| غانم عمران المعموري :  مدى تحرر السارد من قبضة التاريخ في رواية  ” أطياف خلاصجي ” للروائي العراقي ناظم جليل الموسوي.

غانم عمران المعموري

يستدعي الروائي في التوجه لإعداد مدوَّنته   زمن الأحداث ومكانهما  المعلومين  والشخوص المؤثرين  والمحركين الفعليين لدفة السرّد وما ينطوي عليه من أفكار  وتشابكات, وتقريب المسافة بين زمن الحكي والزمن التاريخي الواقعي, واختيار شخصيات من صنع المؤلف أو وضع شخصيات حقيقية  موجوده  فعلاً في زمن الأحداث من خلال سرّد سيرة ذاتية غيّرية يتولاها الراوي العليم أو كُلي العليم أو اعداد مدوّنة تاريخية تقريرية وهذا ما وجدته في مدوَّنة ( أطياف خلاصجي ) للروائي ناظم الموسوي الصادر من منشورات أحمد المالكي, في طبعتها الأولى لعام 2021 تضم بين صفحاتها ثمانية أطياف وأطياف أخرى ب 184 صفحة..

ما يُشير أَّنَّ الرواية هي  سيّرة ذاتية.. غيّرية هو مكان السيّرة الّذي تم الإشارة إليه من قبل الراوي العليم وكُليُّ العلم بالأحداث المختبئ خلف الشخصية الرئيسة الراوي المُشارك ( الياهو عزرا داوّد ) وهو الاسم الصريح والحقيقي للشخصية الّتي تُشَّكل المحور الأساسي في تحريك الشخصيات الثانوية والتفاعل  فيما بينها ضمن زمان ومكان مُحدد حيث إن ( مكان الرواية يختلف عن مكان السيرة, فمكان السيرة معروف محدد, ومكان الرواية خيالي موظف, وزمان الرواية تقريبي, وزمان السيرة محدد, وغالباً ما يكون مثبتاً بتواريخ تقترب من المذكرات اليومية, والذكريات.. )1..

 ويُعَد اختيار أسماء صريحة في السرّد  من الأمور الصعبة والخطيرة الّتي قلَّما يلجأ إليها كُتّاب الرواية خوفاً من المسائلة القانونية أو عدم تطابق المعلومات المنقولة مع سيّرة الشخصية الرئيسة حيث يتجه أغلب الروائيين إلى اختيار أسماء وهميّة وخيالية  والتستر خلفها..

ولا يخفى على القارئ بأنَّ العتبات الّتي تتوّج ظهر الغلاف ( أطياف خلاصجي) ولوحة الشناشيل,  ومسامرة الأطياف, تُشّكل اضاءة و إرشاد  للقارئ الّذي اكتشف مُبكراً ما تشير إليه السيرة  .. لكن يتساءل القارئ هل استطاع ناظم الموسوي وضع عتبات مُشفَّرة تثير فضول القارئ وتدفعه دون شعور دخول  تشابكات  النّص الأدبي ؟ لا بد لعنْونة الكتاب أن تولّد لدى القارئ التساؤلات و وتُحرّك خياله وتدفعه إلى البحث وتقصيّ المفردة ومعناها فهو اللقاء الأول والأساسي في اقتناء الكتاب وقراءته وبعكسه يمكن للقارئ أن يعزف عن قراءة الكتاب أو شرائه  إذا كان في رفوف المكتبة من خلال العنْونة  ..     

