| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

صالح الرزوق

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. وتتجلى في هذا العمل الذي ينوف على 70 صفحة في مسودته الأولى الخطوط العريضة لمعنى الهجرة والغربة في أدبياته.
وتوجد عدة ثيمات ومحاور لا تخلو منها إحدى رواياته المهجرية.
الأولى هي الاحتفاظ بخيط رفيع مع الوطن. فهو دائم التفكير بالمشاكل الأساسية التي يعاني منها العراقيون. وإذا كنت لا أستطيع أن أقول إنها سياسية، فهي أمنية في كل الحالات. ويشترك بهذا الاتجاه مع أحد زملاء دربه وهو حميد العقابي. فهو أيضا غير سياسي، لكن لديه هموم حزبية، أو انتماء يفرضه وعي تنظيمي بالمجتمع والدولة.
وغالبا ما يفر أبطال الشيخ عسكر من أوطانهم هربا من مجتمع الدولة. حتى أن روايته “ربيع التنومة”(1)، وهي ذات إطار سياسي بامتياز وتتناول انتفاضة رمضان في الجنوب، تصور لنا بطلا أعرج يحمل قناعات عشيرته وأسرته، و هي بالأساس ذات خلاف مذهبي مع دين الدولة. ولا شك عندي أن مجتمع الدولة هو إفراز موضوعي لحالة إدارية و ليس لحالة إيديولوجية، و أفراد هذا المجتمع يرتبطون بهيكل النظام دون أن يستوعبوا روحه. وبغلب عليهم الاندفاع العفوي أو ما يسميه علي الوردي في دراساته لاشعور المجتمع. وهو نفسه ما يسميه ابن خلدون في مقدمته بالعصبية.
والتعصب والارتباط الأعمى تحركه دوافع أنانية يمكن ربطها بواحد من اثنين .. إما المصالح المؤقتة أو علاقات الثقة . وهي بدورها نتاج لتطور ناقص في الحضارة.
وقد قدم لنا الشيخ عسكر عدة أمثلة عن هذا المسار في روايته “قصة عائلة”(2). ومع أنها غير مهجرية لكنها تمهد بالضرورة للاقتلاع من المكان. أولا من البصرة إلى بغداد. وثانيا من بغداد إلى إيران. وهذه الخاتمة هي مشروع روائي بنى عليه العقابي أكثر من نصف رواياته، فالبحث عن طريق آمن إلى إيران، مجرد محطة، أو تمهيد للبحث عن ملجأ دائم في أوروبا الغربية.
ولا يغيب عن ذهن الشيخ عسكر في معظم أعماله هذا التدرج بالهجرات قبل اللجوء النهائي. ولكنه لا يأتي إلى الغرب عن طريق إيران، وإنما من أوروبا الشرقية، موسكو في “زيزفون البحر”(3)، وبولندا في “علاء الدين”(4).
وأعتقد أن هذا يؤهله ليكون بصف واحد مع الخلعاء أو المنشقين. فالعقابي ينشق على إيران، والشيخ عسكر ينشق على كتلة حلف وارسو. مع ذلك لا ينسى إدانة أمريكا وإسرائيل من داخل أوروبا، و هو نصف موضوع

قصي الشيخ عسكر

 روايته الحالية “أسماك وأصداف”. لكنه في النهاية يقترب من منظومة الأنتلجنسيا القلقة التي تبحث عن حل ديمقراطي لمشكلة الفقر المزمن و أنظمة الطوارئ المتورطة بحروب دائمة. ويعيد إلى الذهن بهذا التوجه سيرة انشقاق نابوكوف وسولجنتسين (من روسيا) وسيرة زاغاييفسكي وميوش (من بولندا). وطبعا ينسحب هذا الكلام على الأزمة الساخنة الحالية التي فجرتها أوكرانيا. فطلائع المنشقين على روسيا الاتحادية أصبحت لهم أصوات مسموعة في الغرب وفي الشرق الأوسط، والصورة لم تتضح حتى الآن، وقد تنشأ تفاهمات تلغي هذا السيناريو الدموي، وهو ما يؤخر اشتهار هذه الأصوات أو أنه يمنحها فرصة قبل ارتداء قناع المعارضة في الخارج (ومن هؤلاء أذكر فلاديمير سوروكين ولودميلا أولتسكايا – وكلاهما روسي).
ومن هذه النقطة المفصلية بالذات تنشأ ثاني ثيمة في روايات الشيخ عسكر، وهي أن شخصياته الأساسية، عدا أنها بلا وعي سياسي ناضج وواضح، فهي أيضا شخصيات تجارية، تفكر بنشاط السوق، وبدورة البيع والشراء، بمعنى آخر هي مهمومة بلقمة العيش وليس بالوضع الحضاري ولا الوجودي، وهذا يرشحها لتكون شخصيات اجتماعية نمطية. مثلا بائع سمك في “أسماك وأصداف”، صاحب مطعم وسوبر ماركت في “علاء الدين”، شريك في مخبز في “زيزفون البحر” وهلم جرا.
وبهذه الطريقة يترك مساحة رمادية بينه وبين شخصيات العقابي، أو شخصيات كاتب من رعيل سابق وهو برهان الخطيب. فالاثنان يختاران شخصيات من البيئة العسكرية أو من طاقم التربية والتعليم، أو من بيئة الصحافة. ويصور الخطيب شخصيات تعمل في الإذاعة والتلفزيون وفي الترجمة لدار حكومية وما شابه ذلك.
وأعتقد أن الهم الحياتي عند الشيخ عسكر يساوي بين فترات حياة أبطاله، فهم من عامة الناس قبل الهجرة وبعدها. ولا تجد عنده شخصيات مثقفة إلا في أعماله العربية، حيث يكون مسرح الأحداث في بلد عربي -لبنان في “الصيد الملكي”(5) والمغرب في “الرباط”(6).
وأعتقد أن هذا الخلاف ببن الهجرات له ما يبرره. فوعيه بقضايا الشعوب العربية يبدو من أعلى، في حين أن فهمه للحضارة الأوروبية يكون من الأسفل. وهذا يعود لخبراته العملية، فقد اغترب في سوريا للدراسة، لكنه عمل في الدانمارك وإنكلترا في حرف يدوية لتسهيل مجال الحياة فقط.
تبقى نقطة أخيرة أن أسماء العلم الأجنبية -أمكنة وأشخاص تتضاعف باستمرار، و أن غرامياته تتجه نحو المرأة الغربية، ويضعف أمامها ولعه بالنساء العربيات. وهذا يؤكد أن هجرته ليست مجرد نزوة وإنما هي رغبة وتجره إلى حفرة عميقة وتورطه بمشكلة الشخصية الهجينة. الأمر الذي يسبب له أعصبة وصدوعا نفسية يصعب تخطيها. وتجد مثل هذه الحالة بأفضل صورها في الشخصيات الأفرو أمريكية. فالأسود الأمريكي لا يستطيع أن يتغاضى عن لونه، و هو حائر دائما بين وجهين. أحدهما واقعي و هو أسود، والآخر فانتازي أو مرغوب وهو الأبيض. وينشأ عن ذلك صراع عاطفي بين الظاهر والباطن، وتستخدم الرواية السوداء في أمريكا هذا المصعد الدرامي لزيادة التوتر ولتحقيق اختراقات في مجال الرغبة – الثقافة والحضارة أو رفاه وسعادة المجتمع المدني.
ويمكن رصد موجة فرانكوفونية تتجه بهذا الاتجاه، ومن أهم أمثلتها ماري ندياي مؤلفة “طقس سيء” و”ثلاث نساء قديرات” وليلى سليماني مؤلفة “الأهزوجة” . وبدأت الظاهرة تنتشر في إنكلترا وأهم من يمثلها في الوقت الراهن ديانا إفانز مؤلفة “أناس عاديون” وبرناردين إفريستو مؤلفة “امرأة وبنت وآخرون”.
ختاما. لا يزال قصي الشيخ عسكر يطور أدواته، ويفتش وينقب باستمرار عن شخصية انتقالية ترفع الهم الوطني إلى مستوى إشكال حضاري. وقد ساعده ذلك على إنجاز شخصيات ناضجة وفي نفس الوقت على تقديم خطاب درامي له بنية متكاملة أو في أسوأ الأحوال بنية مستقرة.

هوامش
1-4 صدرت هذه الروايات بطبعة أولى عن دار أمل الجديدة في دمشق.
5-مؤسسة العارف للمطبوعات. بيروت.
6- دار ليندا، السويداء، سوريا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.