| شكيب كاظم : مرارة الفقد.. بلقيس محمد شرارة تدون سيرة زوجها رفعة كامل الجادرجي.

شكيب كاظم

تؤرخ الكاتبة العراقية المغتربة بلقيس شرارة في كتابها (رفعة الجادرجي. حياة غنية حافلة بالإنتاج) ألذي أصدرت دار المدى، طبعته الأولى سنة ٢٠٢١م، تؤرخ للأسرة الجادرجية العريقة على مدى أكثر من قرن من الزمان، بادئة بوفاة الجد(رفعة أفندي) ومنتهية بوفاة زوجها المهندس المعماري المعروف رفعة كامل الجادرجي، ألذي عاش معها أكثر من ستة عقود، منذ أن تزوجا منتصف عقد الستين من القرن العشرين، وحتى وفاته في العاشر من نيسان ٢٠٢٠، هما اللذان عاشا حياة رائعة ممتدة زاخرة بالمحبة والعمل والقراءة والحفلات والسفر، والكتاب هذا إضافة جيدة لكتابيهما؛ بلقيس ورفعة، وعنوانه (جدار بين ظلمتين) ألذي يصور حياة رفعة في السجن الإنفرادي، منذ أن اعتقل بوشاية حاسدة حاقدة أواخر سنة ١٩٧٨، كتب رفعة فصولاً منه، وكتبت بلقيس فصولاً، كما إن الكتاب هذا إمتداد لكتاب (صورة أب) ألذي ألفه رفعة، وفيه حديث عن الأسرة الجادرجية، ولاسيما أبوه الأستاذ كامل الجادرجي.

تحدثنا الكاتبة بلقيس في كتابها هذا عن الحياة العملية الجادة لزوجها المهندس المعماري الضليع رفعة الجادرجي، وتأسيسه لمكتبه الإستشاري الهندسي، ألذي أثار حسد الحساد لما حقق من منجزات، كما تحدثنا عن اعتقال الأستاذ كامل، ألذي كان قد أرسل برقية تأييد للرئيس جمال عبد الناصر، في مواجهة العدوان الثلاثي؛ البريطاني، الفرنسي، الصهيوني خريف سنة ١٩٥٦م، بسبب تأميم الرئيس ناصر لقناة السويس في شهر تموز من تلك السنة، فتلمس في السجن الملكي إحترام الإنسان، وتيسير متطلباته الحياتية، ألذي فقد وتلاشى تدريجيا في العهود اللاحقة، حيث حرم السجين السياسي من ضروريات الحياة كلها، حتى أن الأستاذ كامل يرد على تصريح رئيس الوزراء نوري السعيد، لمراسلي وكالات الأنباء الأجنبية: إن الجادرجي يتمتع بمعاملة جيدة ممتازة بالسجن الكريم، واصفاً الجادرجي، هذه المعاملة بأنها ليست منحة من أحد، بل هي حق للسجين السياسي، وعلى إثر ذلك- كما تكتب بلقيس شرارة- أعيد ترميم وطلاء الجناح ألذي يسكن فيه، وخصصت له غرفة وضعت فيها ثلاجة وأدوات الطعام والطبخ، وسمح بزيارته مرتين في الأسبوع، كان يوم الأربعاء مخصصاً لأصدقائه، وكان يزوره: محمد حديد، وحسين جميل، وخدوري خدوري، ومحمد مهدي كبة، ومحمد صديق شنشل وغيرهم، حتى أن المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون، يوم جاء إلى العراق، يزور الأستاذ كامل في سجنه.

عرفت عن الراحل رفعة الجادرجي، صراحته وجراته، الأمر الذي عرضه لكثير من الأذى حتى سحبت منه جميع صلاحياته، بوصفه مديرا عاما للإسكان سنة ١٩٥٩، لأن الشخص الذي لا ينتمي إلى جهة معينة-كما تذكر بلقيس- لا يمكنه أن يفلت في تلك الأيام الحرجة التي كان يمر بها العراق، بقي رفعة بعيدا عن التيارات الأيديولوجية التي عمت مؤسسات الدولة، لكنه على الرغم من ذلك وجد نفسه في حملة موجهة ضده.

كما إنه يعترض على نية أمانة العاصمة أواخر سنة ١٩٥٨؛ لا يوافق على نيتها تهديم قبور اليهود العراقيين في جانب الرصافة، لكن المقبرة هدمت في عقود تلت وأمست مرأباً للحافلات.

وعلى الرغم من تكليف رئيس الوزراء، الزعيم الركن عبد الكريم قاسم؛ تكليف الزعيم له بتصميم ثلاثة نصب:

١- الجندي المجهول

٢- نصب ١٤ تموز.

٣- نصب الحرية.

فإنه لم يتفق مع الزعيم في وضع صورته على نصب ١٤ تموز في ساحة التحرير، لأن نظرة الأستاذ رفعة بعيدة، فهو يريد أن يبقى النصب شاهدا للأجيال، وإن وضع صورة الزعيم، قد يعرض النصب إلى ما لا تحمد عقباه، لما عرف عن العراقيين من تهديم ما ينجزه السابقون، ونبدأ من الصفر دائماً؟! وهذه المسألة تحسب للزعيم، ألذي قبل فكرة لم يرض عنها كل الرضا ولم يقبلها.

وكما حدثنا رفعة كامل الجادرجي، في كتابه (صورة أب) عن وفاة أبيه المفجع في الأول من شهر شباط ١٩٦٨م، فإن الكاتبة بلقيس شرارة تحدثنا- كذلك- عن وفاة الأستاذ كامل، ألذي بدأ يعاني نوبات قلبية منذ صيف ١٩٥٩، ولعلها بسبب اضطراره لتجميد نشاط حزبه؛ الحزب الوطني الدمقراطي، بسبب الفوضى الضاربة أطنابها وقتذاك، فضلاً عن تعرض الحزب لانشقاق خطير وخطر قاده الأستاذ محمد حديد، ألذي أسس الحزب الوطني التقدمي، واصدر جريدته (البيان) فاضطر للسفر إلى الإتحاد السوفيتي طلباً للعلاج، وظل مواظباً على الإدلاء بالتصريحات السياسية، وتقديم مذكرات الإحتجاج- كما دأب على ذلك في العهد الملكي- لكم الدنيا تغيرت في الزمن الجمهوري، فما عادت أذن تسمع ما يقول، ولا أقول تصغي! فذهبت آراؤه أدراج الريح في يوم عاصف، وإذ كان مجتمعا في دارته بشارع طه الهاشمي، مع عدد من قادة الحزب الوطني الدمقراطي، تفجوه النوبة القلبية، ألذي وصف علاجها طبيب القلب الحاذق شوكة الدهان، بزرق فخذه بإبرة الدواء، لكن قضي الأمر، وحم القضاء، فلقد كانت النوبة سريعة، فلم يتمكن الأستاذ كامل من زرق فخذه، وشوهد سائلها منساباً ومنساحاً على بنطلونه، ليخرج طبيبه المعالج النطاسي البارع شوكة الدهان من غرفته على الناس نادباً:

– مات كامل.. مات.

وبوفاة الأستاذ كامل الجادرجي، انطوت صفحة مهمة ومؤثرة من تاريخ العراق السياسي، وفقدنا بفقده مثالا للنزاهة وتطابق القول مع الفعل والعمل.

حاشية

……………………………………………………………..

الحديث ألذي قرأته في ندوة الإحتفاء بالكاتبة العراقية المغتربة في لندن؛ بلقيس شرارة، التي أقامها بيت المدى للثقافة والفنون بشارع المتنبي من رصافة بغداد، ضحى يوم الجمعة ١٢ من شهر صفر ١٤٤٤هج= ٩ أيلول ٢٠٢٢م،وادارها الباحث رفعة عبد الرازق محمد، وتحدث فيها تباعا: الدكتورة نادية هناوي، وجمال العتابي، وسعاد الجزائري، وشكيب كاظم، والدكتور معتز عناد غزوان، وأمين قاسم الموسوي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.