حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| طالب عمران المعموري : الشخصية السايكوباثية في قصة “عواء لليلة ناقصة” للقاص محمد ياسين صبيح.

طالب عمران المعموري

تعد الشخصية العنصر الذي تتميز به المسرودات عن غيرها من أجناس الادب ولا وجود للسرد بلا شخصيات ولا يمكن ان يقوم أي مكون من مكونّات السرد من دونها ، فهي التي تدير لغة الحوار وتنجز الحدث ،وتعمّر المكان، وتتفاعل مع الزمان لذا يعمل الكاتب جاهدا على تقديم تقنيات متعددة لتقديم الشخصية ورسم ادق التفاصيل لشخصياته بشكل مباشر او غير مباشر..

وانا اطالع المجموعة القصصية ناي من ريح للكاتب السوري محمد ياسين صبيح الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع، القاهرة ،2020.

اقف عند عتبة  أحد عناوين  قصص المجموعة (عواءٌ لليلةٍ ناقصة) التعريضي الدال على كون العنوان لا يقدم على طبق من ذهب ولا يهب نفسه للقارئ ولا يبوح بسره يشد الانتباه بما يتحلى من غموض الذي يخلق اللذة والفضول للولوج الى النص.

    اعتمد القاص الاسلوب البسيط دون الألفاظ الصعبة أو المبالغة في التعبير لتسهيل ايصال الفكرة، لجأ القاص الى رسم الشخصية ويقدمها كراوٍ عليم مستعملا الضمير الغائب ويخبرنا عن طباعها وأوصافها ويفسر بعض تصرفاته يخلقها بإبداعه ومنطقه ومتخيلته شخصية فنية لها من السمات، يحاول القاص ان يبث روح الواقع التي تبدو بارزة فهو يمنحها الصفات المعنوية والجسمية ويمنحها عمقا فعالا في ماهيتها وعلاقتها

    افتتح القاص مادته الحكائية بجمله البدء استهلالية كمفارقة زمنية حيث اختار القاص نقطة الصفر التي يبتدئ بها سرده القصصي التلاعب الزمني بالأحداث وفق ما يرتأيه ومتوافقا مع رؤيته الفكرية والفنية هكذا فعل القاص فهو اعتمد بناء الزمن الدائري للقصة، فعبر نقطة البداية تنتهي الرواية ” بعض قال أن وجهه تجمد دون حركة، وبعض آخر رأى دمعة تذرف من عينيه..”

 فيقوم باسترجاع وقائع ماضية والعودة الى الوراء في حركة ارتدادية لسير الاحداث التي عاشتها الشخصية   فبتلك المفارقة السردية ،يتم قطع التسلسل الزمني ، مما يحقق وظيفتين الاولى جمالية كون استرجاع  الذي جاء من البدء من حيث انتهت القصة ووظيفة دلالية من حيث التغيير الذي يحصل في مضمون النص  

“قبل ذلك جلس يراقب عصافير الدوري وهي. تنتقل بخفة من غصن إلى آخر على شجرة التوت الكبيرة التي تظلل مدخل المنزل، قط الجيران يركض مسرعا تحت الشجرة باتجاه حشرة يلهي بها جوعه، ريثما ترمي له أم حميد بقايا الغداء.. تتبخر من رأس حميد الكثير من الأفكار القريبة، كدخان سيجارته التي لا تبرح فمه..”

محمد ياسين صبيح

    في هذا المقطع الاسترجاعي يمهد لنا القاص بالتعرف على بعض صفات الشخصية المحورية وعلاقته بالمكان وما يتحرك من حوله بإضفاء صورة مشهدية حية متفاعلة ومتناغمة مع المكان ويزيد من واقعية الشخصية المتحركة وهيئته وملامحه. فمن خلال الاستهلال يتبادر الى ذهن القارئ هدوء الشخصية وحالتها الطبيعية السوية فبالتالي ان القاص يكسر افق التلقي في حال الكشف عن نوازع وسلوك الشخصية المريضة العدوانية، شخصية القصة (حميد) التي تحمل التناقضات المولع في تعذيب الحيوانات

    الشخصية الغريبة التي تخالف سمة الشخصية التقليدية في القصة أي انها شخصية منزاحة عن نمطية الشخصية العادية، لأنها تنزع الى الانشطار والتفسخ والتشظي فقد تنشطر الشخصية في السرد الى شخصين أو أكثر من ذلك وفي كل مرة يكون له حالة مختلفة عن الأخرى:

“كما يستمتع برمي كلماته العشوائية دون عناء، يلهو بہا كما كان يقول دوما، لحظتك حياتك، لا تبكي على جرو ينبح. لم يعرف أحد ماذا تعني كلماته بالضبط، كان يستمتع باعتبار نفسه ذكيا.. لذلك كان يبتسم باستهزاء عندما يسأله أحدهم ماذا تقصد؟.. فاللهو تسليته الكبرى”

    الشخصية اللامألوفة في القصة تثير الذهن وتدفع القارئ الى متابعة التفكير فيه أكثر من العادي لان اللامألوف هو الذي يمد الشخصية بالدلالات الجديدة ويضفي على اللغة سمة الحداثة التي تنزع الى الثورة على التقليد:

“حين أمسك بالقط الرمادي الذي يطارد قط جارهم النحيف الأليف، ربط إلى ذيله إصبع ديناميت بفتيل طويل، ثم أشعله وأطلق القط الذي ركض بعيدا كتسلية أولا ثم خوفا عندما. سمع اشتعال الفتيل وراءه، قهقه حميد طويلا عندما انفجر الديناميت وتناثر القط أشلاء صبغت الأرض بلون قائم”

بنية الشخصية والحدث

    ان ارتباط بنية الشخصية بالحدث هو ارتباط عضوي .. لا يمكن وجود شخصية بدون حدث ولا حدث بدون شخصية فهي القوة المولدة للأحداث تؤثر فيها وتتأثر بها، وهو الذي يربط عناصر القصة ببعضها واي خلل في بناء الشخصية والحدث النابع عنها فانه يخل في البناء القصصي ويحط من قيمتها الفنية .

قصة /عواء لليلة ناقصة/

     بعض قال أن وجهه تجمد دون حركة، وبعض آخر رأى دمعة تذرف من عينيه.. قبل ذلك جلس يراقب عصافير الدوري وهي. تنتقل بخفة من غصن إلى آخر على شجرة التوت الكبيرة التي تظلل مدخل المنزل، قط الجيران يركض مسرعا تحت الشجرة باتجاه حشرة يلهي بها جوعه، ريثما ترمي له أم حميد بقايا الغداء.. تتبخر من رأس حميد الكثير من الأفكار القريبة، كدخان سيجارته التي لا تبرح فمه، كما يستمتع برمي كلماته العشوائية دون عناء، يلهو بہا كما كان يقول دوما، لحظتك حياتك، لا تبكي على جرو ينبح. لم يعرف أحد ماذا تعني كلماته بالضبط، كان يستمتع باعتبار نفسه ذكيا.. لذلك كان يبتسم باستهزاء عندما يسأله أحدهم ماذا تقصد؟.. فاللهو تسليته الكبرى، حين أمسك بالقط الرمادي الذي

يطارد قط جارهم النحيف الأليف، ربط إلى ذيله إصبع ديناميت بفتيل طويل، ثم أشعله وأطلق القط الذي ركض بعيدا كتسلية أولا ثم خوفا عندما. اسمع اشتعال الفتيل وراءه، قهقه حميد طويلا عندما انفجر الديناميت وتناثر القط أشلاء صبغت الأرض بلون قائم ، لامه الكثير من الناس وخاصة أصدقاؤه وأقرباؤه واتهمه البعض بالجنون، لم يأبه لهذه الاتهامات، فطقوسه التي ألفها وسيلته للمتعة، ولتحقيق تجاربه التي يفكر بها عميقا.. كما يعتقد بأنها تعطيه تميزا كبيرا على أقرانه المخبولين والقطيعيين حسب اعتقاده، ربما تساؤلاته الغريبة التي يجد فيها سببًا مقنعا لتصرفاته مثل (كيف يستطيع حمار أن يقضي على زرع حقل كبير)، وأسئلة تخص البشر مثل (كيف يستطيع صياد أن يقضي على سرب طيور وصل للتو متعبا من هجرة طويلة)، كذلك يحق له أن يفعل ما يشاء، خلال ذلك تخطر له أفكار خلاقة كثيرة كاختبارات مذهلة وممتعة لكنه يتروى في تنفيذها ليجد الوقت والبيئة المناسبة.. يمشي في الشارع متزنا، لا يظهر عليه الخوف أو الخجل بل يصر على أن يبدو عاقل وفهيم من خلال مظهره، يلبس الطقم الزاهي الألوان بربطة عنق خضراء ومرة بنفسجية، ويقول للآخرين بأنه خبير بالكثير من الأعمال مثل تقليم الأشجار، ورصف البلاط والرخام وحتى الديكورات المنزلية، حتى أنه يجيد كتابة الشعر والتحليل السياسي، كان يجلس أمام بيته تحت شجرة التوت في معظم الأحيان.. ذات مساء رطب تغمره فيه نسمات عليلة، جلس كعادته أمام المنزل يشرب المتة، تقدم منه كلب ضال، فرمى له العصفور الصغير الذي اصطاده البارحة لهذه الغاية، اقترب منه الكلب كثيرا، أمسك رقبته بلطف ثم وضع الرسن عليها وسكب عليه البنزين كما على الرسن من العلبة البلاستيكية المركونة جانب الجدار، أشعل قداحته وطرف الحبل وأطلق الكلب، تفاجأ الكلب بالنار التي وراءه، أراد الهرب دار في مكانه مراقبا ذيله الذي وصلت النار إليه، ذعر كثيرا، حاول الهرب بغير اتجاه، لم يجد سوى باب بيت حمید، اصطدم به قبل أن يدخل من النصف المفتوح.. ابتسم حميد في البداية لهذه اللعبة التي أراد الاستمتاع كعادته بها، فجأة تذكر أمه التي في الداخل، صرخ بشكل هستيري: أماه.. وركض باتجاه المنزل فزعا.. لكن النار كانت أسرع، بدأت ألسنة اللهب تخرج من النوافذ، اجتمع الجيران والناس محاولين سكب الماء بالطناجر وبكل الأدوات المتاحة التي توفرت لديهم دون جدوى، ثم يسمع صرخة عميقة لأمه.. خرجت من بين السنة اللهب التي راحت تلتهم المنزل كحقل ذرة يابس، لم يضحك أو يبتسم أو يبكي حميد هذه المرة، بل بقي دون ملامح كأنه تمثال قديم باهت، وصمت طويلا.. ثم راح يعدو مبتعدا باتجاه البرية، ومن يومها لم يره أحد.. ولم يعد سكان البلدة يروا كلابا ضالة، يقال بأنها كل يوم تجتمع ليلا قرب المقبرة، في الليالي اللا قمراء دون أن تنبح أبدا.. بينها تجمد وجه حميد الباكي إلى الأبد على قبر أمه….

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.