تثير  العنْونة ( أطياف خلاصجي  ) فضول القارئ وتستدرجه  وتشغل تفكيره وتدفعه إلى التقصيّ والبحث لغموضها ومجهوليتها لكن قد تتحول تلك العنْونة الملّغومة الّتي أثارت القارئ إلى دليل كاشف وفاضح لكل مجريات وأحداث النّص الأدبي وبذلك تكون تلك العنْونة رغم كونها مُشفَّرة إلا أنَّها لم تحقق الهدف المنشود منها, لأنَّ القارئ والناقد عندما يجد عنْونة غامضة يبحث عنها في الكتب والمصادر أو للحصول على النتيجة السريعة فإنه يبحث في الكوكل عن تلك المفردة ( خلاصجي ) وعند البحث عنها استطاع القارئ كشف ومعرفة العنوان  وكذلك قد أوصلته تلك العنْونة إلى كشف مغاليق النّص على مصراعيه وهذا جعل من تلك العنْونة الّتي وضعها الكاتب ( فاضحة وكاشفة ) .. ويرى القارئ بأنه كان على الكاتب أن يضع عنْونة بعيدة عن فحوى ومضمون النّص ليتمكن من اشراك القارئ  وزجّه ببحثٍ وتتبعٍ لكلمةٍ مشفّرة لا يستطيع من خلالها كشف المضمون لأنَّ كشف مضمون النَّص منذ البداية يجعل القارئ يحجم عن مواصلة قراءة السيرة الغيرية .. كما كان على الكاتب أن لا يضع لنا استهلال يكشف فيه مضمون نَّصه الأدبي المعنون ( مسامرة الأطياف ) الّذي أفصح فيه عن رأيه المُسبق عن يهود العراق وإن دور الكاتب هو كشف المخفي والمسكوت عنه في صفحات التاريخ وليس نقل التاريخ الموثَّق والمعروف في بطون الكتب وأن يترك القارئ يعطي رأيه ووجهة نظره بخصوص يهود العراق من خلال متن النّص  وما تضمنه من تعالقات وحوارات وأفكار وتوجهات ..  جاء في الاستهلال (.. اليهود العراقيون كانوا إخوَّةً  لنا لا أعداء كاليوم ! …) وكان على الكاتب أن لا يضع هذا الاستهلال ويبدأ مباشرةً ( طيف 1) لأن هذا الاستهلال يُلَّخص مضامين المدوَّنة   ويجعل القارئ يحجم عن  الدخول في قراءة فحواها الّتي اكتشفها بكل سهولة, و يمكن للقارئ العليم الّذي شَغَله العنوان في بادئ الأمر  أن يدخل على مُحرك البحث  كوكل من خلال الاستهلال الّذي حدد الموضوع والتاريخ واسم العائلة اليهودية المُراد البحث عنها و تقصّي  سلسلة الأحداث التاريخية المتعلقة بها ..   

 فإنَّ ما نَعدَّه  رواية  لا بد من  ملاحقة الغريب والمخفي والمسكوت عنه في بطون كُتب التاريخ وتوفر عنصر المفاجأة وكسر أفق التلقي وليس تناول أحداث تاريخية موثَّقة في الكتب فلا بدَ من عملية مزّج بين المتخيل والواقعي حتى تتنصل الرواية الأدبية من الطابع التاريخي البحت وتتحلى بالإبداع الفني, حيث أنَّ المادة الحكائية موجود ولكن كيف يستطيع الكاتب ببراعته استثمار المادة الحكائية وتوظيفها ضمن بُنيّة سرّدية تتوفر شروطها ؟ وهل المادة الحكائية ( التاريخية ) هي الأساس في صياغة رواية أدبية تندرج ضمن السرّد التجديدي ؟ 

كما أنَّ ( المقدمة )  الاستهلال الّذي جاء بعنوان ( مسامرة الأطياف ) يكون غالباً في البحوث التاريخية والعلمية ولا يكون في الروايات والقصص لأنَّ تلك المقدمة تكون كاشفة لماهيّة البحث بغية التمهيد للدخول في الفصول الأخرى, لأنَّ  الرواية تعتمد في حِبْكتها على البُنيّة الفنية السليمة وأسلوب تكنيكي ابداعي يميّزها عن غيرها من الأجناس, فإنَّ الرواية إذا فقدت شروطها الأساسية وكانت خالية من الإثارة والمفارقة والدهشة ولم تكسر أفق التلقي لدى القارئ فإنها تكون مقالاً أدبياً أو بحثاً تاريخياً..

تناول لنا الكاتب في نَّصه الأدبي  الذي هو  أقرب للبحث التاريخي الراقي أو سيرة غيّرية عن عائلة عراقية يهودية لما تضمنه من أسماء حقيقية وأحداث واقعية مُعتمداً على المصادر والمراجع و البحوث التاريخية وهذا ما صرح به المؤلف في البداية ( وثّقَتْ هذه الروايَّة بعض ملامح وجودهم وفقاً للمصادر وشهود عيان المدينة .. ).. و حيث أنَّ الكاتب لم يمّزج بين المتخيل والواقعي وإنما سرّد لنا واقعاً تاريخياً رغم أنه أبدع في طريقة الوصف والحوارات المتبادلة وباستخدام أسلوب شعريّ مُعتمداً على موهبته الشعريّة الفنيّة في التنقل من حدث إلى آخر وبث صور شعريّة انزياحيه جميلة  إلا أنه لم يأتِ بجديد وإنما تقيد بالأحداث التاريخية لتلك العائلة ( عائلة خلاصجي ) ولم يضيف شيء جديد غير معروف في بطون الكتب ولم يكشف لنا المسكوت عنه أو المخفي ..           

الموضوع الّذي تناوله الكاتب مُلّفت للنظر وقد طرحه بكل جرأة, واظهره للقارئ رغم وجوده, خلاصجي عائلة عراقية يهودية قطنت مدينة الديوانية وبالتحديد منطقة الشامية ويذكر المؤرخين وحسب ما اعتمد عليه الكاتب من مصادر  الّتي لم يُشر إليها في نهاية كتابه أو لم يجعل هامشاً بالمصادر الّتي اعتمدها واستقى المعلومات منها,  إن تلك العائلة هي من عائلات الشتات البابلي ( السبي البابلي ) وتعني كلمة خلاصجي ( تخليص الذهب الخالص من المعدن الرخيص  تمهيدا لارساله الى دار الضرب في اسطنبول ) وجدهم الكبير هو ( الياهو ).. تطرق الكاتب إلى سيرة حياة ( الياهو عزرا  ) الذي جاء من الكفل إلى قضاء الشامية في محافظة الديوانية  الّتي تشتهر بزراعة العنبر والمحاصيل الزراعية حتى تطورت علاقاتهم الاجتماعية وثروتهم المالية التي استطاعوا من خلالها انشاء مطاحن للرز واقراض الفلاحين ومساعدتهم وتكوين علاقات اجتماعية طيبة وشرائهم الاراضي الزراعية الواسعة .. استمر الكاتب بنقل احداث وسيرة عائلة خلاصجي من الناحية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتجارتهم وامتلاكهم للأراضي الزراعية وكيفية تعاملهم وأسلوبهم في التجارة والحصول على الأموال بطريقة راجحة وبين لنا أهم العبادات والطقوس الّتي كان يُمارسها اليهود آنذاك دون أي مُضايقة وأراد من ذلك بيان الطابع السلمي والتعايش بين أبناء البلد الواحد دون أي تفرقة أو نزاعات, وأراد ايصال رسالة بأن اليهود كانوا أخوة  لنا أثناء تواجدهم في العراق وهم يختلفون عن الصهيونية المعروف تعريفها للجميع ..

 

البُنيّة الفنيّة  في النّص

اتسم أسلوب ناظم الموسوي في سرّد السيرة الغيّرية  تقنيّة الوصف والحوارية المتبادلة لإبطاء حركة السرّد واعطاء فرصة للقارئ ملاحقة الأحداث الّتي جاءت  بنمو  الحدث التدريجي كما في الروايات التقليدية, وبلغةٍ شعريّة سليمةٍ من خلال موهبته الشعرية وكتابته للشعر إلا أن الصورة الشعرية لم تؤثر على تنامي وتصاعد سير الأحداث الّتي جاء سريانها تقليدياً..

يُمكن تسمية هذه الرواية  بحثاً أو مدوَّنةً تاريخيةً أو سيرة غيّرية لا سيما أنها اعتمدت المصادر والمراجع التاريخية في نقل المعلومات الموثَّقة في الكتب والبحوث وبشخوص معروفين  تاريخياً من خلال عائلة خلاصجي وما جرى عليها عِبْر الأزمان  ولكن الكاتب أضفى عليها جانب الوصف والحوار المتبادل واللغة الشعريّة دون إضافة أو كشف المستور والمخفي أو وقائع لا نعرفها .. 

ومن خلال البحث عن عائلة خلاصجي وفي المواقع الالكترونية موقع ( عروس الاهوار ) مقال مازن لطيف في 27/ سبتمبر/ 2022 و كاردينيا المجلة الثقافية العامة بتاريخ 4/8/2016, موقع درر العراق ( اليهود في الديوانية ) في 16/6/2020, تجد الكثير من المعلومات والوثائق التاريخية عن تلك العائلة وهي موجود بتفاصيلها في رواية الموسوي ( أطياف خلاصجي ) وقد  اعتمدها كمصادر في مدوَّنته دون أن يذكر المصادر بتفاصيلها رغم أنه نوّه عنها في الاستهلال..

كنت أتمنى لو أنَّ الكاتب ناظم الموسوي صَنَّف مدوَّنته ضمن البحوث التاريخية وليس تحت مسمى الرواية  ويكون له سبق الإعداد والتأليف  في اعداد سيرة غيّرية تاريخية لعائلة خلاصجي ويضمنها كل الاحداث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وأهم المواقف وكافة التفاصيل عن تلك العائلة وبمصادر ومراجع معتمده لأنَّ تلك المدوّنة تبتعد كثيراً عن كونها رواية وإنما تندرج ضمن البحوث التاريخية إذا كانت قد اعتمدت المصادر الرسمية وإن ما وضعه الكاتب في فصل ( أطياف أخرى ) ص166,  عناوين فرعية ( الدكان العجيب, حَلاّق الأطفال, يعقوب الكئيب, الأسماك الطازجة, صَيّون الماكر, الياهو الصغير, سندَّق, المعَلّم اليهودي, عسل عسل يا أطفال, موشي الأصهب, سميمة الخياطة, صديق اليهود, شمعون بائع القماش, أطباء في المركز الصحي, واشنطونيو, الممرضة صالحة, طيف وداع )  لم يكن لها ترابط مع سير الاحداث وإنما جاءت  معلومات منفصلة وغير مترابطة مع سير الاحداث وقد وضعها الكاتب في غير محلها  وكان الأجدر أن تتخلل وتندمج مع مضمون النَّص, وإني اعتقد بأن الكاتب أراد وضعها لغاية أن يضفي على مدوّنته الطابع التراثي والفلكلوري القديم وهذه المعلومات كثيراً ما تندرج ضمن البحوث التاريخية, وحسناً  فعل الأديب حميد الحريزي في كتابه ( حكمت  شبر  حياة الطفولة والصبا والعلم والحب والنضال , والّذي ذكر في ظهر الكتاب: نحاول في هذا الكتاب المتواضع أن نلقي الضوء على محطات مهمة من حياة وسيرة علم من أعلام العراق المعاصر …)2,  الذي كان من تأليفه واعداده , عندما سطَّر لنا كتابه البحثي بالعنوان المذكور أعلاه دون أن يدرج على ظهر الغلاف كلمة  رواية الّتي لها شروطها وبنيّتها الفنيّة الابداعية حيث أن الاستهلال الّذي جاء في مقدمة ( أطياف خلاصجي ) هو مشابه لما جاء في كتاب الأديب حميد الحريزي من حيث الايضاح والتعريف والاعتماد على المصادر ولاسيما أنَّ الرواية  قد دخلت في الوقت الحاضر وعند الكثير من الروائيين العراقيين مجال التجريب والتجديد وكشف المخفي والمسكوت عنه في بطون كتب التاريخ وغيرها,

يسعى الكثير من كُتّاب الرواية التاريخية إلى كشف الكذب والتزوير والتلفيق في بطون الكتب من خلال رواياتهم الّتي تمزّج بين الخيال والواقع وتضع لنا مادة خام جديده لم نعرفها سابقاً من خلال اطلاعنا على كُتب التاريخ ولكن ما وجدته في تلك الرواية الّتي اسماها الكاتب ناظم الموسوي بأنَّها لم تأتِ بجديد غير معروف ولم تُخالف المعلومات والأفكار الّتي عرفها الكثيرين وإن الكاتب لم يتخلّص من قبضة التاريخ ( بيد أن بعض الساردين اللاحقين ظلت تعوزهم بعض المعرفة الامبريقية بمفاهيم التاريخ ونظريات الزمان وهم يحاولون إعادة بناء التاريخ مجربين أدواتهم في إنتاج محكي التاريخ على وفق ما تجود به مخيلاتهم حول هوامش التاريخ ومقموعيه, والنتيجة كتابة روايات نمطية تندرج في واحد من الاتجاهين الآتيين: الاتجاه الأول: فيه السرد كلاسيكي على الطريقة الجورج زيدانية التي فيها السارد خادم للتاريخ والكاتب لا يعيد كتابة التاريخ وإنما يستعيد منه وقائع وشخصيات وعلاقات إنسانية بلا ابتكار تخييلي ولا حفر سردي …)3.. 

 

ينفتح النَّص على عدد من القراءات ولكل قارئ له رأياً ووجهة نظر قد تكون مختلفة عن الآخر وربما يأتي قارئ آخر يسعفنا برأيٍّ آخر  نستفاد منه فكلنا طُلاب علّم..  

 

    

 

المصادر

  • أ. د. علي إبراهيم: دراسات نقدية في القص العراقي, منشورات تموز, ديموزي, ط1, 2022, ص41.
  • حميد الحريزي: البروفسور حكمت شبر حياة الطفولة والصبا والعلم والحب والجمال, دار الزمان, ط1, 2021.
  • د نادية هناوي/ أكاديمية وناقدة عراقية, روايات لا تستكشف التاريخ محكياً بل تجتره واقعياً, مقال منشور بتاريخ 13/7/2021 في موقع عالم الثقافة, https// worldofculture2020.com

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.