حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| كريم الأسدي : عن صديقي وسمير غربتي المبدع الراحل أحمد أمير ..

كريم الأسدي

(  1  )       

 
 
أحمد أمير بالنسبة لي أسمٌ لا يُنسى لأنه انسانٌ لا يُنسى ، وحدثٌ بل مجموعة أحداث لا تُنسى ..
ان تتعرف الى انسان في الغربة ، ثمَّ تعرف انه شقيق روحك ، وانه قطعة من الوطن ، ان اردتَ التقاء العراق  فعليك ملاقاته وسماع صوته والتحدث اليه ، فهذا أندر من النادر في غربتنا الطويلة نحن العراقيين .
تعرفت الى اسم أحمد في زمن يرقى الى العام 1991 أو 1992 حيث أرسل لي صديق مجلة تحتوي على نص للشاعر والكاتب العراقي كاظم جهاد ، النص المعنوّن ب ( مرثية بلاد مغتالة ) كان يتصدره اهداء بعبارة : الى أحمد أمير.
اثَّر فيَّ اسلوب النص المكتوب اثر الحرب التي قادها التحالف الدولي ضد العراق في كانون الثاني 1991 .. جمعَ النصُ الحزنَ العميق الى الجمال الأدبي الباهر الى العواطف الصادقة الى نبرة الاحتجاج المدوي ضد كل ماهو زائف وظالم ومتغطرس وحقير .. وكان النص ينتمي الى أرض العراق وتاريخه أجمل الانتماء ..
فكَّرت ان كاظم جهاد لابدَّ ان يكون قد حمل أجمل أنواع الاخاء والمحبة لأحمد أمير ليفكر في اهداء مثل هذا النص اليه.. لم أعرف بعد أي شيء عن أحمد ، ولا أين يسكن ، ولا في أي مجال ابداعي ينشط ..
حينما اتيت الى برلين قادماً من فرايبورج  في ربيع العام 1992 لأكمال دراستي في جامعة برلين الحرّة بدأتُ اتردد على النادي الثقافي العراقي ممنياً نفسي بقرب من أبناء وطني الذي شكَّل فراقه وخزاً دائماً في القلب وفراغاً بيّناً في الروح ..
في ليلة ما وأعتقد في معرض فني أقامه النادي كنّا نتأمل لوحات معلقة على جدران النادي حينما أخبرني زميل لم أعد والله أتذكر اسمه بأن هذا الواقف جنبنا يتأمل اللوحات هو الفنان العراقي أحمد أمير.
ذهبتُ بمفردي وسلَّمت عليه وقدَّمت له نفسي .. هكذا ببساطة ودون وساطة وبلا أدنى تكلّف ، واستقبلني هو استقبال الكرماء المحبين ورحَّب بي لنجلس فيما بعد الى طاولة واحدة ، ولنتحدث طويلاً حديث روح الى روح ، ولننقطع عن الجمع الصاخب.
قبل ان نغادر النادي ونودع بعضنا منحني أحمد رقم هاتفه وعنوان بيته معلناً ان بامكاني مهاتفته والقدوم لزيارته في أي وقت أشاء..
هاتفته بعد أيام فدعاني الى بيته ، وحينما ذهبت اليه وجدت نفسي في بيت أخي ..
استقبلني في بيت أحمد حشدٌ من الكرم والاخاء والألفة والدعة والمودة والحميمية ، ووجدت نفسي في حضرة فنان كبير وشاعر كبير وانسان شفيف كبير القلب باسم المحيا بارع الحديث متفنن في صنع الدعابة والنكتة .. هو وبيته فيهما كل ما يزيل مرارة الغربة وظلام المنفى، ويفتح نافذة  نحو الشروق والنور.
بعدها بدأنا نرود بعض المقاهي التي يعرفها أحمد الذي استوطن برلين قبلي بسنوات ، وكان يهاتفني ان اتاه صديق في زيارة لنجتمع سوية ونذهب الى مكان برليني جميل ، وما أكثر الأصدقاء الذين كانوا يقصدونه ويسعون الى لقائه قادمين من بلدان شتّى ..
في بيته تعرفت ايضاً الى فنانين وفنانات من برلين والمانيا ، ومن النساء على الأغلب اذْ كن يقصدن زيارته يجذبهن حديثه الرائع واسلوبه اللطيف وكرم روحه واريحية طباعه.
كوني من مدينته ومن أهوار الجبايش التي يحبها زاد من فهمنا وتفهمنا لبعضينا ، ولم يكن الأمر الحاسم ، فأصدقاء أحمد من كل مكان ، لكن التواصل الروحي بيننا والانتماء المشترك للعراق والجنوب والى تلك المدن والقرى والدساكر وثَّق علاقتنا واضاف الى مواضيع حديثنا ولا سيّما ان أحمد يهتم بالأدب الشعبي والشعر الشعبي ، وهذا المضمار ارث لديه مثلما هو ارث لدي ..
لم أعرف في برلين من هو أقرب اليَّ من أحمد ، وسأكتشف بعد حين انني كنت الأقرب اليه أيضاً ، فما أعظم خسارتي برحيله..
 
***
 
  (   2     )                                                        
 
 
يرحلون ويتركون لنا الأسف لرحيلهم ، والحزن على فراقهم ، واللوعة بسبب ابتعادهم ، والحنين الى لقياهم وقد بقي في خلدنا منهم نبرة صوت ، ولوح ابتسامة ، وترانيم كلمات .. مع ذكرياتهم نرجع الى وجع اثارة هذا السؤال الوجودي العظيم : لماذا الرحيل الأبدي ، ومتى سيحين اللقاء الآخر ؟!!.. 
هؤلاء هم أحبتنا الذين انطوت على ذكرياتهم أفئدتنا وأطبقت عليها كما يطبق المحار على اللآلئ.. 
من دواعي أسفي الكبير الذي لا يهدأ ان علاقتي بأحمد أمير ومهما كانت حميمة عظيمة بيد انها قصيرة في عمرها الزمني .. كان عمر صداقتي معه في حياته سنتين فقط من ربيع 1992 حتى رحيله في ربيع 1994 .. وفي هاتين السنتين كنت أحس بحضور شيء من الوطن واشخاصٍ حميمين من البيت الأول حينما أكون في بيت أحمد أو يجمعني مكان جميل واياه ، ويقيناً ان الأمكنة تزداد بهاءً وجمالاً مع البهي الجميل ..
أحمد الكتوم المكابر كان لا يصرِّح تماماً في التعبير عن  ألمه ، ولكنني أفهمه حينما نتحدث عن العراق : عن المواهب المهدورة والطاقات المهدورة والأموال المهدورة ، والأكثر وجعاً عن الحيوات المهدورة ..
كانت همومه الكبيرة توخزه دائماً وتؤرق ليل منامه فيحاول تسلية نفسه بأشياء يدرك هو تماماً لا جدواها .. ولكن كيف تأتي وأنت بالمنفى بوجه الأم وصوت الأم ، كيف تأتي بالفرات ودجلة وبستان النخيل وطيبة وجه الفلّاح وحسن اطلالة شباب الحي في مقهى الجوار وحوارات الأدب والشعر والشعر الشعبي مثلما كنّا نسمعها وتقصدنا قبل ان نقصدها في حياة شكَّلت العفوية شريانها النابض ، وحيث تذهب الى المقهى فتتحول الجلسة الى ندوة أدبية أو أمسية شعرية ..
انني اذ اذكر هذه اللقطات والصور اتذكر جلوسي قرب سريره في المشفى البرليني وقد أتيت لزيارته جالباً له هدية معي : ديوان شعري الأول ( قصر البداية ) الذي صمم هو وبلوحة من لوحاته الباهرة صفحة غلافه الأولى .. كيف جلست قربه وأبديت له قلقي على صحته وطلبت منه ان يعتني بأمر حياته ..وكيف كنت أسرع الخطى صوبه بين يوم ويوم بعد خروجه من المستشفى وكأنني استشعر الخطر العظيم : خطر الفراق الدائم.
 
 
    
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
 
 
           (  3    )                                                               
 
                   
في بعض الأحيان وعند بعض الناس والمحبين الكبار منهم على وجه الخصوص ، والذين يقيسون الحياة بالحب والصداقة وصدق المشاعر يكون معنى الحياة مرتبطاً ارتباطاً جوهرياً بوجود الأحبة ، بدفء القلوب النابضة بخالص الود ، باللقاءات الحميمة للعائلة والأصدقاء والمحبين الحقيقيين .. أي فراغ في وجود هذه الأقانيم المهمّة والأساسية عندهم  سيكون نقصاً لا يعوّض حتى لو عاش الانسان في أجمل مدن العالم ، وحصل على وظيفه توفر له راتباً يكفي حاجاته وأكثر ، واجتمع اليه أو حوله مجموعة من المعارف.. أحمد أمير كان يمتلك هذه الأمور فقد أقام في برلين وفي منطقة تنبض بالحركة منها هي منطقة كرويتز بيرج ، وكان يمتلك شقة جيدة وعنده وظيفة في مسرح شيلر أكبر مسارح برلين تنسجم وموهبته وهوايته حيث كان فناناً مصمماً للديكورات والرسوم التي يحتاجها المسرح والأعمال المسرحية ، وقد اجتمع حوله عدد كبير من المعارف  من ألمان وأوربيين وعرب وعراقيين ، كما ان لغته الألمانية كانت جيدة جداً حتى انه يتمكن فيها من صنع النكات التي تضحك لها صديقاته ، بيد ان فقدانه لبيت أمه وأبيه وأخوته وأخواته وأصدقاء طفولته وشبابه في العراق كان كارثةً له على مستوى حياته الشخصية وان حاول اخفاءه وكافح لأجل تحقيق هذا الاخفاء ، وأنا ابن بيئته كنت أحس بهذا الأمر .. لقد كانت محاولاته للأتصال هاتفياً بأمه وسماع صوتها ومن ثم أصوات أهله محاولات لشرب الماء الفرات من النهر الذي لا يرويه ماء نهر سواه .. 
كنت أحاول ان أكون في مصاف هؤلاء الناس الذين فقدهم وان أعوّضه فقدهم أو بعض الفقد ، وهو كان يجد في لقائي شيئاً منهم ، بيد ان الفراغ الذي تركه غيابهم في روح أحمد وعوالمه كان غائراً وسحيقاً وهائلاً .. لذا اتجه لتسلية نفسه تسلية يعلم هو قبل سواه انها تسلية كاذبة ، ولا سيما انه يعرف وهو الذكي ان أخلاق الناس بعد سلسلة الحروب على العراق قد بدأت تتغير ، وان لا أمل يُرجى في السياسة لاعادة العراق الى ماكان عليه .. كنّا أنا وهو نحلم بالعراق الجميل الحنون الرائع المبدع مثلما تركناه ولكن دون ساسة طائشين أو خونَّة ، ودون حروب عبثية مدمّرة ، ودون حصارات وجوع وقهر وبؤس وشل ارادات وحريّات وتنكيل بكرامة الانسان ، وما أبعد الحلم حلمنا كان ؟! 
لم يكن العراق المتغيير نحو الأسوأ هو عراق الداخل فقط ، اذْ تغيَّر الى الأردأ عراق الخارج أيضاً .. انقطاعُ المغترب عن وطنه يدمي قلب المغترب ويثقل روحه  ، وسماعُه للأخبار المحزنة القادمة من الوطن يرهقه ويتعبه ، وعجزُه عن اجتراح شيء عظيم لاِسناد الوطن يصيبه في مقتل اذ يُترجم الى احساس بالخيبة والخذلان ، وتهافتُ قادة الأحزاب السياسية في الخارج على مصلحة شخصية ومنصب حزبي وفرصة تقربٍ من مسؤول أجنبي يحطّم همم المنتمين اليها ويورثهم الاحساس برخص المسعى ولاجدوى المسير ..وهكذا كانت الجاليات العراقية في الخارج تفقد مع مرور الزمن ارتباطها الحميم بعراق الامس الجميل وأملها في اعادة عراق الامس الجميل ، وعراق الأمس الجميل هو عراق شواطيء الأنهار وبساتين النخيل وحقول الفلاحيين وأهازيجهم وأغانيهم وأحاديث الأمهات وجلسات الشعر في المضايف والدواوين .. انه عراق الابداع الفطري ، وعراق التواريخ المتلاحقة المكتنزة بدرر الابتكارات الانسانية العظيمة وعراق حكايا البسطاء ونكاتهم وطرائفهم وقصصهم العفوية الوادعة ..
 
حينما توفي أحمد في ذاك المساء الحزين وذهبت الى مجلس فاتحته استقبلتني صديقته ـ زوجته باكية ومنحتني سراً اعتز به أبداً ، ويحزنني محتواه في نفس الوقت دائماً اذ قالت لي مامعناه : ان أحمد في اشهر حياته الأخيرة كان قد عزف عن استقبال النداءات الهاتفية من العراقيين في برلين فأخبرها ان لاتجلب له جهاز الهاتف حينما يتصل أحد المعارف من العراقيين في برلين طالباً التحدث معه ، بل عليها ان تخبرهم بانه مشغول أو لايستطيع الرد على الهاتف ، ثمَّ طلب منها ان تعمل استثناءً واحداً اذا اتصل كريم الأسدي فهو الشخص الوحيد الذي يريد أحمد ان يرد على هاتفه ويتكلم معه .. وقد كنت ادوام بالفعل على مهاتفة أحمد والالتقاء به دون ان أعلم انه قاطع بقية العراقيين هاتفياً .. علمت بهذا بعد وفاته من صديقته الباكية بمرارة وصوتها المتهدج بالأسى وهي تخبرني بهذا الأمر..
 
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة : زمان ومكان كتابة هذا النص : من آب الى تشرين الأول 2022 في برلين ، حيث كانت كتابته على مراحل.
 
 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الطائي : قصة صورة غلاف وقراءة الأفكار.

رغم تمتع الكثير من مصممي الأغلفة بطاقات ابتكارية مبهرة ورائعة، أنتجت الكثير من الجمال الأخاذ …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| حسن الخاقاني : بعد هدوء العاصفة: مقال في بعض مشكلات اللغة…

الآن، وبعد أن احتفلنا مع المحتفلين بالعربية، أسدل الستار على ضجيج الاحتفاء المشبع بكلمات التبجيل …

تعليق واحد

  1. عمرو العلا جادر

    ربما بداية رمق أحمد كانت عندما أصبح يتخذ بتسلية نفسه ويعرف بأنها ليست حقيقية . جميل وأنت تنقل لنا عن عراق مصغر بإبداعه وفنونه وأصالته أسمه أحمد ومغترب في المانيا. أيضاً ونعم الصديق والمؤاخاة والوفاء عمي العزيز . النص عبارة عن قطعة من روح ، وبدون شك بأنه يعكس درجة قرابتك ووصالك بالفنان المرحوم أحمد . لروحه السلام ولك العمر المديد . محبتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *