حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| غانم عمران المعموري : الانتقاء المحسوب للأحداث في رواية ( الخدم في إجازة ) للروائي العراقي عبد الزهرة عمارة.

غانم عمران المعموري

يلجأ بعض الكُتّاب إلى وضعِ استهلالاً يمثَّل تجسيداً لصورة دراميّة مشهديّة و حَرَكيّة فاعلة تُشكّل النقطة المحورية الّتي تُلفت انتباه القارئ ويكون بتركيز واختصار شديد والإيحاء إلى حالات التأزم النفسي أو الوصف الجمالي للشخصيات أو الطبيعة أو المكان الذي تدور حوله أحداث الرواية والمراوغة في تداخل الأزمنة واستخدام تقنيّة الاسترجاع وهذا ما سار عليه الروائي عبد الزهرة عمارة في روايته ( الخدم في إجازة) الصادرة من دار أمارجي للطباعة والنشر في طبعتها الأولى لعام 2010 بعدد 160 صفحة .. بدأ الراوي سرّده باستهلالٍ مكثّفٍ ومختصرٍ بكلماتٍ وصفيّةٍ عن شخصية وضع اسمها في بداية الاستهلال ( سفانة ) دون أن يكشف حالتها وهذه أولى المهارات الابداعية الّتي تُحسب للكاتب في استدراج قارئه واثارة فضوله لتتبع الأحداث لمعرفة حكاية ( سفانة) وما علاقتها بالعنْونة الّتي تربعت على ظهر غلاف الرواية كبوابة

وواجهة اعلاميّة اشهاريّة للعمل الروائي..
انتقل الراوي العليم من الاستهلال المختصر إلى تسلسلٍ يسرّدُ فيه أحداث جديدة في مكان ( قرية السعدية ) وظهور شخصيات ( سلامة بائعة اللبن ) و( حسن البلام ) واستمر في الوصف الجسماني للشخصيات والحالات النفسية الّتي تعتَّريها خلال مُعترّك اجتماعي ضمن اعراف وتقاليد تُسيطر على سير الحركة الاجتماعية والحياة المعيشية في تلك البقعة ( القرية ) وما يسودها من أحكام تصدر من قبل شيوخ العشائر و الّتي يكون فيها القانون ضعيف ..
ظهر اسم الشخصية الرئيسة ( سفانة ) في الصفحة (18) بعد إن ذكر عنها بعض المواصفات الجسمانية في الاستهلال ما قبل السرّد .. سفانة البنت الوحيدة الّتي كانت ثمرة حب وزواج بين سلامة بائعة اللبن وحسن البلام .. واستمرت الاحداث حتى وفاة والديها وبقيت يتيمة الأب والأم وتكفلها شيخ العشيرة وهي ذات جمال باهر ..
يتجه الكاتب في طريقة سرّده للأحداث إلى الواقعية والابتعاد عن المثاليات والتكهنات والغوص إلى أعماق المجتمع لكشف مظاهره وتعريّة التقاليد والأعراف البالية من خلال شخصيات استطاع الراوي العليم

الباسها زيَّ الواقع الاجتماعيّ وانخراطها ضمن تلك العادات والسلوكيات الّتي كانت سبباً في حصول التفكك و الانحدار الخُلقيّ ونشوب الصراع و الاقتتال العشائري كما حصل للشخصية الرئيسة ( سفانة ) ومحاولة شيخ العشيرة تزويّجها من ابن أخيه رغم رفضها ولو لا تدخل زوجته الّتي منعت ذلك الزواج بدهاء وحكمة لكانت سفانة ضحية زواج قسري ..
ويظهر دور الكاتب في الرواية الواقعية كناقدٍ للمظاهر السلبية في المجتمع الّذي يعيش فيه من خلال سلسلة الأحداث الّتي صاغها بحرفيّةٍ وابداع وخلق شخصيات من خياله لكنها تنطبق على شخصيات واحداث حقيقية حصلت و تحصل في المجتمع ولا سيما المجتمعات العشائرية والّتي يسوّد فيها حكم القوي ويضعف فيها القانون وبذلك تكون المرأة ضحية تلك الأحكام القسريّة الّتي تقيد حريتها في الزواج وغيرها من الحقوق الشرعية والقانونية .. كما أنه سلط الضوء على سلوكيات بعض الشيوخ وتسترهم خلف قناع الدين للحصول على مآربهم الشخصية كما في ( سبحان ربي العظيم وبحمده تذكر شيئاً… كان يفكر بأرداف الخادمة السمينة البيضاء اللحم .. فنسي سورة الإخلاص .. الدنيا هنا مجرد غطاء يحتمي به أغلب شيوخ

العشائر..)ص25..
وهنا يظهر دور الكاتب في توجيه النقد اللاذع لظاهرة التستر والاختفاء خلف قناع الدين وظواهر أخرى تطرق اليها ( زواج النهوة , والفصليّة وغيرها من ظواهر) وهذا ما نجده في كثير من الروايات الواقعية الّتي يكون فيها صوت الراوي العليم هو الطاغي والمُهيمن على زمام الأمور وتوجيه دفة السرّد وبيان رأيه الصريح واعطاء الحلول في حين نجد الكثير من الروائيين يبتعدون عن ذلك الأسلوب ويطلقون العنان للشخصية هي الّتي تُحدد مصيرها وتُصرّح عن أفكارها دون تدخل من قبلهم وكما أنهم لا يعطون أي رأي ولا يوجهون النقد وإنما يبقون على مسافة مُحددة دون اختراقها تجنباً من الوقوع في شبّاك الانحياز ويتركون كشف الامور الى القارئ الفطن ..
عبأ الكاتب البُنيّة السرّدية حمولات تتضمن توجيه أنظار المتلقي إلى ظواهر سلبية استطاع رصّدها من الواقع الاجتماعي الّذي خَبَرَ أحداثه بنفسه من خلال تحرّك الشخصية الرئيسة والشخصيات الثانوية ورسم ملامحها وبيان حالات التأزم النفسي الّذي رافقها وتصوير ابعاد تاريخية و اجتماعية وسياسية ترتبط بالاحداث ارتباطاً وثيقاً من خلال تصويره للمشاهد

الواقعية النابعة من صميم المجتمع وبيان الفترة الزمنية ( 1991) وما حصل من هرج وفوضى وكسر السجون في البلاد وهروب السُجناء ( عام 1991 … بدأت الفوضى تعم البلاد أثر أنسحاب الجيش العراقي من الكويت بالقوة من قبل الجيش الأمريكي بعد معركة غير متكافئة …)ص143..
تمكن السارد العليم من خلال نمو الاحداث التدريجية تفكيك البنية الاجتماعية خلال تلك الفترة وضمن رقعة جغرافية محددة لها صفة الشمولية على الأماكن الّتي تتشابه وتقترب فيما بينها بالعادات والتقاليد والاعراف العشائرية ليستطيع المتلقي تكوين رؤية شمولية محسوسة تُساعده في حساب ومعادلة بين الماضي والحاضر وما يمكن أن يكون عليه المستقبل من تغيير لتلك الاعراف الجائرة الّتي كبَّلت وقيدت المرأة وحرمتها من ممارسة أبسط الحقوق المشروعة أما بقي الانسان الحاضر أسير الماضي وأسير تلك القيود ولا يستطيع التحرر منها .. وقد رصَّد لنا الروائي عبد الزهرة ظاهرة لها أثر كبير في المجتمع العراقي تتعلق بالمرأة وما يقع عليها من جور وظلم من خلال مصير الشخصية الرئيسة ( سفانة ) الّتي كانت ضحية تلك التقاليد والجهل والتخلف والثأر والانتقام وبذلك تُمثّل تلك

الرواية الواقعية تجسيد لحركة المجتمع وأثر تلك الظواهر في كافة المستويات الاجتماعية والأيدولوجية والنفسية على الفرد والجماعة ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. رحيم الغرباوي : البراجماتزم في مجموعة مثلي لايكتفي القمر بنجمته للشاعر حسن سالم الدباغ .

   لما كانت الحقيقة ، هي القيمة الفورية للفكر بوصف الفكر مرآة ضرورية للحقيقة الخارجية …

| عصام الياسري : جماليات لغة الشعر في فضاءات.. فارس مطر .

استضاف مؤخرا “بيت الأدب” في برلين Literaturhaus Berlin لأمسية شعرية موسومة “الفرات، النخيل… مازلتُ أتنفس” الشاعر العراقي المقيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *