د. مها يونس : الحرف الذي سقط

ما أن يقترب موعد قدومه الى المستشفى صباحا ,حتى يستعد الطلبة والمتدربون في الطب فيقف من كان جالسا ويمشي خلفه من كان واقفا ويحيطون به في حلقة نصف مفتوحة وهو متجهم الوجه كعادته دائما الا ما ندر وما من أحد يتنبا بحلول ابتسامته المتشنجة أو ضحكته الخالية من العفوية والرنين والتي غالبا ما تكون مرادفة لسخريته المهينة لاي منهم ولاي سبب وكيف لا وهو المعلم الاكبر في هذا الحقل من حقول الطب وحامل قلم السلطة الادارية والعلمية معا لسنين عدة بعد عودته من البعثة الحكومية لنيل شهادة الاختصاص كشان المئات من الاطباء الذين قيضت لهم الحياة أن يكبروا قبل الحروب ليتفرجوا عليها عن بعد . لاحظ الكثيرون أن موضوعه الاثير هو التحدث عن نفسه ومأثرها وفي كل ملتقى علمي أو اجتماعي هو صاحب الصوت الاعلى والرأي الاصوب وما أن تبدر أي أشارة هينة للجدل والمعارضة حتى يمتقع وجهه وترتفع عقيرته بالصراخ –لا يتذكر من زاملة الا انه يصرخ معتصرأ كل حباله الصوتية وربما أحشاءه وفضل العشرات تجنيبه هذا العذاب بالسكوت وايماءة الرأس الموافقة على ما ينتجه فمه من كلمات بعضها كالعصي وبعضها كاكوام القمامة , الويل والثبور لمن يجرؤعلى معارضته بالرأي وكان ردة فعله مقرونه دائما بكلمة (الدولة ) في اثواب متعددة كتعليمات ,او نظام ,أو انجازات أو عقوبات ولكن كلمة( الدولة) لابد ان تتصدر خطابه المجلجل  وما أن يبدا في تلفظ حرف الدال حتى يسمع المحيطون أنذارا بزلزال أو عاصفة رعدية ,ترافق حرفي الدال والواو فضعفت  بقية الكلمة لا احد يتذكر ضخامة هذين الحرفين في أبجديتنا العربية التي بدت رقيقة كصوت معلمة الصف الاول الابتدائي مكررة  حرف الدال ..دار دور لكنها في حنجرته لها صدى أخر وكانه ظل الدولة على الارض والمتأهب دوما لتطبيق تعليماتها الصارمة والتي تخرق غالبا عندما يتعلق الامر بمصالحه الشخصية .خاف منه الكثرون وراود الجميع أحساس بالصغار وقلة الحيلة أمامه ولولا الهالة العلمية لبدا كانه مدير مؤسسة امنية في تلك السنين الغابرة. مرت اسابيع قليلة وما زالت الحرائق والبارود ولعلعة الرصاص ممتزجة بعضها ببعض في معزوفة شيطانية متناغمة مع منظر (الكاكي ) الاجنبي لاسياد البلاد الجدد من الغزاة منتشرين في كل شارع وكل حارة ,والجميع حائرون وخائفون من يحكم من ؟ ومن ينصر من؟ ومن يظلم من؟ . هاهو يتصدر المنبروالحضور في هرج ومرج في ذلك الملتقى المسخ كسفينة نوح تنوء بقطعان الحيوانات المتنوعة قد تسربلت بهيئة البشر –وجوها حمراء وسوداء وصفراء من هو باربعة قوائم ومن يقفز على قدمين ومن يعرج ومن يطير كالذبابة باحثا عن الوجه الادسم والرائحة الاكثر دبقاً. تهيأ من يعرفه لاستقبال حرف الدال والواو الاثيرين لديه عندما بدأ الكلام وانتهى ولم تسمع هذه الكلمة المزلزلة لا بل وقد أاستبدلت بمفردات جديدة توحي بترحيبه بالقادمين الجدد من وراء البحار وأسترسل مسهباًكعادته عن مدى التخلف والتدهور الذي عاناه القطاع الطبي في الاعوام التي عاصرها وقبل أجتياحهم المظفر هذا وان التطور قد بدا الان  …..تبدل حرف الدال المدوي بنون خجولة تكاد تخرج من شفتيه بصعوبة .وفي لحظة صغيرة شفي الجميع من هذا البعبع لم يعد من هو حريص على أرضائه بعد أن شهدوا أبتسامته العذراء للمجندة الشقراء المتأزرة بالرشاشة الاتوماتيكية ,ولقد انحنت هامته وأنخفض صوته محدثا بانكليزية بدت ركيكة بعض الشي لهيبتها عليه ربما ,أو لعله ليس بالمتحدث الجيد منذالبداية ؟ ربما فشلوا في قراءة أيماءاته من قبل. بداأمام هذه (العريف)وكأنه صبية ساذجة تقف أمام مديرة مدرستها.ميزالواقفون فحوى كلماته الخجولة برغبته في تمثيل البلد وليس غيره لكونه الاعلى مقاما بينهم .
بعد اسابيع أخرى دلف صباحاً ليعود بعض المرضى وما أن لا حظ تغيب أغلبية العاملين حتى صرخ كعادته : سيعاقبون لا بد من الحساب (ليش ماكو دو…..) صمت فجأه وتذكر أنه لن يستطيع أكمال الكلمة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

تعليق واحد

  1. مهند الياس

    د . مها
    قصة جميلة .. تختصر نفسها .. ..تطرح موضوعا حساسا

    مع ودي

    مهند الياس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.