حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| عبدالحكيم الوائلي : الشرفة الزجاجية الزرقاء .

عبدالحكيم الوائلي

   برهبة وجوده السري الغامض، خلف الزجاج الأزرق لشرفة قصره، كان يبسط سطوته على رعاياه .. يرقب بلا كلل أدق حركاتهم وسكناتهم ، يسمع همساتهم بل أفكارهم ، يتغلغل في أحلام نومهم ويقظتهم، ويعد عليهم الأنفاس والخطوات . والحق أنني كالآخرين، طالما شعرت بوخز نظرته الملكية في قفاي واقشعر بدني لمجرد تصور عينيه الشبحيتين تتعقباني حيثما ذهبت.. ولكم تملكني الشعور بالخزي الذي يحيق بمن كان بيته من زجاج.. فكيف بمن كان بيته وجلده وعقله من زجاج شفيف ؟

هواجس، كانت تبعث في النفس كل المشاعر الانسانية الممكنة تجاه جلالته، الا الحب. بيد أنني كالآخرين، كنت أردد النشيد الملكي تحت شرفته كل صباح، مع الحناجر وهي تصدح بالحب والطاعة والولاء له ، وفي كل مرة كنت أمثل ذلك بين الجموع، كنت أختلس النظر الى شرفته، فاذا عيناه تحدقان في أعماق عيني، وتسبران أغوار روحي فتفضحان سري وتكشفان شكوكي، فأغمضهما بسرعة كمن يغلق نافذته على أسرار بيته أن تنتهكها عيون المتلصصين ، وأُشيح بوجھي جانبا ثم أندس وسط الحشد،

تتملكني رعدة عنيفة ويتفصد جبيني بعرق بارد، ثم أغيب عن الوعي ولا أفيق إلا وقد انفض الحشد عني .. وقد غدوت عاريا وحيدا تمطرني نظراته المفزعة بالإحتقار وتتوعدني بالقصاص.

       لست ادري كم من الجمهور كان مثلي، منافقا رعديدا يتجرع الموت كل يوم غصة إثر غصة .. وأيا كان الحال؛ لم يكن بوسعي إلا أن أتعايش مع هذا الجحيم، كسائر أفراد القطيع، حتى حل اليوم الذي قلبت فيه حكاية سليمان الملك حياتي رأسا على عقب.. وأمدتني بسؤال لم يكن ليخطر ببال الأبالسة؛ ماذا لو كان جلالته قد مات منذ زمن بعيد ونحن مثل رعايا سليمان عاكفون على طاعته، نتوارث ترديد النشيد الملكي لجلالة الوهم القابع في رؤوسنا كل صباح، تحت شرفة خاوية لقصر مهجور، والذي عزز شكوكي أنه كان متبتلا، لا زوجة له ولا وريث ولا وزير، فلا سبيل لمعرفة آخر اخباره .. يا للجحيم !!.

       أويت تلك الليلة الى الفراش مبكرا على غير عادتي، تكورت مثل جنين ينعم بالأمن في رحم أمه وغفوت بعمق.. رأيتني خلف الأسوار المنيعة للقصر، أقتحم الأبواب بيسر، حتى انتهيت الى صالة فسيحة خالية إلا من سلم واسع طويل، راحت قدماي تنهبان درجاته المغبرة بإصرار، حتى بلغت باب الشرفة الزجاجية الزرقاء، وقبل أن تصل  كفي الى أكرته الذهبية، رأيتها تدور بصرير يصم الآذان، كأنها لم تفتح منذ دهر، ثم اندلع الباب الهائل، مشرعا على مصراعيه، كأن ريحا صرصرا عاتية اقتحمته وألقت بي على قفاي.. وقد أعشى ضوء باهر الزرقة عيني، فاغمضتهما ودسست رأسي بين ركبتي ..ثم تناهي إليَّ صوته عميقاً رهيباً، يسأل بضعف ولوم كمن أُسقط بيده لافتضاح أمره قال :لماذا ؟

قلت: لأني أردت أن أعرف.. إذ لا يعقل يا سيدي أن يستمر الأمر على هذا النحو المحبط والمذل الى ما لا نهاية.

قال: ألم يلقنوك الحقيقة؟

قلت: بلى يا سيدي كلهم فعل، بيد أنني رأيت، وليتني لم أر، أن الحقيقة لاتُلقن، بل تتطلب أدلة بحجمها .

قال: قلتَ أدلة! وأنت ..أین أدلتك؟

 قلت: ومن أكون يا سيدي لأدعي المعرفة.. أنا لا أملك غير هذه .

فتحت قبضتي وعرضت عليه حجراً كان بها دون أن أغير جنينيتي.

قال: حسنا ! قدمه لهم ..

        صحوت أتصبب عرقاً وأشعر بوجع أصابعي التي ما زالت متشنجة على الحجر، فيما كانت الريح تصفق باب غرفتي بعنف.. إذ أنني أغفلت إغلاقه البارحة. هبطت الى الشارع.. ثم انطلقت الى الميدان حيث كانت الجموع تهم بأداء النشيد الملكي أمام الشرفة الزرقاء .. وقفت أمامهم حيث يراني الجميع وصوبت الحجر نحو الشرفة، بكل ما أوتيت من قوة، فأرعد الزجاج وهطل بزخات برد زرقاء، تتواثب على الأرض وتتغلغل في الدروب ..شخصت الأبصار نحو الشرفة، التي شوهدت لأول مرة، خاوية، وقد أشرع بابها الداخلي على مصراعيه وبدت للعيان أُكرته الذهبية المغبرة، تلمع بأثار أصابعي …

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صبحة بغورة : الراحلون الصامتون .

استيقظ نسيم قبل آذان الفجر وقد ارتعش وجوده شحنا وسرت بين جنباته هفهفات النبض المتدفق …

| صبحة بغورة : دروب الشوك.

فاجأتها لحظات غريبة في كثير من مراحل حياتها ، اقتحمت أغوارها دون علم منها ،إنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.