حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| عبدالحكيم الوائلي : جمر تحت سرير الرماد.

 

عبدالحكيم الوائلي

كانت واقفةَ ببابها كالأخريات، تدعو الزبائن مثلهن بإشارات خفية، فتاةً شاحبةَ نحيلةَ تعافها العيون الشرهة، وبوجود جارة لها شقراء باذخة الفتنة، تكاد فرصتها باصطياد زبون،أن تكون معدومة. تجاهلت غمزة عينها وتعلقت عيناي بالضفيرة الذهبية الطويلة والعينين الخضراوين. بدت لي الشقراء مثل زمردة كولمبية وسط كومة من الحصى، وبدا لي أنها تدرك ذلك بكبرياء يبعث على الشفقة والسخرية معاً، كبرياء بدا في هذا الماخور العفن مثل ثوب ملكي على جسد شحاذة بائسة، وقبل أن أصحو من تأملاتي الغبية أمسك أحدهم بكفها الوردية واقتادها الى الداخل، بحركة تنم عن احتراف ومعرفة سابقة، الأمر الذي أغاظني جداً، فأشحت بوجهي سريعا صوب تلك السمراء التي كانت عيناها ماتزالان مسمرتين بي وتلمعان بسواد حزين ندي.. ودون أن أفكر بالأمر تقدمت نحوها بخطوات آلية فخفت إلي تمد يدها مصافحة وأخذتني الى الداخل، فتبعتها بصمت وقد تنحى الرجل الاربعيني الضخم عن طريقنا مشيحاً بوجهه عني وهو يقرع حبات مسبحته الحمراء الكبيرة بانفعال فتصدر قرقعة رتيبة.
كانت الحجرة رطبة وخالية الا من سرير واطئ عليه فراش طمس الوانه وسخ قديم.. أغلقت الباب خلفنا بإحكام كأنها تخشى أن يفر صيدها الثمين ، وقفت أمامي بصمت، أمسكت بكلتا يدي ، نظرت الي بشغف وحبور كأنها كانت تنتظر قدومي بنفاذ صبر، وعلى غير العادة، سرعان ماتولت الامر بنفسها، وخيل الي انها كانت تفعل بي كل ما كان خيالها الجامح يحلم به طوال سنوات انتظار، فاستسلمت لها تماما فقد كانت تتصرف معي بصدق لم أألفه منهن طوال حياتي الملوثة بالكثير من التجارب المقرفة، لقد فعلت بي كل ما تمنيت ومالم اتمنَ أو أحلم به حتى، وتعمدت أن تطيل الامر بخلاف أمثالها اللآئي كن يعمدن الى الاسراع كما لو أن اللحظات المباعة جمر في أيديهن، والحق أنها كذلك، إذ سرعان مايلقين الزبون ليلتقطن غيره على عجل. ويبدو أن الوقت قد طال أكثر مما يحتمل الوحش القابع عند الباب، إذ سمعته يزمجر بكلام مبهم ينم عن غضب ونفاذ صبره..
قالت: لاتهتم له إنه ينبح هكذا طول الوقت.
باستثناء تلك الملاحظة العابرة، لم ينبس اي منا بحرف واحد غير آهاتها وتنهداتها التي كانت اقرب الى البكاء، واثناء ذلك كان يخيل الي أنها كانت تعاشر جسدا خفيا يقع خلف جسدي.. وأنها تحدق عبر عيني بعينين غيبيتين أعمق منهما. وأخيراً وفي ذروة اللذة فاضت عيناها بدمع غزير وهي تنسل من بين يدي يغمرها حياء غريب،لامحل له من فحش الواقع، وكأنها صحت توا من حلم محرم، ثم توارت قليلا، وسرعان ماعادت بثوب جديد تقطر ماءا . لقد بدت لي في تلك اللحظة أجمل من كل الشقراوات، أمسكت يدي بكلتا يديها كما فعلت أول مرة، وضعت عينيها بعيني بكل أسى الوداع ، ثم استلت من تحت مشد الصدر المبتل ورقة من فئة خمسة دنانير وصرتها في كفي واطبقت عليها اصابعي باحكام، ألجمتني المفاجأة للحظة قبل أن أنتفض معترضاً وأردها لها،
قالت: أرجوك لاتردها، فهي ليست لك بل لهذا الحيوان القابع هناك.. أتوسل اليك أن لاتحرمني لحظة كرامة فقدتها منذ زمن بعيد ، أتدري؟ معك فقط شعرت بانسانيتي مجددا..( ثم أردفت بعد لحظة صمت) ما اسمك؟
كنت على وشك أن أرد حين وضعت سبابتها على فمي وهتفت: لا..لا! لاتقل شيئاً، دع لي الاسم الذي أعرفه.
فتحت لي باب الحجرة وهربت هي الى الداخل مسرعة كأنها لاتريد أن ترى طيرها يفر من القفص الى الابد، خرجت يتولاني العجب من كل مارأيت وسمعت، كانت يد الوحش ممدودة تعترض الباب وضعت بها المال وأزحتها جانباً ثم انطلقت في الشارع حيث لمحت الشقراء بكبريائها المهلهل واقفة ببابها وقد كانت أقل جمالاً مما بدت أول مرة، فلم ألقي لها بالاً وواصلت طريقي، وقبل أن أنعطف عند ناصية الشارع شعرت بنظرة تخز قفاي ، تسمرت مكاني ثم استدرت ، كانت تتكئ على الجدار، تتعقبني عيناها من بعيد، شعرت بفضول لايقاوم لمعرفة سرها فعدت، كانت تعد خطواتي بلهفة وهي تقترب منها رويدا رويدا ومعها كانت عيناها تتسعان.. ياللـــه! إن الفتنة في عيني امرأة محبة تتجاوز كل جمال..
وقفت أمامها صامتاً فقالت وقد تهدج صوتها واغرورقت عيناها بالدمع: تريد أن تعرف؟ حسناً..لو لم أكن قد أهلت عليه التراب بيدي هاتين لقلت أنك هو، هو الذي أخذه إعصار الحرب مني مبكراً، وألقى بي الى هذه المزبلة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| عبدالحكيم الوائلي : الشرفة الزجاجية الزرقاء .

   برهبة وجوده السري الغامض، خلف الزجاج الأزرق لشرفة قصره، كان يبسط سطوته على رعاياه …

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *