حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه أن يتمرّن على فن الضياع في متاهات السرد ودهاليزه المتداخلة؛ السرد الذي ينتمي إلى عصر ما بعد الحداثة، أو الذي يذكرنا بألاعيب “مرتضى كزار” الذي لم يقتصر حضوره على تصميم غلاف الرواية بل تسلل

حسن الخاقاني

إلى مفاصلها، فقد تمزقت شبكة النسج وتداخلت عيونها، وتحرر السرد فيها من القوانين والأنظمة الخطية الواضحة التي ألف المتلقي التقليدي أن تقوده إلى النهايات السعيدة المنتظرة.

يصدم السباهي قارئه المفترض منذ البداية، إذ يستعير مجموعة من أقوالٍ لبعض الأعلام ليجعلها تصديرات تنطق بالحكمة المتعالية التي ينسبها لنفسه في النهاية، ويوصي بالتمسك بها: (ليس ينبغي لطالبي العلم والحكمة أن يتهاونوا بكلام السباهيين ولا بخرافاتهم، فإنهم يأتون بالحكمة البالغة في صورة الخرافة التي معظمها كذب ومحال) وهو بهذا يريد أن يمهد لقبول ما سيأتي به من إيهام يخدّر الحواس ويحرك لذة التخيل، ثم يضيف توضيحا آخر بأنّ ما يقدمه ليست كتابة، إنه جنس من التصوير، وهو إذ يستذكر عبارة الجاحظ الشهيرة في تعريفه الشعر فإنما يحيل مرة أخرى على مفاهيم الكذب المباح، والخداع الفني المسوق إلى القارئ بالألاعيب اللغوية والزخرفة الفنية التي يتقنها المهرة في الكتابة الإبداعية إيغالا منهم في الإيهام، وإبعادا عن الحقيقة، وفضلا عن هذا نجد توظيفًا لعدد كبير من اللوحات الفنية العالمية الدالة التي تعمّق مفهوم الصورة والتصوير المستمد من الخيال الذي بنى به الكاتب روايته.

استغرق تقديم السباهي لروايته حوال 50 صفحة لتقرير ميثاق القراءة في نفس متلقيه المفترض، وهو يخوض في مشكلات معرفية ونقدية يقف فيها مطولا عند مشكلة الكتابة، فمن هو الكاتب؟ أو المؤلف الذي يمهر باسمه المبجّل آلاف الكلمات لتنتمي إليه وحده، وما هي في الحقيقة سوى استيلاء منه على كنوز غيره، وقد زاد السباهي الأمر توضيحا – أو غموضًا – حين نسب ما يخطه من كلمات إلى قوة قدرية عليا سمّاها: “الأستاذ”، فهي التي تأمره وتملي عليه، وما له من الأمر من شيء سوى الترتيب والتنسيق، وهو ما يجعلنا على ذكر من مقولات ميشيل فوكو، وجاك دريدا في ميدان الكتابة الفسيح هذا.

يلعب السباهي مع قارئه لعبة الخداع والحيل المستمرة، فهو بعد أن ادعى أنّ ما سيمليه قد سبق له أن أملاه عليه القدر، وإنه يعود إلى حقب بعيدة تمتد إلى عصر الرقم الطينية، يعود قاطعا السرد إلى مشكلة الكتابة مبينا أنها لا أكثر من أن تكون عملية سرقة منظمة: (هذه الرواية يا سادة يا كرام عبارة عن مجموعة من السرقات، لستُ السارق الأول، أكيد هناك من سبقني، وهناك من سيلحقني، وأكيد أكثر أن هناك من يرافقني الآن) ثم يغوص في مفاهيم النص والتناص بطريقته السردية التهكمية فيقول: (لاحظ معي كيف سأقوم بالسرقة، أو بتعبير ألطف وأظرف، وأيضا انظف، كيف سأتملك النصوص وأستثمرها جميعا حتى تصبح نصا واحدا هو نص هذه الرواية، من خلال شرح الكلمات ورصف العبارات سوف أقوم بحذف اسم السارق الأول؛ أعني الكاتب، وأحوّر وأقدم العبارة، أقوم بتصغير وتكبير المكتوبات، أعكس الصور وأجعلها شبحية، ثم أنثر عليها بعض التراب العتيق من روايات وحكايات عتيقة وكلمات بعيدة الغور من كتب لم يعد بالامكان الوصول أو الحصول عليها، ثم أضع لمستي الحداثوية عليها).

إنه يؤكد مرة أخرى أن الكتابة في الحقيقة ما هي إلا عملية (قص ولصق، تلصيق وترقيع، لقد رقّعتُ روايتي حتى استحييتُ من قارئها) وللقارئ أن لا يغفل عن هذا التناص التهكمي الواضح.

أمّا الكاتب أو المؤلف نفسه الذي يقوم بفعل السرقة الشرعي المنظم هذا فعليه أن يبرز ملامح الصورة بطريقة أكثر تفصيلا، فيقول عن نفسه تحت عنوان دالّ هو: “تعالوا لنملأ الحقائب بالأكاذيب والخدع” (أنا محدثكم كذاب أشر، أعمل بنصيحة شيلر: لا تحرموا الإنسان من الكذب، العالم محاطٌ بنسيج مزخرف شاسع من الأكاذيب، لا تحرموه من تخيلاته، لا تدمروا خرافاته، لا تخبروه الحقيقة لأنّه لا يستطيع أن يتحمل قدرا كبيرا من الواقع، ولن يتمكن من العيش من خلال الحقيقة! الخرافة لا تجلب سوء الحظ، دائما نحب أن نعيش في عالم مليء بالخرافة).

يحيلنا هذا الاختيار المحيّر إلى مجالين مختلفين: الأول هو الواقعي المملوء بألاعيب الكذب والخداع في شتى مجالات الحياة التي سيكون لها حضور بيّن في الحدث الرئيس للرواية، والثاني هو المتعلق بالحس الفني الذي يجعل العمل الأدبي، أو الروائي خاصة، ملاذًا لكمّ كبير من الخدع والاستعارات الموازية أو الممثلة للعالم الواقعي التي تتجاور وتتفاعل في النص ليتفاعل معها المتلقي ملتذّا باستجابته لهذه الخدع الظاهرة أو الخفية التي يمررها عليه النص.      

   الحدث بين الواقع والمتخيل:

يخفي السباهي مقدمات الحدث الرئيس في الرواية وهو الغزو الأمريكي للعراق وما مهّد له ونتج عنه، يخفيه بين تقاطعات السرد وتشابكاته التي تدور بذهن القارئ وتهيمن على تخيلاته عبر اللعب باللغة.

وربما تكون الصفحة 57 من الرواية هي أول بادرة مصالحة بين المؤلف وقارئه حين يقدم سردا خطيا واضح المعالم عن الشخصية الرئيسة التي تتخذ من ضمير المتكلم وسيلة للنطق في النص فتتابع سيرة الحياة ومسيرتها منذ الولادة برحلة استعادية تبدأ من مكان محدد هو “المقهى”، ومن زمن مسيطر هو الشيخوخة لعدد محدود من الجلاس لا يزيد عن ثلاثة.

ومن الشيخوخة ينزلق السرد إلى الموت، حيث موت الأب بعد معاناة من مرض استنزف رصيد العائلة وأسلم الأمّ إلى الاقتراض وعبء الديون، وبعد رحلة قصيرة للأم في خضم حياة عسيرة يدهمها الموت ليبقى السارد وحيدا، وهو موت مأساوي لا يخلو من نفحة وجودية تذكرنا بميرسو بطل كامو في “الغريب”، لكن حضور الأم يستمر فتطل في مفاصل الرواية عن طريق الاستعادة أو الاستذكار السردي.

يتمازج الحدث بصورته الواقعية مع الخرافة، فقد جاء التمهيد كبيرا وطويلا لكي يصل إلى الذروة، إذ اجتمعت إشارات تناصية كثيرة تنبئ عن الفاعل الحقيقي للحدث، لكن الكاتب يلحّ مرةً أخرى على الخرافة المصنوعة في الكيانات الورقية التي ينشؤها السرد، وهذا ما يعطينا توازيا مقصودا بين الواقعي والمتخيل قائمًا على التزييف والكذب والخداع المسيّر لحركة الحياة في العالم بفعل التحكم بمفاصلها الرئيسة إذ تمسك بها الأيدي الخفية التي تجيد تحريك خيوط اللعب بمهارة وحذق، وربما يظهر شيء من هذا بهذا الحوار الذي استعار الكاتب تقنيته من المعلم إفلاطون:

  • صه، أيها الوغد المثير للشفقة، أقسم بيهوذا المكابي، إني قاتلك لا محالة، بائس، رخيص، ربما لو تجسد الأسى، ولو منحته الكلمات جسدا لرأيت وجهه في مرآتك، ولو رأيته وهو ممتلئ بالأسى فلن تخشاه.
  • لا عليكم بهذا الكائن الورقي الذي يهدد ويتوعد، إنه ليس سوى أحمق يلبس حذاء غيره، كل ما في الأمر أن هذا الكائن الورقي الذي ينبح أمامكم الآن إن هو إلا من صنع يدي، أخرجته من كتاب أخبار الحمقى لينشر في أوقات السأم بعض المسرة.

قلق المكان:

لم يعد المكان مقصورا في أهميته على كونه الحيز المادي الذي تجري فيه الشخصيات أحداثها، بل هو البيئة المتفاعلة، الدالة بسماتها على صفة الأحداث نفسها وبواطن الشخصايت الفاعلة فيها، لذا نجد له هيمنة كبيرة على السارد وسرده متسما بصفات مختارة بعناية فيغلب أن يكون معتما، أو قديما مهجورا إذ تدلف الشخصية الرئيسة في زوايا ضيقة ومناطق خانقة تقود إلى عفونة المدينة وعالمها الخلفي فيجد السارد نفسه وقد اندفع إلى مقبرة قفراء تزاحمت فيها القبور بغير انتظام، إنها الفوضى المكانية والنفسية الموجعة التي تبدد أي شعور بالأمان.

إن السارد الذي اختار لنفسه اسما غريبا منذ الصغر هو mx ليوحي بارتباطه بالمخابرات الأميركية ينطلق من المكان في استعادة سردية لحياته الأولى المقسومة بين مكانين متناقضين هما البصرة وأميركا، مستذكرا ما تعرضت له أمّه من اغتصاب مدنس – مقدس على يد كبير المهندسين، وليس للقارئ هنا أن يغفل عن الدلالة التي تحملها صفة كبير المهندسين التي تحيل على قوة عليا وفي الوقت نفسه على بعض مصطلحات الحركة الماسونية “الصهيونية” التي كانت لها اليد الطولى في هندسة الغزو الأمريكي للعراق تخطيطا وتنفيذا كما ترى الرواية.   

 يلحظ القارئ أيضا انشطار ذاكرة السارد بين المكانين: البصرة وأميركا، وانشطارا آخر بصورة البصرة نفسها، فبصرة الذاكرة حيث البصرة القديمة هي غير بصرة الواقع. وسرد الذاكرة يضع البصرة موضع الإجلال فيقول عنها تحت عنوان: البصرة جنة البستان: (تلك المدينة التي كانت كالحلم، كل هذا الفن، كل هذه الموسيقى، كل هذا الأدب، لا بد أنها كانت حلما، إذا واتاك الحظ بما فيه الكفاية لتعيش في البصرة وأنت شاب، فإن ذكراها ستبقى معك أينما ذهبت طول حياتك لأنها مائدة السماء..) لكن هذه الصورة تنقلب إلى النقيض تماما حين يأتي السارد مع القوات الغازية، ويستقر به المقام قليلا باحثا عن شواخص المدينة الراسخة في ذاكرته، تفزعه صورة أخرى، صورة مغايرة تماما للمتخيل ينهار معها الحلم ليحل الكابوس الواقعي محله: (بدت البصرة بلدة ميتة، منهارة، على الرغم من محاولتها أن تنهض من عزلتها ولو بخجل، المدينة تبحث عن هوية جديدة، نبذت الهوية القديمة، نزعت المدينة المدنية، نزعت هويتها كمدينة تطل على البحر، كميناء تأوي أفئدة العابرين والغرباء ومن لفظهم البحر إليه، مدينة فقدت بوصلتها واتجاهها. مدينة تتشكل من جديد ربما بشكل آخر أكثر تحولا وأكثر انمساخا مما ظن كافكا نفسه، شخصية هشة، مزدوجة، أكاذيب وخدع، مدينة مومس تبيع وتبيح نفسها لكل المارة والعابرين، تتحول مدينة رابعة العدوية من مومس إلى مؤمنة!)  ..

وإذا كان شارع بشّار من أبرز معالم البصرة التي تعلق في أذهان الشباب المتوهج باندفاعه الجنسي فإن السباهي يقدم لهذا الشارع الذي حملت الرواية اسمه الصورة الواقعية التي كان عليها، ثم ينتقل إلى الصورة النقيضة التي آل إليها ليبرز التناقض بين الصورتين: الأولى التي تتسم بالبساطة والبراءة، والأخرى التي يرافقها النفاق والظهور بأكثر من وجه ولا سيما مع هيمنة القوى التي تفعل غير ما تدعي وتعلن.

من جانب آخر يتخذ المؤلف من شارع بشار أداة للمقارنة، بما فيه من سكارى، وقوادين، ومومسات، وسلطة مرتشية، وهي صور تستقى من الذاكرة حين تستفزها السيدة المبهرة التي تشرف على مجموعة من الاختبارات التي خضع لها في العمل.

 إن شارع بشار الذي كان يمكن أن يكون له حضور مركزي في رواية تقليدية تحمل اسمه يبدو مبعثر الحضور في رواية السباهي هذه فلم ترد له إلا إشارة عابرة غير قطعية جاءت بعد حوالي100 صفحة بإثبات بيت شهير للشاعر العباسي بشار بن برد ت 168 هـ الذي حمل الشاعر اسمه متناسبا مع مجونه وهو قوله:

        الأرض مظلمة والنار مشرقة……. والنار معبودة مذ كانت النار

ثم لا نجد لهذا الشارع ذكرا آخر إلا في مواضع قليلة متباعدة، ولكنه مع ذلك يظل محتفظا بطاقته الرمزية فهو معلم بارز من معالم مدينة عريقة متعددة الأعراق كالبصرة، وهو بما فيه من ممارسات جنسية متاحة للجميع يظل محتفظا ببعض القيم الإنسانية ليكون مقابلا لعالم فاجر ليست لديه أية قيمة محترمة على الرغم من كل ما يدعيه من تمسك أجوف بالحرية وحقوق الإنسان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقابل شارع بشار بواقعه البسيط المألوف أساليب الخداع والكذب والزيف الجديدة التي فرضها واقع جديد جاء مع الغزو الأميركي أو نتج عنه وتمثل بعصابات الجريمة المنظمة التي هيمنت على المكان ومقدرات من يسكن فيه واتخذت لنفسها طرائق مزدوجة في الممارسات التي تتنكر لها علانية وتغرق فيها سرا.

إن رواية شارع بشار تقدم من الناحية الفنية نوعا من السرد المتشابك الذي يخرق قواعد السرد التقليدية منتميا بقوة إلى سرد ما بعد الحداثة، ويكشف من الناحية الموضوعية خواء عالم مزيف مشبع بالفجور والرذيلة وإن غطى وجهه القبيح بستار من الخداع والزيف الذي سرعان ما يكشف عنه المؤلف بمهارة وخبرة فنية عميقة بأحوال السرد والنفوس ليبرزه كما هو من دون حجاب.   

                                        حســــن الخــاقــانــي في 1/ 12 / 2022  

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الطائي : قصة صورة غلاف وقراءة الأفكار.

رغم تمتع الكثير من مصممي الأغلفة بطاقات ابتكارية مبهرة ورائعة، أنتجت الكثير من الجمال الأخاذ …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| حسن الخاقاني : بعد هدوء العاصفة: مقال في بعض مشكلات اللغة…

الآن، وبعد أن احتفلنا مع المحتفلين بالعربية، أسدل الستار على ضجيج الاحتفاء المشبع بكلمات التبجيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *