| طالب عمران المعموري : السمات الموضوعية في رواية “حارس الفنار” للروائي الفلسطيني نافذ الرفاعي.

التزم غالبية الروائيين الفلسطينيين بتصوير واقعهم تصويرا فنيا مؤثرا يعكس مدى ايمانهم بقضيتهم العادلة ، ومدى حرصهم على حمايتها والدفاع عنها امام الهجمة الشرسة التي شنت عليها من اجل تصفيتها، او القضاء عليها بسكين السلام في

طالب عمران المعموري

العهد الجديد المزيف الذي حجب الرؤيا ، منذ عام النكبة والشعب الفلسطيني نفسه يغرق في بحر دمائه حاملا جراحه واشلاءه  يواجه العصابات الصهيونية المدججة بالسلاح  التي هاجمت المواطنين الابرياء في بيوتهم واجتاحت القرى والمدن على حين غفلة اهلها فعاثت فيها فسادا وظلما وعدوانا ..

وبين عشية وضحاها صار الشعب الفلسطيني مشردا في السهول والجبال بعيدا عن بيته واقتلع من حقله وأرضه  فمنهم من عاش في المنافي يعاني الذل والفقد والضياع والمرحلة ما بعد اتفاقية اوسلو حيث رفض معظم الشعراء والروائيين هذه الاتفاقية  من خلال اعمالهم  الفنية وجاء ردهم سريعا مصورا زيف اتفاق أوسلو وكيف بدأت مرحلة جديدة مليئة بالألم واليأس والاحباط  ويزيد الجرح الفلسطيني عمقا واتساعا..

هذا ما لمسناه  في رواية حارس الفنار للروائي الفلسطيني نافذ الرفاعي في طبعتها الاولى الصادرة من دار مكتبة كل شيء / حيفا ، 2021.

عنونة يتحقق فيها الدلالة المكانية  التي تضيف للرواية قيمة جمالية وفنية ، بما تثير في نفس المتلقي من تشويق ودافع للقراءة . حيث ان عنصر المكان لم يكن مقتصرا في التعبير على الدلالة المكانية فحسب وانما تعدى ذلك الى دلالات اخرى الى الرؤية التي أمتلكها الروائي، تضمنت الرواية ثلاثين فصلا وجعل لكل فصل عنونة

يقدم لنا الروائي مادته الروائية بين الواقعية التقليدية والحداثية عبر شخوصه، وهيمنته كراوٍ كلي العلم عليها والتي تتميز بسعة  معرفة الراوي لشخصياته يشرح سلوكها ويفسره   حتى انه يستطيع ان يخبرنا عن افكارها ومشاعرها ، سارد مشارك  او اكثر يطلعنا على مجريات الاحداث  وتنامي الشخصيات  وفق نظام محدد لا يلغي كونه من بنيات النص شأنه شأن الاحداث والامكنة والازمنة في أسلوب تعبيري والتي تعد بمثابة توثيق وشهادة لمرحلة تاريخية مهمة من تاريخ فلسطين،  غير انه يظل العنصر الاكثر اهمية لأنه” يقوم بتفصيل مادة الرواية الى المتلقي1″ عالما ادبيا خياليا لعالم حقيقي قبل النكبة وبعدها ترصد الواقع وما فيه من احداث وحكايات  تسرد محاولة لربط الماضي بالحاضر والمستقبل بأسلوب أدبي مستعينا بخياله وأحاسيسه ومشاعره للتعبير عنها يمكنه من  شد القارئ من خلال  اعوان سرد يفوضهم عنه

السمات الموضوعية

الظروف الصعبة وما نتج ما بعد النكبة حافزا قويا للروائي ليكتب ويعبر عن هموم شعبه الذي عاش المآسي والمذابح والجرائم ما يفوق الخيال نراه يصور النكبة والضياع والتشرد والشتات على لسان شخوصه بعيد عن اللغة الرمزية او الضبابية معتمدا اللغة المباشرة .. لم يكتفي الروائي برصد الاحداث وتسجيلها وتقديمها الى المتلقي تسجيلا موضوعيا محايدا كما وقعت ، بل قام باختيار المواقف والاحداث والظاهر والعناصر الموجودة في واقعهم والتعبير عنها وتصويرها فنيا معبرا يستمد عناصره من الواقع لكنه لم يكن تصويرا حرفيا لأنه يحمل بين خطوطه وألوانه وإيحاءاته وجهة نظره وما يصاحبها من جوانب نفسية وفكرية

غادة والحارس من المحاربين القدامى وشخصية واعد ودورهم في رصد الواقع وتشخيصه في وصف حياة الاعتقال  ومواقفهم الثورية وما حصل من هجرة واللجوء والنزوح نره جليا في فصل ( الرحيل المنشود)” الحياة في هذه البلاد العصية والصعبة والهروب الجبري درئا للوثة الحياة ، والتنحي عن الخطر ومناشدة الصدر الحنون . حزمت ما تبقى لها من ذكريات جميلة ، متوجهة في طريقها الى جسر الاردن” ص41

وظف الكاتب تقنية الاسترجاع  على لسان شخوصها الرئيسة  في تضمين حكائي تاريخ المنارة او الفنار ، وتظهر سمة الرجوع الى الماضي  داخل الرواية

” هذا الفنار يشبه حكاية جدتي : جاؤوا من مدينة البحر الذي تسكنه الصواري والعباب، تمادت السفينة الصغيرة في عرض البحر بالهاربين اللاجئين من زئير الحرب واصوات المدافع وأزيز القذائف السوداء، وقصف الطائرات ؛ اكتشفوا ان السفينة تتهادى وحدها وربان السفينة قد مات.” 2

 

الشخصيات في رواية حارس الفنار وعالمه الحكائي والتي تمارس لعبة القول وتمتهن صناعة الافكار التي تثير صور العالم المتخيل وتجره نحو الصراع وتدفع السرد باتجاه التطور المتسارع والمتنامي

 ” فغر فاه مثل فانوس الطرقات التي تهتز ذبالته مع صخب نباح الرّيح، وحملق منتظرا الكلمات الطائشة التي في ذهنه عن سفينة ربانها مقتول من شظايا انفجار بالبحر، كاد يغرق السّفينة.”ص13

انجاز نص سردي متخيل يحاكي الواقع “أدركت أن الحارس يشيّد روايته بغبار الحقيقة وركام كلمات اختلقها ، او تخيلها ؛ تحاكي الواقع بقناعة كبيرة” ينطلق من نكبة فلسطين والاحداث المصاحبة لها من عمليات تطهير عرقي وتهجير قسري

لهذا وجد الروائي حرية كبيرة في انتقاء ما يشاء من أحداث وشخصيات وأماكن تاريخية حقيقية ووضعها في اطار فني روائي يصور عالما خياليا يرمي الى تشخيص الواقع  .يقدم لنا الرواية من خلال عدة ساردين يتداولون على كرسي المتكلم ويقدمون الاحداث من منظور الشخصيات التي تعيشها في الرواية.

نجح الروائي في تقديم الوجه الانساني للقضية الفلسطينية ملتزم بتقنيات الرواية من حيث ارتباط الشكل بالمضمون  دون تضخيم للأمور او تهويل الحقائق، وتصوير واقعه تصويرا وظيفيا لا كما هو تماما ولكن كما يراه كمبدع  بلغة سهلة واضحة خالية من التعقيدات  اللفظية والاساليب الملتوية

وعلى لسان شخوصه وانطلاقا من رغبتهم في تثبيت هويتهم  وانتمائهم لتلك الارض المحتلة والتي تمثل لهم الامل والحلم

حرص الروائي على تناول موضوع العملاء والجواسيس والتعاون الامني بهدف كسر ارادة الفلسطينيين وصمودهم  وثنيهم عن مواصلة طريق الجهاد والمقاومة  من اجل تحرير بلادهم ” اعترافات جاسوسة على شبكة عملاء من 64 ، قرأه مستعرضا الاسماء التي يشملها البيان المحذر من الجواسيس وشبكة العملاء”ص32

وهن تتضح خطورة الدور الحقير الذي يقوم به العملاء والجواسيس في دعم الاحتلال وتزويده بالمعلومات  وتمكينه من اعتقال واغتيال المناضلين  وبث الرعب والشك في صفوفهم

“تصاعد مسلسل التنكيل وممارسة اجراءات الاحتلال التعسفية جرى دهم المطابع بحثا ومصادرة واغلاقا، املا في وقف غضب الذكرى”3

تناول الكاتب مواضيع اخرى على لسان شخوصه، اتفاقية اوسلو والسلام الموهوم، النشاطات السياسية  والانشطة الطلابية الثورية والجماهيرية وعملهم في نشر المنشورات والكفاح المسلح بقيادة شخصية  (باجس) والعمليات الفدائية التي كان يشنها مع الثوار ضد قوات الاحتلال وكذلك تطرق الى مواضيع الهجرة واللاجئين ” وصلنا مخيّم البقعة للاجئين ، بدت معالم الفقر والبؤس والازدحام في بيوت من الصفيح “73

استثمر الكاتب كل طاقاته الابداعية وتجربته الروائية ليجعل منها نصا مميزاً

 المصادر

  • عبد الله ابراهيم المتخيل السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت ، ط1 ، 1990 ،ص117 .
  • نافذ الرفاعي، حارس الفنار ،ط1 ، دار مكتبة كل شيء / حيفا ، 2021.
  • الرواية ، نفس المصدر السابق
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. رحيم الغرباوي : البراجماتزم في مجموعة مثلي لايكتفي القمر بنجمته للشاعر حسن سالم الدباغ .

   لما كانت الحقيقة ، هي القيمة الفورية للفكر بوصف الفكر مرآة ضرورية للحقيقة الخارجية …

| عصام الياسري : جماليات لغة الشعر في فضاءات.. فارس مطر .

استضاف مؤخرا “بيت الأدب” في برلين Literaturhaus Berlin لأمسية شعرية موسومة “الفرات، النخيل… مازلتُ أتنفس” الشاعر العراقي المقيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *