حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

عباس خلف علي

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد وإنما أنضوت في تحليلها تحت منطقة ضليله يراد منها أبراز مفاتن المصطلح على حساب النص، وهذا ما دفعنا بتواضع لمناقشة هذه الظاهرة بحوار هادف وبناء .

من الواضح أن السرد جامع لمكونات تعبيرية متنوعة كالوصفي، والإخباري، والمجازي، والرمزي والسحري والتجريبي وكل منها ينتمي إلى أسلوب معين في التعبير ولا يهمنا في هذا المقال أن نستطرد  التعدد والتنوع في الأساليب السردية بقدر اهتمامنا بالمصطلحات التي يبني عليها التحليل مفاهيمه الفكرية، والثقافية، والأدبية حول المتن السردي .

    إذ أن الاستعانة بالمصطلح لا تعني الدلالة العلمية الثابتة، فالمعاني داخل النصوص مراوغة الصور غير مستقرة أساسا وكل ما بني حولها هو مجرد اجتراح قد يفيد المعنى أحيانا وقد يغير المعنى أحيانا أخرى، فلا يمكن الهيمنة عليه اصطلاحيا، ومن هذا المفهوم العام ينطلق الأدب من قيمته المثلى في التعبير الفني عن الأشياء، وبالأخص السرد فإنّ عالمه قائم على  ثلاث ركائز مهمة وهي الحكي، والروي، والقص، وكل واحدة منها تعضد الثانية في السياق اللغوي والدلالي الذي يساهم في تجسيد المعنى المجازي سواء كان في المفردة أو الجملة التي تسعى لبناء نسق ذي علاقات مختلفة، تحيل إليه أو عليه الوظيفة المرجعية، وهذا ما أكده محمد مفتاح من أن النص مدونة ذات حدث كلامي ذي وظائف متعددة، لها جملة من الخصائص الصوتية والدلالية والبلاغية التي تشكّل بدورها ميدان التجربة الإنسانية، وفعالية النص أنه يعيد ترتيب هذه التجربة إلى ما يسميه بارت بلذة النص وهذا ما أكده القرطاجني في الجمع بين النص كنظام لا يخلو من المعارف والمرجعيات والتجارب والنص كلذة.

    إذن النص باعتقادي المتواضع  هو كائن افتراضي يستمد قوته من الخيال والواقع والأحداث وهو محصلة وافرة لتجليات القراءة / الكتابة / وهو أيضا فعالية قائمة على الممكن والمحتمل التي منها انبثقت روائع النصوص الإنسانية مثل –دون كخوته، وأرض اليباب، والإلياذة هوميروس، وملحمة كلكامش، وأوديب، والملك لير، والف ليلة وليلة، والمقامات على مختلف أشكالها وألوانها التي أضاءت سفرا من الإبداعات اللاحقة، وهذا يعنى أن الأدب الحقيقي هو ما يفتح إفقا للخيال والتخليق، ويمنح فرصة للتماهي مع الأشكال الإبداعية المؤثرة وهكذا نرى مثلا أن يوسف الصائغ  قد أستلهم من مسرحيات شكسبير وكتب –دزدمونه- كما أن الشاعر الألماني جوته لم يكن مبتكرا لشخصية –فاوست- فضلا عن أنها شخصية حقيقية ظهرت في المسرح الشعبي ومسرح الدمى وشيء  يذكر أن المسرحي البريطاني المعاصر لشكسبير ما رلو قد سبق جوته بكتابة مسرحية -مأساة الدكتور فاوست – وكتب فؤاد التكرلي مسرحية -أوديب الملك السعيد- متأثرا بأدب المسرح الشكسبيري .

  إن تاريخ الإبداع هو ذاكرة النصوص بلا شك نابضة بالحياة تعبر بحساسية كبيرة عن ضغوط العصر ومتغيراته وما يطرأ من تغير في سلوك الناس ومجريات الأحداث والتاريخ ، فالمجتمع كما يقول مرتاض بحاجة ماسة لمن يعكس همومه ويفتح أمامه آفاقا جديدة في قراءة الواقع  .

    ما نريد أن نقوله باختصار بأن الأدب السردي هو عالم من التخليق المستمر وما يحف ذلك من تصورات وإيحاءات وافتراضات، ربما تكون قريبة من الواقع؛ ولكن ليس بالضرورة أن تتطابق معه .

فلسفة المفهوم ومراوغة هوية السرد :

   لا نغفل أبدا أن بعض النصوص تتأثر بالمفاهيم والنظريات والمصطلحات خصوصا المتعلقة بمفاهيم النقد السردي، أو ما يطلق عليه بعلم السرديات و(نحن نتحفظ على مفردة العلم صراحة ولا مجال للخوض فيها )؛ لأنه ببساطة اختلاف الدرس في النظرية، والتكوين، وبناء  الشخصيات، ومفهوم الرؤية السردية، وبنية المكان، وصيغة الحكي، والتناص عند جوليا كرستيفا، والتداعي الحر عند فرجينيا وولف، والنص الجامع ( النص المفتوح )عند جيرار جنيت،  والعوامل وهو المفهوم المعروف عند غريماس حول الشخصية وتحويلها إلى عنصر، جميعها تعقب النص وليس العكس كما  يعتقد  البعض ، أن  هذه التقنيات هي النموذج  المناسب لبنية النص وتشكيله وهذا ما أوقع الكثير من النصوص بمتاهات القراءات المختلفة فسوء القراءة ينتج لنا سوء التأويل وسوء التقدير، وإن هذه الإشكالية تحمل على وفق ما نعتقد أمرين أولهما أن هذه المفاهيم ولدت من رحم المناهج الدراسية، ولا ضير في ذلك من ملاحقة النصوص وتكون أداة للمعرفة في التوصيف وتجسد فيما بعد كتصور سابق على العمل الأدبي، أما النص أن يكون امتدادا  لها فهذا  تشويه لهوية النص وشتيت دلالته على وفق أقنعة عمياء لا تنم  إلا عن وسيلة يراد منها أرضاء متبني هذه المفاهيم  النقدية ليس إلا . وثانيهما ،أن هذه المصطلحات أغلبها أسير الترجمة وعملية ضبطها وصوابها ناهيك عن توافقها مع بنيات الثقافة العربية التي هي تواقة أصلا للتلاقح معها، ولكن هذا التفاعل أدى إلى الكثير من المنزلقات في فهم التجديد والتحديث وترك الباب مفتوحا بين الاعتدال والتطرف داخل المفاهيم ذاتها، فلو نأخذ مثالا على ذلك ما تناوله الاستاذ سعيد يقطين وهو واحد من أشد المتحمسين لمفاهيم السرد، ونحن لا نشك في أنه مصدرٌ مهمٌ للخبرة الواسعة في مفهوم النص السردي ، ولكن نرى في  مقاله المنشور في القدس العربي “أنيمية السرد العلمي ” قد أثار موضوعا لافتا ومستغربا لموضوع المقارنة بين السرد العلمي والسرد الأدبي  الذي لا يمكن فهم تلك المقارنة إلا بما  نسميه بالإشباع المفاهيمي للسرد ونقصد به ذلك الانغماس في ثقافة المفاهيم للحد الذي تهيمن فيه سلطتها ظنا بأن هذه السلطة تعطي الحق فيما يجوز أو لا يجوز، وهنا  تختلط الحقيقة بالوهم والوهم بالحقيقة، وهذه أزمة كبرى  في الإشكال القائم أصلا  حول  مفاهيم السرد ، فإذا سلمنا جدلا بأن السرد العلمي ومن قبيل المقاربات في الإبداع هو موازي  للكتابات الأدبية هل المعنى سوف يستقيم بين ما هو مجازي وبين ما هو معرفي ؟ وحتى في ضوء الأسئلة التي طرحها الأستاذ عبر مقاله وأعتبرها موحدة في تفسير الظواهر مثل ماذا وقع ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ (فهل)هل هذه الاستفهامات تمنح المتلقي اكتشافاً على منوال (أني قد لقيتها ).

    لقد قيل قديما العلم لغة العقل والأدب لغة العاطفة ، قرأت ذات مرة لأحمد أمين قولا جميلا في الفرق بين الأدب والعلم ورد ما معناه أن القطعة الأدبية لا تمل تقرؤها ،  ثم تقرؤها فتسر منها في الثانية سرورك منها في الأولى وهذا لم يكن موجودا في العلم ، فحقائق العلوم رغم ماهي  خالدة ولكن منتجات العلوم غير خالدة فما في -كتاب أقليدس – من نظريات هندسية خالدة ولكن الكتاب لا يقرأ الآن إلا من أراد أن يرجع إلى تاريخ الهندسة ، أما في الأسلوب ولغة التعبير مما لاشك فيه أن الطريقة مختلفة فالفنان يسعى للتعبير عن  التجربة بحرية أكبر من العالم الذي يخضع لأطر وقوالب ثابتة ومحددة ويسعى للبحث عن الحقيقة كعامل بعيد ومنفصل عن ذاته ، وهنا تكمن المفارقة بين الأدب السردي والسرد العلمي إذ  كل منهما له خصوصية  في رؤيته للواقع ، فالعلم  هو ” عالم الوقائع والحقائق  ” وتفسيره منطقي وممنهج للأشياء ويراهن على مدى تطابق نظرياتهم مع الواقع؛ أي أنه يقدم تفسيرا منطقيا للأشياء والظواهر، بينما  الأدب  لا يهتم بماهية الأشياء اليومية  يقول الشاعر الإنكليزي جيمس ليه هنت ، يبدأ الأدب  حيثما ينتهي الواقع ليفتح بابا على حقائق أكثر عمقا تتصل بعالم المشاعر والأحاسيس وأطلاق العنان للمخيلة في رسم   ابعاداً أعمق مما هو ظاهر ومكشوف لنا وبهذا الاختلاف لا نجد مبررا في أن يكون السرد العلمي مطابقا ومتشابها للسرد الأدبي لا بل كيف يكون كذلك ؟.

    لقد ركز بول ريكور في كتابيه – الذات عينها كآخر – الذي نقله للعربية اللبناني جورج زيناتي 2005 وكتاب – الزمان والسرد الذي ترجم للعربية 2006 على أن المعرفة الموضوعية بالسرد الأدبي لا تتحقق إلا بالنظر إليه بوصفه عملا مكتفيا بذاته، وبهذا المعنى فأن  السرد يسعى لبناء نوع من  الهوية التي هي بالأساس متحركة موجودة في الحبكة التي تخلق هوية الشخصية  وتتشكل على امتداد السرد ، أنها ثمرة الحياة التي ينقلها السارد عبر المثاقفة مع المرويات التي سبقته سواء كانت تاريخية أم اجتماعية يعاد بنائها بوصف السرد هنا  وسيطا بين الإنسان والعالم  أي ملتقى لسياقات متعددة  ينهض فيه  السرد الذاتي والتاريخي والديني والسياسي والحلمي بتأثير المثاقفة ومرجعياتها الفكرية  وبذلك  يتخطى ريكور ماهو قار وثاوي في مفهوم الهوية السردية التي كانت مجرد حكواتية للتسلية والمتعة بقوله ، أن الحياة البشرية تغدو أكثر قابلية  للفهم والإدراك حين يتم تأويلها .

ويقول سعيد بنكراد في كتابه –وتحملني حيرتي وظنوني – 2021 تتشكل الهوية السردية من خلال المحكيات التي ينتجها السرد على مختلف أشكاله وتعدد أساليبه فالشخصية داخل السرد هي الكائن المقذوف على حد هايدغر وسط العالم معرض لفقدان الأستقرار وتفاصيل ملاحقته فنيا تحتاج إلى قوة أدراك أوسع من  حقيقة الواقع الملوث بالإكراهات  وهذه بالتأكيد تحتاج إلى التنويعات الخيالية بين الاستيهام  والحقيقة ، أي الهروب من زمنية راهنة تستعصي على الترويض ليتحصن بها الصانع من أخطار محتملة الحدوث ، فإعادة تركيب الذاكرة لا ينفصل عن الانتماءات التي تستمد منها النصوص اشتغالها وحيويتها وتفاعلها مع محيطها وتصبح النصوص وعاءً للتجربة  الفنية / المعاشة التي يستنبط منها ما تخزنه الذاكرة على الروي ، فهو في الحقيقة بوح  تحصي آثاره السيرة التي تصوغ لنا هوية السرد ،  وبما أن الهوية لا تعطى بل تكتسب  فهي تستمر في خلق ونقض نفسها عبر الروي  .

    إن الزمان المروي على حد قول ريكور ، هو من يحرك ماكنة التأويل فلا يمكن أن نتصور العالم دون قصص بكل أشكاله الذاتي والتاريخي والاجتماعي والديني والأسطوري، وإن استعادة الحكي من خلالها يعني فهم طبيعة المجتمعات وثقافتها التي لا يمكن للسرد العلمي تبنية والاشتعال على منواله  .

فالسرد الأدبي  حسب فهمنا المتواضع  تنصهر فيه هوية المؤلف وهوية النص المروي فهل بإمكان ذلك أن يحدث في السرد العلمي ، فأذن لا يمكن  لهذا المفهوم  (السرد العلمي ) أن يرتقي في مجمل المقاربات التي   وردت في بعض  منها في مقال الاستاذ سعيد يقطين والتي تبدو لنا  حقا مثيرة للشك مثل مقولة عالم  الآثار الفرنسي- بول فين -من أن التفسير العلمي ليس سوى عمل سردي ، أو ماقاله عالم الرياضيات الالماني – لا يبنتز-“من أن عمل ديكارت لا يختلف  عن أي عمل روائي ” أو ما أثارته مقدمة كتاب العاقل للمؤرخ الاسرائيلي -يوفال نوح هراري- لدى يقطين ” من أن هذه المقدمة وجدتها أمامي عمل سردي لا تختلف  عن  أي رواية قرأتها ” أعتقد أن هذا الانتقاء يصب في استدراج القارئ ولا يقنعه ، ومن وجهة نظري الخاصة أعتقد أن من غير المناسب والضروري أن  نحمل تلك  الآراء اجتراحات عاطفية  مالم تفند بطرق مفهومية مدروسة بعناية لان الوضع المتأزم حول تداول المفاهيم والمصطلحات المعربة  قد شكلت مالها وما عليها من التباس  في الرؤى وتغريب في المعنى فكيف بنا الآن في ظل هذا التشويش أن نزاوج بين السرد العلمي مع السرد الادبي ؟ . 

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.