرذان قد اكلت نهاري

وبقيت وحدي في الفضاء الرخــو بين دمي وثاري

طقوس موت الأشياء79]

في متابعتي هنا سأستثمر الترقيم أسلسل به قوى التأويل على الترتيب الآتي :

1 ـ التبصر بالبيت الأول يوحي بوجود كائنين , القائل والموجه له القول , وهذا يمثل طاقة المشاهدة.

2 ـ النظر في البيت الثاني يوجه العناية الى قضية تاريخية يتقاسمها الشاعر مع                طارق بن زياد , فهما يوزعان الخيارات المميتة بين من سيواجهون الموت في الأحوال كلها , البحر والعدو عنصرا الخيار لطارق بن زياد , والحصار والاحتلال خيارات الشاعر.

3 ـ الناظر بالبيت الرابع سيحصل على : ان اللصوص والجرذان سحبوا من الشاعر زمنه بضُحاه ونهاره , وأبقياه بليلٍ لا نور فيه لا قبله ولا بعده.  ولعل اللصوص هم حكام الداخل , والجرذان غزاة البلاد من الخارج . وهذا يمثل الرؤيا.

4 ـ ولأن للشاعر مثل حيرة بلاده , فقد أوجز هذه الحيرة بثلاثة ظروف , الفردية المقموعة بوجودها الرخو , ثم تحمل عبء الدم الذي يطّلبه التحرير , ثم المطالبة بالثأر للشهداء. وهذا يمثل الابصار والرؤيا.

5 ـ يريد الشاعر في كل تلك الفرائض ان يقول : حيرتي وحيرة بلدي لأننا لسنا قادرين ـ حتى اللحظة ـ ان نكتشف لحظة التنوير التي تستحق التضحية . وهذا يمثل الرؤيا السلبية! التي تحيل الى ان الشاعر يقصد منها العكس!. 

رابعاً : أنسنة الخواء الكوني

 الخواء الكوني كما يراه الشعراء وَهْمُ لكون عياني ، بدلالة ما تحفره وتحفزه الرؤية من أثر بعيد في الوجدان والضمير وما يفيض به من صُغار عند المقارنة بين الإنسان وأدواته والكون وسعته ..

ان شعراء الخواء الكوني يمجدون الخواء الوجداني , يعشقون التضاؤل الوجودي               ولا يرونه مشكلة نفسية عقلية , ولا حتى سلوكية , يصير الزمن عبدهم هوّة من الألغاز , وجسر أنسنة للآلة الكونية : ” تُجسر تلك الهوة ما بين الإنسان وعالمه ليس بأنسنة العالم فقط , انما في كونيته أيضاً”(3).

ولن تتوقف هذه الهوة عن التوسع , اذ ان بعضهم اختطّوا لأنفسهم تراجيدا شعرية لشعر يضاهي أشعار المعتزلة والصوفية والوجودية .

لعل د. حسن عبد راضي خفف من وطأة التشاؤم الكوني , ولعله أقل شعراءَ الهِوّة تشاؤماً مثلما هو في قوله بقصيدة أسباب :

[ليسَ لي من خيارً

بين أن أتهجّى دمي قطرةً قطرتين

وبين الفرارِ

لم يعدْ واضحاَ سببُ الغيمِ

او سببُ الريحِ

او سببُ امرأةٍ

تركتْ وجههَا في الحقائبِ](4).

وهنا نرى ان الشعر تفوق على الفلسفة بتبني إشكالية كونية تخص بهاء النبوءة للكون المضمر لكل موجود , سماوياً كان أم أرضياً , يلتحف بالخوف من كل حركة كونية تؤدي الى التقدم العمري , ثم التلاشي الى ما يخرب الحياة , ويجعلها سيراً اضطرارياً نحو  العدم , وهو في قصيدة (ظل الوردة , ص21ـ ص23) من مجموعته الشعرية كتاب الظل , مثلاً , يلغي جدوى الجمال بصورة مطلقة خاصة في قوله :

[لا أملكُ نفسي

مَنْ يملكُ هذهِ الوردةْ؟](5).

ثم يلغي التفكير كذلك بقوله من القصيدة ذاتها :

[لا أملكُ رأسي

بعد قليلٍ يقطفُهُ النسيانْ] ـ كتاب الظلال , ص23

لكنه يُلَمِّحُ لاحتمال بيئي بشري , إذ يُعطي احتمالَ ان يكبر النارنج ويظلل العشاق . اي ان مستقبل البلاد الحتمي سيكون تَكَوِّناَ جديداً لعشاق البلد , الذين يلتذوا بأُصوله , يتفانوا بها عشقاً , وسيبنون بلادهم بنبتِ المحبةِ بين الناس والأرض , بقوة كقوة عروق النارنج, أولئك هم البلاد :

[وتبتلُّ عروقُ النارنج

فيُزْهرُ عشاقاً] ـ كتاب الظلال , ص23

ثم ان الشاعر يستثني نفسه وكل الشعراء من هَمِّ الملكية , هو وإياهم سيخوضون الوجود بنقاء ماء الروح , كونه مطلق النزاهة , خاصة قوله /

[لا أملكُ غيرَ الخوض بماء النهر

المسفوح من الأزلية

يا للفقر

لا أملكُ حتى أنْ أبتلْ] ـ كتاب الظلال , ص23

لكن الانسان كائن سكني , يود الهدوء , والعيش المسالم , وقد يهوى العزلة فكيف يضع الشاعر لذاته كينونة تبتعد عن الكارثة وتقترب من هوّة أُخرى هي (الحيرة) , لذا فسيظل بلا عالمٍ ولا مكانٍ , وهو بهذا ينتقل من الحيرة الفلسفية الى الفعل العملي , (السكن) :

[العالم يسكنُــني

أم أسكنْ في العالم؟] ـ كتاب الظلال , ص23

وفي الانتقال من الحيرة الكونية الى الحيرة الفنية , فما للشاعر د. حسن عبد راضي سوى ظل يوحي له ان الإنسان كائن لغوي , فيستظل باللغة وقتاً.

خامساً : مغايرة ظل اللغة

اما المغايرة المهمة فهي الشهوة الجامحة للرغبة الأُسطورية ، وما يفيض عنها من أفعال , بموجبها تتحرك المجسدات احتجاجاً على سكونها , ونعتقد ان هذه الحركة نبوءة يصنعها الإنسان بفهم محسوبٍ اجتماعياً ومقنعٍ شعرياً , سنلاحظ ما يشبه فرضنا هذا بقصيدة (ظلال اللغة) على الصفحات من 41 ـ الى 44 , من مجموعة الشاعر ذات العنوان                (كتاب الظلال) . يقول :

[كالماء في صلفِ الأواني ,

كالدمع إذ يسقي خُزامى الحُزنِ] ـ كتاب الظلال , ص43

ان ما تقدم من مقاطع شعرية يضم الى جانب شعرية ظلال اللغة , شعرية وجدان متدفق بشهوة الحياة , ففي كل جملة شعرية يضع عبوراً يمزج بين طواعية اللغة الرقيقة وصلابة معانيها الحسية , لدرجة ان تتولد لغة اشارية مشبعة بالمُزاح الدلالي الوسيط , فمثلاً : الماء الهش/ يقابل/ الأواني الصلدة , لينتج دلالة (الصلف) الموجهة لقيمة وسيطها (الغرور) . ومن هذا (الغرور) تتصير شعرية (الإزاحة) من النمط العقلي (اللفظ) الى الموجه القيمي (الدلالة) , التي تعيد سبك الاتصال اللغوي لينزاح الى (الماء) , الذي ـ ربما ـ هو دمع الحزن وضريبة التاريخ للخزاميين) , الفقراء والأغنياء , الذين تتواصل قيمتهم اللغوية مع ظل آخر هو :

[كالطرقاتِ

حين تَشيخُ بالدمِ والدخانِ

كمرارةِ التلويحِ ممزوجاً بها

وجعُ الأغاني] ـ كتاب الظلال , ص43

وفي الركن الأخير من ظل اللغة يتمم الشاعر سلسلته على النحو الآتي :

الطرقات الهشة / تقابل/ الدم والدخان ـ شهوتا العمق السادي , وهما يؤديان الى دلالة الإزاحة الوسيطة , المرارة , ومنها الى المُزاح الخليط من المرارة والأغاني , بما فيهما من عقلانية ووجدانية , ليتواصل القول حد ان يغدو وجعاً لا تكفيه الدموع ولا الأغاني , انما يبتغي ان يفضح شيخوخة العدوان (الدم والدخان) , والمعنى هذا إزاحة للظل اللغوي الذي ورد بالمسمى السابق , (الغرور)…

ان المضمر الصوري للمبنى المركب من إزاحة (الغرور) وإزاحة (العدوان للدم والدخان) , ستصحبه عتمة مظللة بلغة هي الأخرى ماكرة في غيِّها , لتصير سنداً لسكون يظلل إزاحة (ورد الأُنوثة) , مثلما هي سلسلة الظلال بين اللغة والازاحة متتالية التوليد , ليصير (الصمت) لغة التآمر على الوجد الإنساني كله , مثلما تصرخ به متواليات الجمل الشعرية في المقطع الآتي :

[ظل أكابدهُ طوالَ الصمتِ

أعصرُ منهُ خمرَ الوقتِ

ألمسُهُ

فيخضلّْ الضُحى بالبيلسان

كالسرِ يكمنُ تحتَ لونِ الوردِ

في شفقِ الأُنوثةِ] ـ ص44

بل لعل الإزاحة بأنواعها ستساعد على (الصمت) المقارب (للمسكوت عنه) . أي ظرف (الامحاء للجمال والأمل) , هل المقطع الآتي يوفي بهذا الفرض المتمم لظلال الإزاحة المنوعة السابقة , لنقرأ وقد نقتنع :

[… اندلاعِ الفجرِ

في وجهِ الأسى النديانِ

هو ما سكتنا عنه ,

لا ما قيل

ما استعصى على التأويل] ـ كتاب الظلال , ص44

سادساً : ظل لشعاعها

بقصيدة جورجينا , ص113 ـ ص 115 , نفهم ان الشاعر دخل عالماً كثيراً ما كان يتحسر على جسه او لمسه  . او في الأقل الدنو منه بشدة , تُرى أهذا ما يتحسر عليه الشاعر , وقبل هذا فان ((جورجينا اللحن هي ايضاً : اسم مؤنث له صبغة دينية مسيحية للفلاحات المقدسات اللائي يرعين الزرع والناس بالعمل والدعوات المباركة)) , ولعل شيوع اللحن جاء من تلك الاغناني الفلاحية المقدسة . لنقرأ :

[للبحر يا رئتي

وللصبوات يا وجلَ الحديقةِ

رقص الخريفُ هنا

زمرتْ في السماء أواخرُ الهجرات

مرَّ البرقُ

وانكسرت ملامحُنا على العتبات

لم نجدْ الطريق .. ولا الطريقة] ـ كتاب الظلال , ص115

ان الشاعر هنا لا يسمع الأغاني ولا يتمتع بعبق الحدائق , انه يصنعها , يحميها , يقف بينها وبين الخريف , لكنه صبي , يريد موطئ قدم عند (جورجينا اللحن الفتي العفوي) , أو يدنو غبره جهة سماء يهاجر بطيرانها نحو حرية من نوع ما , بل لعله سيختصر الهجرات بزمار رباني يتماثل ومزامير النبي داوود (ع) , التي يمكنها ان تصير جورجينا محلية… وبريق خوف الشاعر , وعتبات ماضيه , وملامح ذكرياته , قربته كثيراً من سعادة الصبا ومتعة الوجل بحديقة الرقص , والغناء , برغم خريف الحدائق وخريف العمر , وخريف أواخر الهجرات .

تُرى أ يعني ذلك ان العودة من اي هجرة لها بديلا اسمه الضياع ؟ , وهل الضياع هذا يعني ان لا وطنَ لمن يَلمُّ الشروق لبلاده؟!. ربما …

لكن ماذا في /  

[العشبُ ينبتُ قانطا 

وتضيع في المنفى جذوعُ النخل

يذبلُ في الدمى الأطفال

تلتفُّ الرمالُ على القِطا

ويذوبُ وجهُ النهر في عطش البلاد] ـ كتاب الظلال , ص115

نعم .. هو يهجر الهجرة ليحط بوطن فيه عشب ذليل , ونخيل معتدى على خيلائه , وأطفال يبيعون الكرامة مقابل لعبة , ورمال تقتل القِطا الذي كان يغني للأرض , ماء وصحراء.

يبدو ان الشاعر تورط بجورجينا اللحن وجورجينا الفخ … او جورجينا العطش الدامي , وعطش الأنهار للماء , وعطش الناس للجمال والثراء … يا لها من ورطة!!.

هل ثمة ورطة أُخرى في أول شروق نحو البلاد؟

ربما نعم!

[تغيبُ أسماءُ اليتامى

في المجاز .. وفي الحقيقة

ماذا نغني حين لا أحدٌ يجيءُ

ولا فراشات تمس الوقت] ـ كتاب الظلال , ص115

قد كون للورطة إطارٌ من :

ـ جوجينا الخضرة والفِلاحة التي هي اسمٌ من غير مسمى ولحن من غير طرب .

ـ او ان جوجينا الخضرة = جوجينا النفي والجفاف واليُتم.

ـ أو ان جوجينا هي مجازٌ للثراء الذي له صبغة التدين لا الدين.

ـ وقد تكون جورجينا غودو الذي لا يجيء.

ـ وعلى الرغم من ان الخضرة والفراشات والاخضرار الإنساني تدل جميعها على بهاء وطراوة وحتى غنج (جورجينا) المغنى , لكن الشاعر يري مقلوب المعاني , التي تفضي الى (لا فراشات تمس الوقت)!.

 

 

                        مساعدات العمل

 

(1) حسن عبد راضي , طقوس موت الاشياء , شعر , مؤسسة شرق غرب ـ ديوان المسار للنشر دولة الامارات العربية المتحدة , 2009 , ص13

(2) حسن عبد راضي , عين الدم , شعر , الشؤون الثقافية العامة , بغداد , 2009 , ص12

(3) الهوة الكونية , هيئة تحرير جريدة المدى (ملف) , جريدة المدى , تأريخ النشر 12/12/2017

(4) حسن عبد راضي , طقوس موت الاشياء , مجموعة شعرية , ص35 , مؤسسة شرق غرب ـ ديوان المسار للنشر , بغداد , 2009

(5) حسن عبد راضي , كتاب الظلال , مجموعة شعرية , الشؤون الثقافية العامة , بغداد , 2018, ص23

 

 

 

 

 

 

 

 

الشاعر د. حسن عبد راضي

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عصام الياسري : جماليات لغة الشعر في فضاءات.. فارس مطر .

استضاف مؤخرا “بيت الأدب” في برلين Literaturhaus Berlin لأمسية شعرية موسومة “الفرات، النخيل… مازلتُ أتنفس” الشاعر العراقي المقيم …

| طالب عمران المعموري : السمات الموضوعية في رواية “حارس الفنار” للروائي الفلسطيني نافذ الرفاعي.

التزم غالبية الروائيين الفلسطينيين بتصوير واقعهم تصويرا فنيا مؤثرا يعكس مدى ايمانهم بقضيتهم العادلة ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *