فاروق فائق عمر : رسّامو البازار في العهد العثماني

تعد الثقافة التركية فريدة من نوعها في العالم فقد أثرت وتأثرت بالثقافات والحضارات القديمة و

حفل تتويج السلطان عبد الحميد 1774 متحف وارسو

المتنوعة من الصين الى فيينا ومن السهوب والمناطق الروسية إلى شمال أفريقيا لالاف السنين. فالثقافة التركية تعكس ثراء وتنوعا ثقافيا  لا مثيل لها، وتمد جذورا عميقة   في الحضارات التي سادت في الشرق الأوسط والأناضول والبلقان، وتعد تركيا مهدا للعديد من الحضارات الممتدة بحدود 12000 سنة في عمق التاريخ .
ويجدر بنا الإشارة الى الحركة الفنية التشكيلية التي سادت في العهد العثماني كواحدة من الواجهات الحضارية والكتابة خصوصاعن رسومات رسامي البازار الشعبية ، فقد وجدت ممارسة رسم اللوحات الشعبية  لاول مرة في اسطنبول في القرن  17 والتي اعتبرت جزء من هذا العهد العريق واستمرارية له ، و يستخدم مصطلح “رسامي البازار”، كما يوحي الاسم ، للإشارة إلى الفنانين المحترفين  الذين تعاملوا مع المحلات التجارية في البازار والذين رسموا صورا تمثل مواضيعا عامة من الحياة اليومية وبتعابير عفوية بشكل شخصي او بتكليف من عملاء  نيابة عن موكليهم والتي تراد لها سرعة الإنجاز بحيث كان يعطي القليل من الاهتمام  للتجسيد بسبب الغياب الكامل لحرية الفنان في التجسيد تقريبا و الخوف من عملية التجسيد الكامل للكائنات الحية ومحاكاة الطبيعية بسبب طبيعة المجتمع والسلطة الدينية التي تضع قيودا على ذلك .اعتمد الرسامون اسلوب معالجة الشكل التصويري وفقا للاسلوب السلجوقي والتركماني الذي يمتاز بتحوير الاشكال  و الإنشاء التصويري ذي البُعدين  والتي تقترب في اسلوبها وتظهر تأثيراتها في رسومات مقامات الحريري التي رسمها يحيى الواسطي في العراق والمتأثرة ايضا ً بدورها برسومات المغول والتتار المرسومة في لوحات او دواوين كتب تأريخية وأدبية  وهو الاسلوب الذي طبع فنون الشرق

عاشق شاب والساس بيده وحبيبته في الشباك-المكتبة الوطنية- باريس

بطابعه الزخرفي والتبسيطي  ، ومع بعض الاستثناءات القليلة التي تتخللها احياناً  العفوية و السذاجة ،  فإن جميع الأمثلة التي وجدت في المتاحف التركية ( متحف طوب قاپى في سراي إستنبول أو أنقرة ) على سبيل المثال  أو المكتبات تؤكد على ذلك كما سنرى لاحقا، ان الألبوم الذي يحتوي على عينات من الرسومات او نسخ من اعمالهم تلك التي يمكن العثور عليها في المقام و لتلك الحقبة من القرن 17 هي في معظمها تقع في المتاحف والمكتبات خارج تركيا أو في  مجموعات خاصة اقتنيت من قبل اشخاص يهتمون بالفن معظمهم من اوروبا والسبب كما ذكرنا هي النظرة الى الرسم عموما في جميع الاقطار والشعوب التي إنزوت تحت الحكم العثماني يشوبها الحذر وعدم القبول بحكم هيمنة السلطة الدينية الاسلامية وتأثيراتها في البناء الفكري والثقافي للمجتمع.
ومثلما نرى اليوم في عالمنا المعاصر عالم السياحة الحديثة من قبول السياح على شراء البطاقات البريدية والشرائح ، أو صور فوتوغرافية أو أشرطة فيديو ، اوالأقراص المضغوطة والهدايا التذكارية العينية من الأماكن التي يزورونها، كان المسافرين الأجانب في القرن 17 يقومون  إما بشراء لوحات، او إقتناء ادوات و اشياء عينية او اية صورة تذكارية يقوم بها رسام البازار او الحرفيين .

لذلك يمكن القول ان  المقتنون الأجانب حيث أن غالبية الزبائن كانوا من الاجانب من زوار و تجار ومن باحثين ومن المستشرقين المهتمين بالتاريخ و الحضارة الشرقية ، شكلوا  القاعدة الاساسية  لاستمرار هؤلاء الرسامين في الإنتاج الفني  ، وجمع هؤلاء فيما بعد  مقتنياتهم في البوماتهم الخاصة وقيامهم بالكتابة على الصور بلغتهم الخاصة (معظمها باللغة الفرنسية والإيطالية والالمانية او الانكليزية)  وخير دليل على ذلك تواجد اكثر هذه الآثار لدى المتاحف الاوروبية.
لا شك أن هناك أيضا تجار اتراك او عرب من مثقفي تلك الفترة إقتنوا اعمالا ً فنية من نتاج رسامي البازار  ولكنها اندثرت او اتلفت بسسب المواقف الاجتماعية من الفن والصور والخوف من التجسيد بفعل التأثيرات الدينية  وقد يكون السبب المباشر في فقدان مثل تلك الكنوز في كونها تصور موضوعات مثيرة تعبر عن الحب والحالات العاطفية وحيث ان العلاقات بين الجنسين تثير الحساسية في مجتمعات مثل المجتمعات التي انضوت تحت عباءة الحكم العثماني وهي مجتمعات محافظة بلا شك ومتدينة فقد جرى التخلص منها بشكل او اخر رغبة في التخلص من رقابة المجتمع القاسية.

، وهذا يشير الى مدى اخفاقنا في الحفاظ على تراثنا وكنوزنا الفنية ، خلافا لمعظم الأوروبيين الذين  يختلفون عنا ثقافيا ويعيشون في مجتمعات تضع اعتبارا اخر لمثل تلك الموضوعات وتنظر اليها بشكل مختلف فقد  بذل هؤلاء  جهداً كبيرا ً لاظهار إهتمام ٍ كافٍ بها ودراستها من اجل فهم حضارتنا و طريقة تفكيرنا وثقافتنا  ومن اجل فهم اوسع لمجتمعاتنا .
إذا حاولنا أن نقوم بمحاولة لجرد ألبومات  لرسامي البازار المقتناة من قبل المقتنين الاجانب و المنتشرة في بلدان مختلفة ، والشروع في دراسة هذه الالبومات  نجد ان عددها أكبر بكثير مما كنا نفكر به او نتوقعه  ومن الواضح فإنه من الصعب وضع قائمة بكل هذه الالبومات في هذه العجالة ، ولكن نستطيع ان نعطي امثلة لعدد من الالبومات التي وجدت في تركيا وعدد من الدول الاوروبية كما هو مبين ادناه :
تركيا : يوجد البوم في متحف الاثنوغرافيا في أنقرة ، وألبوم في متحف البحرية في اسطنبول ، وآخر ألبوم في اسطنبول الأثرية – المعهد الألماني.
إيطاليا : ألبومان في البندقية ، واحد في فلورنسا ، وآخر في مدينة بولونيا.

فرنسا : هناك أربعة ألبومات في المكتبة الوطنية.

المملكة المتحدة : توجد عدة ألبومات مختلفة في المتحف البريطاني والمكتبة البريطانية وهناك أيضا البومان في مكتبة بودليايان في أكسفورد.
ألمانيا : ألبوم في برلين واثنان من ثلاثة مجلدات مجموعة في ميونيخ،.
النمسا : ألبوم و ستة مجلدات في المكتبة الوطنية في فيينا.
كما يوجد  مجلداً في ستوكهولم / السويد ، و واحدة في لايدن / هولندا ، وواحد في وارشو / بولندا. ويمكن بالإضافة إلى هذه الألبومات العثور على عدد اخر ايضاً في المجموعات الخاصة وكتالوجات المبيعات.
والسؤال الذي يتعين الإجابة عليه هو مالذي يميز رسّامي البازار عن رسّامي السلطة والمحاكم ؟
ليس من اليسير الاحاطة بكل الامر في مقال قصير وإعطاء إجابة دقيقة ومفصلة على هذا السؤال ،  فهما  منتجات لبيئة ثقافية واجتماعية واحدة ، لكنهما كانا يدوران في دائرتين مختلفتين فقد شكلت نتاجات رسامو البازار خروجا على السائد والمالوف  اذ  يمكننا أن نقول أن فناني المحاكم  اتـّبعوا اسلوباّ يستلهم اجواء المحكمة بتجسيد الاحداث كوسيلة لتحسين وتعزيز الادلة والإجراءات القضائية في المحاكم وكذلك في اظهار المستوى الثقافي الأرستقراطي للطبقة الاجتماعية العليا من السلطة الحاكمة ، في حين أن رسام البازار كان يطبق طريقة التبسيط في عمله والتعبير بطريقة عفوية وساذجة  في بعض الاحيان من حيث الشكل والمضمون  وكذلك في التقليل اللوني وبعبارة أخرى، تطلبت المحكمة من الفنانين الكثير من الخبرات الفنية والعملية والقدرة الفائقة على التعبير في طريقة الرسم  من حيث التفصيل واللون والزخرفة مستخدام الألوان الزاهية والتذهيب ، والخوض في تفاصيل الزخرفة المعمارية والأزياء. بينما البازار يطلب من الرسام ، تجاهلا كل ما هو غير ضروريا ً وهو ما يعتبر تناغما مع ذائقة المقتنين ولهذا طرح فناني البازار كل ما هو غير ضروري  مقتصدين باستخدام الالوان والمواد الاخرى  في معالجته لسطح اللوحة مما ادى الى ان تكون اقرب الى محاكات الرسوم الكاريكاتيرية وذلك في اهماله التشريح او المنظور الذي يشكل الاساس بالاضافة الى الظل والضوء والانشاء التصويري والاهتمام بالنسب او التشريح والمنظور للتعبير عن العمق في اللوحة كنظام اساسي للفن التشكيلي ، الامر الذي يكسب العمل الفني اهميته.

فقد تعمد رسام البازار تجاهل أي وسيلة من شأنها أن تعطي الضوء والظل واظهار العمق اوالاهتمام بثراءالالوان ، بينما عمد باقي الرسامون الى استخدام كل مايجعلهم ينتجون اعمالا تخضع لتصنيف النظام الأساسي للفن التشكيلي وافضل مثال على ذلك هو اللوحات المرسومة لسلاطين الدولة من قبل رسامي البلاط او الطبقة العليا الارستقراطية مع الإحتفاظ نوعاً ما بشئ من التحوير وعدم التجسيد الكلي ومع وجود بقايا تاثيرات الرسم السلجوقي او التركماني مستمرة فيه .  ولكن حصل امر ما في فترة لاحقة ان اقترب رسامو البلاط والارستقراطية الحاكمة الى اهمال الاهتمام بخلفية لوحاتهم التي كانت تستعير ثراء الزخرفة التجريدية الاسلامية فقد صدر لاحقا البوما يتضمن مجموعة من الرسومات التي تمثل السلاطين العثمانيين  رسمت من قبل رسامين مقربين للسلطة مرسومة حسب النظام الاساسي نفسه تقريبا مع اهمال زخرفة خلفية اللوحات.

بقي أن نقول أنه يجب التمييز  بين الرسامين للوحات المصغرة (مينياتير) التي اهتمت بتصوير الحياة اليومية، والرجال العاديين، والمباني في اسطنبول ، وصور المباني التي لم تعد لها قيمة خاصة  او موضوعات الأسرة ، والأسواق والمحلات التجارية والمقاهي ، والحريم ، والمرأة في المحكمة ، والى آخره من المواضيع والذين كانوا ينتجون لغرض بيعها كتذكار خاص من المدينة على اعتبارها مطلوبة سياحيا في حين كان الطلب ينصب بتكليف رسامي البازار المعنيين لانجاز رسومات يرغب باقتناءها اشخاص معنيين وشكلت وفقا لذلك تمييزا عن ماهو سائد في رسومات رسامي المصغرات .

على الرغم من ان الرسامين للوحات المصغرة ( منياتير ) اقتصر عملهم فيما بعد على رسوم فولكلورية كالزواج وابطال السير والملاحم الشعبية مثل ( كور اوغلو ) و( اصلي كرم ) و ( آرزى قنبر ) و ( كـَل أوغلان ) و غيرها من الحكايات ، الا ان رسامي البازار الذين نعنيهم  والذين وجدت رسوماتهم في البومات في المتاحف والمكتبات تحتوي على عدد كبير من هذه المواد التي لا تحصى ولا تقدر  استمروا في تناولها كما تناولوا رسومات عبرت عن لحظات العشق والعشاق ..

هناك معارض عديدة تقام سنويا ً في متاحف ومكتبات ومؤسسات ثقافية عديدة في البلدان الاوروبية وتعرض فيها لوحات من نتاج رسامي البازار لتعريف الناس بنمط و تراث الثقافة التركية العثمانية والمتوارثة لأحقاب تأريخية مختلفة لأجل تحقيق مكاسب إقتصادية وثقافية وحضارية تربوية قائمة على التحليل والمتابعة والدراسة الاجتماعية والثقافية والسياسية , بما يجعلها نقطة إنطلاق للباحثين الاجتماعيين  هذا اليوم ..

المصادر
المؤسسة الثقافية التركية
المتاحف التركية والاوروبية منها :
1 – متاحف تركيا: انقرة واستنبول زرتها سنة 1980 و1992 .
2 – متاحف إيطاليا : فينيسيا و فلورنسا زرتها سنة 1980 و 2008 .
3 – المملكة المتحدة : المتحف البريطاني زرته سنة 1994 .
4 – المانيا : متحف برلين زرته سنة 1996 .
5 – السويد : متحف استوكهولم قسم البلدان الشرق الاوسطية والاسلامية زرته سنة 1986 .
و متاحف اخرى .

فاروق فائق عمر
يوتوبوري – السويد

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــــرياً بـمـوقـعــنــــــا
| سعد الدغمان : الأثر والتأويل في خطاب “شلال عنوز” الشعري.

– شاعر وجداني يحرك المشاعر ويتناغم مع المفهوم الإنساني – جمله الشعرية توحي بدقة البناء …

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.