فليحة حسن : مشهد من رواية نمش ماي

إمرأة ………….!
إحتشد عدد من المارة على الجسد المتشح بالسواد الساقط على وجهه فوق جرف النهر, وأخذتْ تلك الكتلة السوداء تنتفض بشدة, وصوت إقرب إلى الأنين كان يصرح بعطشه إليهم
– ماء… ماء…ما….
ثم ما لبث أن فتر وتلاشى،
حتى إن كفّ الطفل الذي هرع يقرب قدح الماء إليها وقد جلبه مسرعاً من إحدى الأكشاك التي تحاول تثبيت جذور وجودها ببيع العصير ، إرتعشتْ وانسكب منها الماء وهو يرى ملامح المرأة وقد إنغلقت على الموت بإسترخاء حين أداروا بوجهها الى السماء ،
رفعها الآخرون وتعالتْ بعض الأصوات بتنبؤات عدة، وكانت أغلبها تصرح بأنها – – ميتة،
لم يحتج الجسد الميت الى قوة كبيرة لرفعه عن الجرف ، وتطوع رجلان ليحملانه ويرفعانه ويضعانه في الحافلة التي أُجرتْ لإبتداء مراسيم الرحيل ، أخذوها إلى المغتسل،
كان فم الباب الحديدي مفتوحاً كالمعتاد بظرفتين نشبتْ فيهما أظافر الزمن كخد لُطم للتو ، وكان المكان أبخراً تفوح منه رائحة يتلوى بها الكافور ويباس السدرة وعفونة الراحلين، حتى نظافة حائطه ذي اللون البيجي لا تغري الهابطين نحو ظلاله بالوقوف إلا لدقائق يفرضها الموت قسراً،
عبروا الممر الأسمنتي فجلستْ قبالتهما غرفتان تجمعان نفسيهما على إسرار ذوتْ ودبيب حياة آفل لا محال،
كانت اليمنى للرجال أما الغرفة اليسرى فهي للنساء ربما أرادوا أن تبقى صورة الراحلات موشومة في الجهة اليسرى دوماً،
أدخلوها الغرفة بشباكها الحديدي الذي حاكت خيوط العنكبوت ذكرياتها فوقه وغطى تراب قدري وجه حجر أسود مركون على نافذته بينما سمحت ( الليفة ) لنفسها أن تمتد قرب قالب الصابون وتلامسه بحذر ،
اقتربتْ منهم عجوز ناهزتْ الستين من عمرها غير إنها لما تزل محتفظة بنشاط يؤهلها لأداء عملها المستمر استقبلتهم بملامح ألفتْ تعاملها مع الموت وزبائنه وأمرتهم
– بان أدخلوها ؛
وفعلوا،
وضعوها على دكة سداسية إسمنتية صلدة إمتدتْ بمتري طولها وثلاثة أمتار عرضها لتقابل حوضاً بيضوياً ينتهي رأسه الأول بحنفية ماء جارٍ وينتهي رأسه الثاني ببالوعة لتجمع ماء الغسل بينما دخلتْ العجوز لتقف في ممر يتوسط بين الدكة والحوض ،
وخرجوا ليتركوا ذلك الجسد المسجى مع مهارة عروق يديها الزرقاء الناتئة ،
خلعتْ المرأة ملابس الميتة قطعة، قطعة وأزاحتها عنها الى نهاية الدكة ثم جاءتْ بقليل من الماء وصابون الرقي وبدأتْ تغسل شعر المرأة الذي صارتْ شموع شيبه تتألق مع إنسكاب الماء عليه، ثم مزجتْ قليلاً من الكافور الذي عبقتْ رائحته المكان بالماء وسكبته على الجثة كلها وهي تتمتم بما هو مناسب من آيات،
ثم لفتْ شعر الميتة الى الوراء ثم قمطتْ الجسد بكفنه، وبكثير من الأدعية,
ساعدتها امرأة أخرى كانت منتظرة ترقب حركاتها على حمل الجثة الى التابوت وألقمته إياه بمهارة العرافين لسرّ المنتهى ثم طلبت ممن كان ينتظر خارجاً الدخول واخذ الجثمان من هناك ،

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سلوى علي : همسات لا تقوی علی الصراخ.

تلك الجمرات الصامتة مفارق احلامها قلقة تصارع عواصف الوحدة المملوءة  بالضجيج بین زمهرير الانتظار واحضان …

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.