ناطق خلوصي : توجّس

اكتظ الممر بحركة المضيَفات وهن يساعدن المسافرين والمسافرات في التعرف على أماكن الجلوس حسبما هو مؤشر في تذاكر السفر ومالبثت الحركة أن سكنت بعد دقائق حيث اكتمل العدد ، لكن الضجيج كان يتواتر بلهجات ولكنات مختلفة وقد أنغلقت الباب وسُحب سلّم الصعود إيذانا ً بقرب اقلاع الطائرة  الجاثمة على مدرج المطار ، وإذ طال مكوثها  بدأ طائر القلق يتقافز هنا وهناك ويحط على عقارب الساعات وينقر في الصدور الوجلة ، لاسيما ان المضيّفات انسحبن ألى أماكنهن الخاصة ربما ليتحاشين لجاجة الأسئلة عن سبب هذا التأخر . أما هو، الساكن ملتمّا ً على نفسه ،  فقد تلبّسه قلق مضاعف  ..قبل تلاثة أيام هاتفته أمه :
ــ  لقد أخذوا أخاك !
شعر لحظتئذ ٍ كأن الأرض تميد به ، أخوه هذا هو بقية أبيه الذي ائتمنه عليها . يتراءى له أبوه على فراش الموت ويسمع صوته الخافت يحشرج عبر حنجرة واهنة : ” أَتركُ أخاك أمانة بين يديك فلا تتخلى عنه . ”
الجالس الى جواره شاب نحيف بوجه اسمريشوبه اصفرارفاقع يبدو معه انه من تلك البلدان الموبوءة بالمجاعة  والموت بالمجان  حيث لا يجد الناس ما يسد أودهم ويسكت صراخ أطفالهم  وليس بعيدا ً عنهم تكتظ مكبات الأزبال بفضلات ما يرميه البطرون بعد كل وجبة من وجباتهم المترفة .. لعل هذا الجالس الى جواره والذي لم ينبس ببنت شفة منذ أن احتل مقعده ولم يكن قد ألقى تحيته عليه ، في حالة ترحال بحثا ً عن فرصةعمل ، ربما لم يجدها في القاهرة التي ضاقت به على سعتها وهاهو في طريقه الى دمشق بحثا ً عن مثل هذه الفرصة . قد يلعن أباه الآن لأنه زرع بصقة من سائله في رحم أمه  ليخرج الى الدنيا عاريا ً ويظل عاريا ً من كل شيىء حتى الآن . ما الذي يخفيه هذا الشاب النحيف الأسمر المصـفرالوجه بين قدميه ؟ انه يبدو قلقا ً أو ربما خائفا ً .

يراه ينحني ببصره كل عشر دقائق ليتفقد به هذا الذي بين قدمية . ساوره الشك في ان هذا الشاب ربما يخفي قنبلة ينوي تفجيرها حين تحلق الطائرة في الجو . هذا محتمل لاسيما ان تفتيش الركاب لم يتم عندما غادروا صالة الانتظار ، ولعله هو سبب تأخر اقلاع الطائرة . ربما أحس أفراد طاقمها بذلك وهم بانتظار رجال الشرطة للقبض عليه . نظر عبر النافذة وأطال النظر في انتظار أن يظهر رجال الشرطة وخبراء المتفجرات . سيخلون الطائرة إذن وقد تنفجر القنبلة اثناء عملية إبطالها أو قد يستغرق التحقيق ساعات وهو يريد أن يصل في اسرع وقت . ما ان تحط الطائرة في أرض مطار دمشق حتى يهرع بالخروج حاملا ً حقيبة ثيابه ، يستأجر سيارة احرة تنقله الى ساحة العراقيين في السيدة زينب ويبحث عن حافلة تنتظر راكبا ً أواثنين لتبدأ المرحلة الثانية من هذه الرحلة التي لا يدري ما الذي سيحل به في نهايتها وهو يعود الى بلده وحيّه الذي رحل عنه منه قبل خمس سنوات . أيكون كل شيء قد أصبح طي النسيان الآن أم أن رصاصة ما زات تترصد عودته وتتعجله لتستقبله على أحسن ما يكون ؟ قال لأمه :
ــ من الذي أخذه ؟
قالت :
ــ ثلة من رجال لم أتبين وجوههم أو أتعرف على زيهم خلل  ظلام دامس .
ــ وما ذا قالوا لك؟
ــ قال أحدهم بلكنة بدت غريبة : لا تقلقي  . سنعيده اليك بعد قليل .
الذين سبقوهم كانوا يقولون ذلك ايضا ً . قد يعيدون من أخذوه بعد عام أو أكثر، محطما ً لا يقوى على الحركة ، وقد لا يعيدونه الى الأبد . ما الذي اختلف إذن ؟
لماذا تأخر اقلاع الطائرة ولم يأت رجال الشرطة وخبراء المتفجرات بعد، وهذا الجالس الى جواره ما زال مسكونا ً بالقلق على ما يبدو وربما بالخوف ؟ لا يدري .  . أيكون اعتقاده بخوف هذا الجالس الى جواره مثل جثة محنطة ، انعكاسا ً لخوفه الداخلي هو ؟ لا ينكر انه خائف . خائف حقا ً . ولماذا لا يخاف والأخبار القادمة من هناك لا تنبىء بخير ؟ خمس سنوات وهو يضع رأسه على وسادة الاطمئنان . للأشهر الثلاثة الأولى منذ مجيئة ظل بلا عمل ، يعتاش على ما كان جلبه معه من نقود ، وما لبت أن وجد عملاً لا يدع له فرصة أن يحك رأسه إلاّ في يوم الجمعة حيت يجد متسعا ً من الوقت يزجيه في التجوال . ينزل الى ” وسط البلد ” أو يتجول في ” الموسكي ” وقد يجلس في مقهى صغيرة في منطقة ” السيدة “، يتوقف طويلا ً عند انحناءات الجسور ويطل على النيل ، يتمشى في ” شارع الهرم ” عصرا  ًوقد يدخل دارا ً للسينما ، وما يلبث أن يعود الى مأواه في ” 6 اكتوبر ” . هكذا ظلت حياته تجري برتابة طوال هذه السنوات الخمس ، آمنا ً على نفسه وقد ابتعد عن خياله شبح الرصاصة القاتلة ، مطمئتا ً على أمه وأخيه من خلال الهاتف لا يشغل باله بما يمكن ان يواجهانها من صعوبات العيش  .  ليرحم الله أباه . لقد ترك لهما مرتيه التقاعدي وبيتا ً اقتطع من جبهته المطلة على الشارع العام ما أتاح بناء ثلاثة دكاكين وشقة وهي تدر مجتمعة ً موردا ً ماليا ً مضافا ً . ولكن آه من أخيه ! هاتفه قبل عام وهاهو صوته يرن في أذنيه مختلطا ً بضحكته :
ــ  لقد دخلت منطقة الخطر !
أجفله ما يسمع . قال مرتبكا ً :
ــ ماذا تقول يا ولد ؟ !
ــ لقد امتدت يدي الى كتبك التي كان الاقتراب منها محرما ً عليّ من قبل .
ــ لماذا غامرت وفعلت ذلك ؟
ــ لم أعد صغيرا ً .
ما الذي سيفعلونه به يا الهي؟ انه مثل غصن غض ، ينكسر بسهولة وهم قادرون على كسر الجذوع المتينة وليس الأغصان الطرية لوحدها .
سرى لغط متصاعد على حين غرّة وانتبه الى نفسه فوجد المضيّفات .قد عاودن الظهور من جديد ينشرن على وجوههن ابتسامات عريضة تبعث على التفاؤل لكنهن أقفلن أفواههن على سر تأخر إقلاع الطائرة ، وها هي الطائرة تدرج على مدرج المطار وما تلبث ان تحوم في سماء القاهرة قبل أن تبدأ بالابتعاد عنها .
يحتل المقعدين اللذين أمامه رجل وامرأة تلتف بعباءة سوداء . كان واضحا ً انها زوجة الرجل وانها تسافر بالطائرة لأول مرة . سمعها تتمتم عن شفتين مرتجفتين ” الله لا إله إلاّ هو الحي القيوم . ” والرجل يحاول ان يهدئها وتلوم هي نفسها لأنها أطاعته ووافقت عل السفر معه بالطائرة . ما إن تمر الطائرة بمطب هوائي حتى تكاد تصرخ . التفت اليه الرجل . قال مرتبكا ً :
ــ ألا تعرف متى نصل  ؟ انها خائفة جدا ً لا أدري ما أفعل .
ردّ :
ــ ربما بعد ساعة أو أقل .
وخاطب المرأة :
ــ  انت مؤمنة . لقد سمعتك تقرأين آية الكرسي قبل قليل . ليكن ايمانك قويا ً . انظري حولك : نساء وشيوخ واطفال لكنهم جميعا ً هادئون . ما تمر به الطائرة أمر اعتيادي .
بدا ان المرأة اطمأنت فليلا ً . التفت زوجها . قال :
ــ  هذه هي المرة الأولى التي تسافر فيها بالطائرة .
قال :
ــ من العراق ؟
هز الرجل رأسه بالإيجاب . عاد يسأله :
.ــ كيف قدمتم الى مصر إذن ؟
ــ بالسيارة عن طريق العقبة  ، لكننا لم نجد سبيلا ً للعودة الأ بالطائرة .
ــ سياحة ؟
وسمع المرأة تنفجر بالبكاء  . شعر بالندم وحاول أن يعتذر قال :
ــ آسف . يبدو أنني نكأت جرحا ً كامنا ً
ــ لقد ألحت عليّ أن نزور ابننا المغترب هنا منذ بضع سنوات لأنه لا يستطيع العودة الى العراق بسبب الظروف ”
انتبه الى ان الرجل خفض صوته عندما نطق اسم العراق . قال له :
ــ إطمئن . أنا أيضا ً من العراق وجرحي هو جرحكم نفسه  . ألم تطمئنا على الولد ؟
ــ فعلنا وهو بخير والحمد لله  ولكنها كانت تتمنى أن تعود به معها قخطيبته تنتظر منذ غادر . أقول لها اننا سنأتي بخطيبته ليتزوجا في مصر .
ــ  فكرة عظيمة عجلوا بها إن كنتم قادرين على ذلك . وسأحضر العرس إذا ما كتب لي أن أرى القاهرة مرة أخرى .
شغله حديثه مع الرجل وزوجته عن متابعة الشاب الذي يجلس الى جواره . لا شيء جديد . كل شيء هو على ما عليه . مازال جالسا ً دون حراك لكنه انتبه الى انه اختلس منه نظرة من زاوية عينه . أيكون قد انتبه الى ما دار بينه وبين الرجل ؟ مد بصره وخيل اليه ان الشاب ما زال يضم قدميه على شيء ما . ما هو هذا الشيء ؟
في المقعدين اللذين وراءه رجلان من بلده أيضا ً . سمع أحدهما يهمس لصاحبه :
ــ انظر ! لقد بدأت الطائرة تحلق فوق الغيوم !
احتد صوت الآخر :
ــ لا تكفر وتحمّلني ذنبا ً .
لاذ الآخر بالصمت . وما لبث ان سمع الرجل الذي كان قد احتج يقول بصوت معتذر :
ــ حقا ً انها تحلق فوق النجوم . قدرتك ياالهي . قادر على كل شيء قدير .
أرجع هو ظهره الى الوراء وأغمض عينيه لكنه ما لبث أن فتحهما وقد استبدت به نوبة قلق وارتفعت حمى توجسه . لمح احدى المضيفات تمر فنهض وساورته الرغبة في ان يلحقها ويختلي بها جانبا ً ليفصح لها عن شكوكه بالشاب الجالس الى جواره . وحيث أوشك أن يفعل ذلك داهمه صوت قائد الطائرة : ” نعتذر من مسافرينا الأعزاء عن التأخير الذي حصل . لقد واجهتنا مشكلة فنية ونحن في مطار القاهرة وقد تغلبنا عليها والحمد لله وها نحن نحلق فوق دمشق وسوف نحط في مطارها بعد قليل ” .
انتبه تلك اللحظة الى ان الشاب الجالس الى جواره قد نهض وبدأ بالتصفيق ففعل المسافرون ما فعل . تهاوى هو هلى مقعده ومد بصره الى قدمي الشاب فلم ير بينهما شيئا ً.  ما هذا الذي حدث يا الهي ؟ تلك اللحظة فاجأه الشاب وهو يلتفت إليه ، مادا ً له يده ليصافحه ، مهنئا ً بسلامة الوصول !

  ايلول 2011

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــــــري بـمـوقـعــنــــــــا
| محمد الدرقاوي : التاكسي 75…

“ساكن جديد حل بالحي” ، هذا ما أسر به عامل مقهى في أذن مقدم الحي …

| د. ميسون حنا : كرة .

ضرب أحدهم كرة، تدحرجت بعيدا، حاول الكثيرون الإمساك بها دون جدوى، اختفت عن الأنظار وتوغلت …

تعليق واحد

  1. صديقي الغالي ناطق خلوصي روائي وقاص رائع ومترجم وناقد درامي وسينمائي و..و.. ماذا بعد .مهما قلنا بحقه من مديح يتضائل امام منجزه الابداعي انه مبدع عراقي تتشرف به الثقافة العراقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.