| د. صادق المخزومي : كتاب “فاطمة بنت محمد” مقاربات منهجية.

فاطمة بنت محمد، لـ كلوهسي كريستوفر پول، الطبعة الثانية في 2018م، في 347ص [الطبعة الأولى 2013م]، أصل هذا

صادق المخزومي

الكتاب هو أطروحة دكتوراه بعنوان “إبنة محمد” مأخوذة عن النصوص الإسلامية، الشيعية والسنيّة، التي نوقشت في”المعهد البابوي (الحبري) للدراسات العربية والإسلامية في روما” ( Pontifical Instiate for Arabic and Islamic (PISIE)- Rome ) ).

بروفيسور كلوهسي أحد الهيأة التدريسية لـ”المعهد البابوي (الحبري) للدراسات العربية الإسلامية” (PISIA) والقس الكاثوليكي والأكاديمي، وهو في الأصل من دولة جنوب افريقيا، عين كاهنا في عام 1988، وحصل على إجازة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية من (PISIA) (المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية) في عام 2000، و PH.D دكتوراه في عام 2006، في أطروحة معنونة “أم الأحزان” دراسة عن حياة فاطمة الزهراء ابنة محمد, كتب أربعة كتب في اللغة الإنجليزية حول التراث الإسلامي الشيعي، بعد تقديم الرؤى والمقاربات والفرضيات حول آل البيت ومبادئهم وسلوكهم.
قال كريستوفر :كل شيء بدأ من السيدة فاطمة، وكوني كنت أبحث عن الحسين فلا مناص من تقصي المعلومة حول أمه أيضا، كنت مصدوما عندما وجدت كثيرا من التفاني والإخلاص عند فاطمة، ولكن كتب عنها القليل، فقد كانت- حقا- شخصية رائعة، وكان لها دور رئيس في بداية رسالة النبي، فلا يكفي –فقط- نكتب ونروي عن مقاماتها، بل علينا أن نستكشف شخصيتها ودورها أيضا، ولذا إخترت أن تكون أطروحة الدكتوراه عن فاطمة، أملي واعتقادي أن يكون كتابي هذا هو الأول في رواية سيرتها بلغة غربية، وعلى أساس مصادر عربية.
عنوان الكتاب “فاطمة بنت محمد” يحكي ألق موضوعه، لا مناص من أن قيمة العنوان عالية لدى المسلمين، وتبلغ أوج علوها لدى الشيعة على وجه الخصوص؛ لكن هنا يطفق سؤال موضوعي وبحثي، ما قيمة بنت نبي الإسلام لدن أهل دين آخر؟ ما قيمة فاطمة بنت محمد عند المسيحيين، سواء المسيحيين الغربيين او المشرقيين او العراقيين؟ لقد علقت في علو عناية جرسيّة الشعراء وقلميّة الكتاب، ولدى المؤرخين أغرقت حتى متخيّل التاريخ وعالم الميثولوجيا في أوربا، على نحو شغلت دنيا العقيدة الكاثوليكية في الغرب بخاصة وفي العالم بعامة.
أخذت فاطمة –سواء في قصة الرؤيا، أو لشبهها في الشخصية والحياة مع مريم- أخذت مساحة من العاطفة الدينية الكاثولوكية في المشرق- أيضا، فارتسمت على شكل تسميات وكنائس تؤدى فيها العبادة، مثل: كنيسة فاطمة للسريان الكاثوليك في دمشق، وكنيسة عذراء فاطمة للسريان الكاثوليك في الموصل.
كتاب “فاطمة بنت محمد” بحث قوامه الثنائية، سواء في المنهج أو الموضوع، أما في المنهج فقد قسّم البحث الى أربعة فصول، وكل فصل الى جزأين؛ وأما في الموضوع فتلحظ أنّ الثنائية تأخذ مساقا بعيدا تنضح منه أفاق موضوعية، تشكل مفردات مهمة مستلة بين المدخلات والمخرجات، ومرتكزات في السدّة واللحمة أحيانا؛ فالثنائية عناصرها: فاطمة ومريم، الحسين والمسيح، القرآن الكريم والكتاب المقدس، الكاثوليك والشيعة، والسنة والشيعة.
مجتمع كل منهما في الأسباب والنتائج، مجتمع تأثر بهم وترك أثرا عنهم، فالكاثوليك في عقيدتهم حول مريم، يختلفون عن الآخر المسيحي على مذاهبهم في رأيهم في مريم، وإن كانت ثمة نصوص قريبة من طرف المريدين؛ والشيعة في عقيدتهم حول فاطمة يختلفون عن الآخر الإسلامي على مذاهبهم في رأيهم في فاطمة والحسين، وإن كانت ثمة نصوص قريبة من طرف المريدين؛ وعلى هذه الفرشة المكثفة يتحرك الباحث باقتدار في منهجي التحليل والمقارنة فضلا عن التقصي.
بما أن الهدف من هذا العمل ليس بالدرجة الأولى تحليل نقدي للنصوص الشيعية والسنية أو الاستشراقية في حد ذاتها، بل هو دراسة نقدية لحياة فاطمة على مستوى هذه النصوص، وتبيان قيمة أربع سمات بارزة في حياة فاطمة، يمكن من خلالها النظر في مكانتها، وخاصة عند المذهب الشيعي:
1- ولادتها، وتحديداً التبليغ والتداخل الخارق الذي يحيط بمفهومها، وولادتها- كما هو مذكور في أحاديث الشيعة- التعاليم والتقوى.
2- المعجزات التي سجلها الشيعة في: التبليغ، والحمل، وولادة ابنها الحسين.
3- فاطمة كامرأة حزينة، ولا سيما المفهوم الشيعي الحاسم عن حزنها وحدادها المرتبطين- بشكل وثيق- باستشهاد ابنها الحسين.
4- امتيازات الشفاعة لفاطمة، المتوخاة على أنها نتيجة لمكانتها العالية ومكافأة على معاناتها، مما يمنحها قوة مذهلة في يوم القيامة.
يعتمد الكاتب أشكالا عدة يضعها في مساق المقارنة، منها: ملاحظات حول التقليد الكاثوليكي عن سيدة الحزن [مريم] (ف4: 5)، ملاحظات حول التقليد الإسلامي والشيعي عن سيدة الحزن [فاطمة]، في مجال الفراغ التاريخي يلجأ المجتمع الديني الى مفردات الميثولوجيا نحو: الرؤى والاحلام ودورها في رسم خارطة ولادة يسوع والحسين: عدد من الأحلام ليوسف تجلب تحذيرات بشأن سلامة الطفل، لكن لا أحد منهم يتوقع موته. هذا الحلم هو عنصر حاسم في روايات مفهوم وولادة كل من يسوع والحسين. أن اتصال الله بالبشرية من خلال الأحلام، تم التأكيد عليه بوضوح في الكتاب المقدس، (ف4: 4).
يوجد فرق في ماهية مريم في المذاهب المسيحيّة وتقييمها في معرض اللاهوت والناسوت، أي بين كونها أما للرب، وأما للإبن، كما يوجد فرق شاسع بين مريم الكاثوليكية ومريم القرآنية- في منظور المؤلف.
بالنسبة إلى فاطمة، من الواضح بجلاء أن كل ما يطرح على مريم في القرآن، يجب أن يُطرح عليها أيضًا، من أجل إثبات مكانتها الفائقة في الإدراك الشيعي. ف4، ج2. تروي الأناجيل الملفقة عددًا من المناسبات، التي لا يوجد أي إشارة إليها في النصوص الكنسية… مثل إنجيل متى المزيف، ف4، ج.2
يكاد الفصل الرابع في قسمه الأول يختص في السيدة مريم، ورأي المذاهب المسيحية فيها، بل رأي الآباء الأوئل فيها، فضلا عن الكتاب في مباحثهم الكتابية، فكان حقا بحثا مسيحيا صرفا، كانت دراسة تحمل الطرافة والجدة عن مريم بأقلام مسيحية وكتاب عالميين، استشرفت مطالعة القارئ في المشرق، ولا سيما القارئ العربي بعد هذه الترجمة.
ثمة إضافة في (ف4، ج1) الى معلومات القارئ المسلم عن مريم وتطور العقيدة في طهارتها وقدسيتها من خلال مدونات القديسين عبر التاريخ: “في كتابات آباء الكنيسة الأوائل، لا نجد أي إشارة إلى الحمل بلا دنس، لأن هؤلاء اللاهوتيين الأوائل لم يؤمنوا بأنها خالية من الخطيئة. أوريجانوس (ت 253 أو 254) وآخرون افترضوا أنها ناقصة مثل بقية البشر. مع مرور الوقت، أصبح اللاهوت الذي يتم بناؤه حول شخصها أكثر تميزًا بالكلمة الرئيسية للقداسة العظيمة، وهو عامل حُفّز في الشرق مع إقرار لقبها” Theotokos” (والدة الإله) من لدن مجمع أفسس في431 . ولكن بحلول القرن الثامن فقط تم ترسيخ الإيمان بقداستها التي لا تقدر بثمن و التي لا تشوبها شائبة في الكنيسة الشرقية”
يبدو لي إن تصدي القرآن الكريم لمريم العذراء في مساحة واسعة لنشر قصتها في القرن السابع الميلادي، وتوغل المسلمين في الأماكن المسيحية إبان “الفتوح”، أسهم في توطيد التلاقح المعرفي الديني بين الاسلام والمسيحية، بخاصة في موضوعة مريم، إذ تطور فهم قداسة مريم حد “ترسيخ الإيمان” لدى الكتاب المسيحيين في القرن 8م/ 2هـ وبعده.
البحث رباعي الأضلاع والزوايا، وفي كل زاوية تكمن إشكالية ينبغي للكاتب أن يمعن في تفصيلاتها، وأحيانا تلاحقها تبعات ومخرجات، ومثلها مقدمات، قد يضطر الى تبيانها، مثل قضية الحسين الإمام ودولة الحاكم، فيعرض أبعادها في كلام مفصل، حتى ولو في الهامش، لمن لم يتسنَ له الاطلاع عليها. فيقول: “بالنسبة للقراء الذين قد لا يعرفون القصة، كان الدافع وراء هذه القضية هو خلافة معاوية (التي تلقى الحسين خلال فترة حكمه عديدا من التعهدات بالدعم والنداءات لقيادة الثورة) وانضمام يزيد إلى الخلافة بعد وفاة والده معاوية. إنها حركة سياسية ودينية في آن واحد…”. ف4 ق2.
أحيانا لم تأت الترجمة سواء الحرفية او المعنوية أكُلَها، بخاصة مع النص التاريخي والروائي، فإن ثمة كلمات لم تستطع الترجمة في قواميسها الحديثة سبرها، مثل كلمة ” أمة” تأتي بها الترجمة بصيغة “مجتمع” كما في الخبر الآتي:
– النص المترجم:” تتفوق خديجة على نساء مجتمعي كما تتفوق مريم على نساء العالمين”، بينما النص في المراجع:” فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين”؛ وعليه فمن دواعي منهجية بحتة الرجوع الى النص المرجعي وإثباته.
في مجال الترجمة للنص القرآني فقد ذكر في ديباجة كتابه: إن جميع الاقتباسات من القرآن مأخوذة من التفسير الإنجليزي لـ “محمد مرمدوك بـِكثال” [Marmaduke Pickthall (1875– مايو 1936)]. مع الأخذ في الاعتبار أن كل ترجمة هي تفسير، فقد قارنت في بعض الأحيان ترجمته بترجمة المترجمين الإنجليز الآخرين للقرآن، وسيتم تسميتها في النص عند حدوثها. على سبيل المثال: الهامش 350:
يقرأ الجزء الأول من سورة [الأعراف] 7: 157 ما يلي: “أولئك الذين يتبعون الرسول النبي الذي لا يستطيع القراءة ولا الكتابة، سوف يجدونهم موصوفين في التوراة والإنجيل (وهما) معهم …”. [} الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ]. وسورة [الصف] 61: 6 تقول: “ولما قال يسوع بن مريم: يا بني إسرائيل! لو! أنا رسول الله إليكم، أكيد ما نزل قبلي في التوراة، وبشرى بالرسول الآتي بعدي، واسمه الحمد … ». [وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ].
تم اتباع نظام الترجمة الصوتية، الوارد في بداية هذا العمل، في جميع أجزاء النص، باستثناء الحالات التي تم فيها اقتباس مؤلفين آخرين، وفي هذه الحالة تم احترام نظام الترجمة الصوتية للمؤلف المذكور. ما لم ينص على خلاف ذلك، جميع ترجمات النصوص العربية هي خاصتي.
من إشكاليات الترجمة إن المؤلف ينقل نصا من العربية الى الإنكليزية، ولما يترجم الى العربية مرة أخرى يختلف معناه، الى حد يفقد صلاحية المعنى، مثلا، بحسب نص المجلسي: “البتل القطع أي إنها منقطعة عن نساء زمانها بعدم رؤية الدم، قال في النهاية: “امرأة بتول منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم، وبها سميت مريم أم عيسى ( عليه السلام ) وسميت فاطمة- عليها السلام- البتول لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا، وقيل لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى” [البحار ، ج43، ص 17]

عند ترجمة [ع. م]: ” تفصل العذراء، أي تفصل عن نساء عصرها لعدم وجود لمنظر الدم. قال، في النهاية، تعزل المرأة البكر عن الرجال، الذين لا شهوة لهم اتجاهها. سميت مريم أم عيسى بهذه الطريقة، وسميت فاطمة بالبتول لفصلها عن نساء عصرها بالتفوق والدين و النبل. وأيضا قيل لفصلها عن العالم من أجل خدمة الله العلي العظيم”. وأرسلت المقطع لمترجمين عدة، فجاءت أقرب الى هذه الترجمة، وبخاصة عبارة “مفصولة من الرجال الذين ليس لديهم شهوة أو رغبة لها”
نلحظ في المتن أن المعنى مختلف، بخاصة في عبارة ” تعزل المرأة البكر عن الرجال، الذين لا شهوة لهم اتجاهها ” بينما نجدها في المصدر “امرأة بتول منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم” إذ أن طبيعة شهوة المرأة خاصة بها، فهي أولى بتقدير حاجتها في الاجتذاب للرجل او الانقطاع عنه، وعليه هذا يدل على ضعف الترجمة من العربية حد الإخفاق في المعنى، مع العلم عرضت العبارة على مترجمين عدة، استجاب منهم: دكتور حسين ناصر، محمد باقر المخزومي (ماجستير)، غسان جلال (بكلوريوس)، أفنان ذو الفقار (بكلوريوس)؛ فجاءت متوافقة كما في المتن.
كذلك الأمر في ترجمة الحديث، يلحظ كم أضحى النص ضعيفا، على سبيل المثال: في ذيل آية : {يا زكريا إنا نبشّرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميّا} قال أبو عبد الله: أي لم نسمّ قبله أحدا باسمه، وكذلك الحسين- عليه السّلام- لم يكن له من قبل سمي] ؛ تكون الترجمة: أبا عبد الله يقول: “لقد أعطينا الاسم نفسه [ما] لم يُعطَ لأحد من قبل. الحسين بن علي، لا أحد يحمل هذا الاسم قبله، ويحيى بن زكريا، لا أحد يحمل هذا الاسم قبله…
يثير المؤلف أحيانا إشكالية ليس لها سابقة ولعله يعدها من مبتكرات البحث الأكاديمي الممتزجة باللاهوت الكاثوليكي، على سبيل المثال: توظيف حديث نبوي ومحاولة تكييفه مع آية قرآنية، ليتحصل في ضوء اللاهوت الكاثوليكي تعظيم مريم وتأليه المسيح وعصمتهما في مقابل علو القدسية لـ فاطمة الزهراء و الحسين، وهما من الخمسة أصحاب الكساء الذين شملوا بآية التطهير.
فالحديث “ما من مولود من بني آدم يولد إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها”. رواه البخاري وأسنده المفسرون الى آية {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمران 3: 36) .
الحديث عن أبي هريرة، يضعفه بعض علماء السنّة ، ويرفضه علماء الشيعة بشدة؛ على أنّ المسيحيين يستدلون به على أن البشر كلهم، حتى الأنبياء مجردون عن العصمة، معرضون للخطايا إلا عيسى بن مريم، فإنه مصون عن مس الشيطان، مما يؤيد ارتفاع المسيح عن طبقة البشر، ومن ثم يؤكد لاهوته الممجد .
غير أن مؤلف كتاب “فاطمة بنت محمد” يقول: “والآن، أضيف الحسين الى مريم وابنها، مما يثري مكانته بإعادة قراءة متأنية للآية القرآنية، وتكييف هذا الحديث” [ف2: 2. 2].
يبدو أن كريستوفر بول كلوهسي الكاثوليكي من خلال تكييف الحديث أراد إكمال حلقة البطان في مقارنة الحسين بعيسى وفاطمة بمريم، لترسيخ مجد مريم، وهو أبعد ما يهدف اليه في الكتاب. انظر كيف يلوي عنق النص، بحجة تكييف الحديث، وهو ينشد توظيفه لمآرب عقدية كاثوليكية، بخاصة عندما لم يتوافر على مادة تقدس مريم في مصادره التوراتية، فإنه يلجأ الى القرآن ويكيف وفق معانيه الحديث، فإن فيه مادة دسمة للبحث، بخاصة الروايات عن فاطمة والحسين فإن فيها وفرة وتنوع.
سؤالنا: هل أحد من علماء الشيعة قال بذلك؟ فأنا- على حد علمي المتواضع- لم أقف عليه؛ وهل هو من مناحي الغلو في الكاثوليكية بلبوس شيعي؟ وما يصعب تحصيله لو إن قراءة رفضت هذه المقالة [في أطروحة دكتوراه 2006] تمثل العاطفة الكاثوليكية وترصفها مع العاطفة الشيعية في تجسيد الرموز الدينية وتكييف التشابه بينها، يأتيك من مجتمعنا (الإسلام الشيعي) على فرقهم الفكرية، مثلا أصحاب الولاية التكوينية، ويعرفها – كما في موسوعة ويكي شيعة- هي القدرة على التصرّف في موجود آخر من دون توسط البدن، وتتجلى بقدرة المعصوم- عليه السلام- علی التصرّف في الأُمور الكونيّة، بأن يوجد أو يعدم شيئاً، على خلاف القوانين الطبيعيّة بتفويض من الله- عز وجل. ومن هنا ان الحسين ليس أقل من عيسى، ويجوز له كل ما يجوز للمسيح؛ وقد تنهض بمثل هذا فرقة أصبحت كبيرة اليوم هي “خدام الحسين”؛ فماذا تكون الإجابة حينها؟
لقد طالعت بشغف عددا من المصنفات التي تحمل عنوان فاطمة، فكانت كثيرة ومتعددة الاتجاهات في أهدافها البحثية، وكنت- قبلا- أظن أن فاطمة مظلومة حتى لدن الدارسين والباحثين، ولست أدري من أين أسبغت صفة المظلومية على جميع ما يخص ربّة التراجيديا العميقة وصاحبة بيت الأحزان، وكان عليَّ أن أستوعب أنَّها مركز دائرتي النبوة والإمامة في الإسلام العقدي والتاريخي، وأنّها قطب رحى أهل البيت المطهرين في الكتاب والحديث، فهي المرأة الوحيدة بين بضعة رجال، يلفهم كساء النبوة، جميعهم تمتُّ لهم بصلة وثيقة، مما اكتسبت فيه سمات المركزية، وقد تتجلى تلكم المعاني في التراث الثقافي على مساراته المتنوعة، ومنها المشهور في الدعاء المختص بحاجة الشفاعة: “اللهم بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها” ففي كل اسم بعدها يعلق ضميرها على نحو يمنحها القطبية، ويزيدها فاعلية وحركة لولبية تكملة الدعاء “والسرّ المستودع فيها”. يبدو أن هذا السر الكامن بدلا من سبر غوره، على الأقل لدى الدارسين، أمعن في حومانة الغموض والتجاهل، لعله بفضل تحذلق السياسة وتفيهق المتدينة، أو بمعنى تدخل عصا السلطة في عباءة الدين وتمذهباته، فأضحى هذا قريب يتزلف وذاك غريب يُستبعد، حتى أنه بعد انتهاء تسلط العباسيين في عهدهم الثاني (232- 332هـ) وظهور البويهيين على السطح السياسي (334- 447هـ) وارتسمت فيه خارطة العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، طفق الى الكتابة عن فاطمة الزهراء ابن البيع النيسابوري (-405هـ/ 1014م) صاحب “المستدرك على الصحيحين” في محاولة جريئة، أتهم- خلالها- بالتشيع والتزلف من البويهيين، وهكذا أضحت فاطمة بنت نبي الإسلام رمزا شيعيا.
انتبه الأب كريستوفر الى نسبية التأليف عن فاطمة بين القديم والحديث، فقال: “يقدم لنا الفحص المنهجي لفاطمة لغزًا وعددًا من الأسئلة المصاحبة. ينشأ اللغز من ندرة الإشارات إليها في أقدم النصوص الموجودة ، مقارنة بالمراجع الغزيرة في المصادر اللاحقة”.
غير أن عددا من الدارسين المتأخرين كسروا هذا الطوق فانبروا الى التأليف عن فاطمة، من السنّة والشيعة والمسيحيين العرب والغربيين، ورسموا أنواعا واتجاهاتٍ من التأليف.
وعليه تم اختيار نماذج للكتابة عن فاطمة منها ما دبجته أقلام مسيحية، ومنها أقلام سنيّة، ومنها أقلام شيعية، ودرستها دراسة نقدية، فكان نموذج الكتابة المسيحية “فاطمة الزهراء: وتر في غمد” للكاتب سليمان كتاني،
نموذج من الكتابة السنيّة “السيدة فاطمة الزهراء (ع)”: للكاتب محمد بيومي مهران (1928- 2008م) الأستاذ بكلية الآداب جامعة الإسكندرية. نموذج من الكتابة الشيعية: “فاطمة الزهراء من المهد الى اللحد” للكاتب محمد [كاظم] القزويني.

 

 

المصادر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] –  الطبرسي، تفسير جوامع الجامع 2/ 444؛ فخر الدين الطريحي، تفسير غريب القرآن، ص69؛ البحار 14/ 117؛ اسماعيل الأنصاري ، الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء 5/ 291

[2] – BUH¹.، [صحيح] مجلد 4 ، ( 55 كتاب أحاديث الأنبياء) ، الفصل 39 ، ب. 641: 426– 427 . [تاريخ دمشق 47: 354؛ تفسير الرازي 8: 29؛ البداية والنهاية 2: 68؛ الدر المنثور 2: 19…] [3] – نحو: ابن عدي في الكامل في الموضوعات 6/ 401؛ والزمخشري في الكشاف 1/ 436.

[4] –  إبراهيم لوقا، المسيحية في الإسلام، ص 127؛ أبو رية، أضواء على السنة المحمدية ص 185؛ جعفر العاملي، الصحيح من سيرة النبي الأعظم 2/ 171.

[5] –  في الواقع ، تم الاعتراف بها عدة مرات ، على سبيل المثال ، في كتاب سليمان بن قيس الهلالي. يعتقد بعض العلماء (ولكن ليس جميعهم) أن هذا هو أقدم نص شيعي باقٍ، وتوفي المؤلف حوالي عام 80/662. يشار إلى فاطمة بالفعل في هذا النص على أنها “سيدة نساء الجنة”.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. حنان محمود جميل : صدرت حديثاً ” الغرفة وضواحيها ” لميسلون هادي.

       تدور أحداث الرواية حول مصادفة غريبة، جمعت بين الشخصيتين الرئيستين في الرواية. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| جمال جودة : قراءة في رواية “الفطحل” للدكتور زهير ياسين شليبة تشخيص أدبي لأزمة نفسية عانت منها عدة أجيال بسبب خلل في النهضة العربية الحديثة .

تدور أحداث هذه الرواية حول شخصية الفطحل وإدعاءاته ومغامراته وفضائحه في الوطن وفي المهجر. وهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *