حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| أحمد محمد فرحات : فخاخ مصطنعة تترصد الكاتب الشاب أو الناشر النابه للجيل الغض .

ـ1ـ

أحمد محمد فرحات

مع تتابع التطورات الأخيرة لسوق وصناعة الكتاب في مصر أصبح إرث جيل منشورات شرقيات (كمثال حي لما أودّ قوله) كنبتة شائخة، تتقاذفها أمواج النشر الملوّن لناشر يبتغي الكسب؛ نكاية في الزمن ونكاية في الفن، ورغبة في استكمال تجربة مبتورة، اجتثتها آلة رأسمالية من جذورها العميقة لتنبتها في أرض كالحة لا تصلح لبرعمة خضرية جديدة، تنتج فروعا غير مثمرة، حتى وإن كانت فروعا هجينا لشجرتين إحداهما أصيلة.

 

كنت ممن لاصقوا تجربة دار شرقيات للنشر والتوزيع، كقارئ نهم، وشاب يحاول الولوج إلى العالم السحري للكتب، وباعتباري، أيضا، كاتبا يقف على ناصية ورقته البيضاء الشاسعة، أستغلّ قدرتي التعبيرية للتدليل على أثر الواقع على الأحلام والعكس وعلى محيطي. كنت في بداية المراهقة وكانت شرقيات للنشر ملء السمع والبصر، بتجربة فريدة تنحت شكلا فنيا شديد المغامرة، وشديد الخصوصية، وكذا شديد الرهافة، تطبع الدار خلال السنة عددا لا بأس به من الكتب المتنوعة إبداعيا لجيل أصبح على أعتاب احتراف التجربة الإبداعية، وفرض رؤيته المغايرة على جيل السبعينات الصاخب بمجلاته، ندواته، تجمعاته، كتبه، وقضاياه الخارجة توا من رحم الهزيمة والانتصار. كما تكون الوطنية في أعمق مستوياتها الرمزية، ككيليشيه يعزفه السلام الجمهوري في دور النشر المستقرة، الحكومية بالطبع، إضافة إلى قضاياه الإنسانية الخارجة أيضا بمعزوفة السلام الجمهوري لكن من مطابع خاصة وأهلية تحاول مقاومة الكيليشيه الحكومي، ليشكلا معا صورة واضحة لصناعة الكتاب، الإبداع، الفكر، والنقد في مصر، ومصر تحديدا كملعب متسع للجميع، إذ تنهمر عليها من كل صوب مخطوطات المبدعين في تجاربهم الممنوعة فيما استقر لديهم أيضا من كيليشيه لمعزوفة جمهورياتهم وممالكهم أو إماراتهم الناشئة، وكأرض مفتوحة للعراك الفكري، ومنبت لكل الأفكار سواء الهجين أو الأصيلة.

 

خرجت شرقيات مبشرة بتجربة جديدة كمشروع فني يتمترس وراء أصالة التجربة الشابة الباحثة عن معنى جديد للفن، معنى يتماشى مع حداثة اللحظة فيما قبل الدخول لقرن المعلوماتية، قرن الانترنت، والذي كان قد تشكّل فعليا في الغرب، كمنبع لكل تيارات الحداثة التي نستقيها منه دون خجل، ودون محاولة جادة في ابتداع حداثة عربية، وكمتراس صلد وقف الناشر محتويا جيلا مجددا لقصيدة النثر، القصيدة التي نحتت مكانها ومكانتها وأصبح لها قراء معتبرين، منذ تبشير مجلة شعر في لبنان بالقصيدة المتخلية عن الوزن والقافية وكصدى لما اُعتبر وقتها التطبيق العربي النموذجي لحداثة الشاعرية كما أثثت لها سوزان برنار، وليس هنا مجالا لنفسح الحديث مطولا عن برنار ومجلة شعر ورواد قصيدة النثر، مرورا بجيل السبعينات وما تلاه من صداه في الثمانينات، حيث لم يطرأ على قصيدة النثر أي خطوة جديدة للأمام، جاء جيل التسعينات الشاب بتعريف جديد لقصيدة النثر، فيما رفضه الناشر التقليدي، تلقفته أروقة شرقيات للنشر وأصبحت خط دفاعه ودافعه لاستكمال المشروع، خرج جيل كامل كان يكتب قصيدة النثر على استحياء، ليعبر عن موجة جديدة من تحديث النص العربي رافقه جيل من كتاب الرواية الجديدة، كصدى أيضا لما تم تداوله سرديا في المدرسة الفرنسية من منهج جديد يعتمد فلسفة ضد تقليدية وكلاسيكية الوصف وإزعاج ضمير الغائب دائما في الرواية، وبهذه الخلطة استطاعت شرقيات للنشر اتخاذ خط يخالف السائد ويؤكد على ضرورة وجود ناشر يغامر بتجربة جديدة، ابنة الحداثة، وتتطلع لمستقبل يفتح آفاقا رحبة للإبداع.

 

ـ2ـ

 

أصبحت صناعة النشر الآن، وفي هذه اللحظة الفارقة من تاريخ الكتابة العربية، أشبه بسلسلة مطابع تنافس في تحبير الأوراق القادمة من نفايات ورق حبرته نفس المطابع من قبل. عملية استهلاك أحلام أجيال تفكر في أن تكون كتابا، طمعا في مكسب غير معلن. إذ يتصور البعض أن وجوده ككاتبا على أرفف المكتبات قد يمنحه مكسبا إضافيا لما يربحه بالأصل من وظيفة عمومية أو ما شابه، كما لو أن الحاجة للكتابة كما الحاجة لصناعة موظف أمله أن يظل في موقعه أو يحصد ترقيه تعيد تلميعه بعد أن ظل في المخازن لسنوات ليجلس خلف مكتب متسع ويرتفع راتبه الشهري عما كان، لكن ما غاب عن جيل يكتب الآن أنهم مجرد وقود محرقة، أو بصورة أخرى تروس مصنع فرم نفايات الورق.

 

الداعي لهذه المحرقة الكبيرة، أحلام الوصول لنطاق الأكثر مبيعا، فصارت أماني الكاتب الشاب الوصول لصورة دار النشر المصدّرة بـ The best seller ويتناسى الكتاب أن اعظم دور النشر في هذه اللحظة لا تسعى لطباعة أكثر من خمسمائة نسخة في المرة الواحدة، قد تتكرر إن حدثت المفاجأة وبيعت الطبعة، أي أن -وبالرجوع لمبيعات المكتبات والمعارض في السنوات الشعر الأخيرة لم يصل كتاب للرقم خمسة آلاف نسخة (وهو رقم هزيل جدا أيضا مقارنة بما تبيعه المكتبات في الغرب والشرق الأقصى، الصين واليابان وسنغافورة)- كل هذا الضجيج وكل هذا الصراع من إجل إنتاج رواية، ديوان شعر، مسرحية … الخ هو مجرد وهم تتقاذفه عقول لم تصل في الأصل لمغزى وضرورة أن تصبح كاتبا، وتضخم الوهم مع الوقت حتى بات الصراع على أشده بين تيارات النشر المدفوع والنشر المجاني، وخلال عشر دقائق فقط على مجموعات القراءة في منصات التواصل؛ تويتر، تليجرام، وفيس بوك يمكنك أن تشاهد وتراقب وتفهم ما آلت إليه الأوضاع في سوق وصناعة النشر.

 

هذه المعركة الوهمية التي نتحدث عنها، كانت نتاج تدفق المعلومات عبر الانترنت، ووعود الناشرين لشباب الكتاب بأن يصنعوا معهم المجد، إذ أن المشكلة تكمن بالأساس عند من يتوهمون، كونهم كتابا؛ فالكاتب الشاب الذي هو وقود محرقة الورق أصبح هو سبب الأزمة. لأنه لم يجتهد في صناعة مشروعه ولم تصارحه دار النشر التي لجأ إليها، كون ما قدمه لا يصلح بدرجة ما للنشر، لكن على العكس، تلقفته وشجّعته ودفعته بخبث شديد لخوض التجربة. فالربحية مضمونة فيما قبل طباعة الكتاب، والمغامرة لم تعد واجبة، في ظل آلاف دور النشر، وعشرات الآلاف من الواهمين بأن ما تخطه مفاتيح الكيبورد هو إبداع أصيل سيدفعه لمصاف الـ bestseller وبعد أن يتلقى الصفعة، وراء الصفعة، يتنحى عن الطريق في صمت ودون مصارحة وإعلان ليمنع غيره من أن يعرج على نفس الطريق.

 

وعطفا على ما سبق، كله، يتضح أن تجربة كالتي تحدثت عنها في البداية هي تجربة أصيلة كان عليها أن تنمحي مع مرور الوقت لصالح تجربة الواقع الحالي، إذ توقفت منشورات شرقيات منذ سبع سنوات كاملة نتيجة تدهور صناعة الكتاب، ولم يعد من إرثها غير نسخ قليلة في المكتبات وعلى أرصفة البيع الرخيص، ومن بقى من كتابها لما ينتجون، تلقفتهم مطابع النشر ومخازنها لمحاولة أخيرة لتجميل الصورة ومحاولة كسب ود الناقد والقارئ الواعي ليظل بالقرب يدعم وجودهم كمحرقة لجيل شاب.

 

ـ3ـ

 

إن أزمة الكاتب الشاب تكمن فيما قبل النشر؛ النشر كما تحدثت عنه قبلا كأزمة كبرى، تصاحب الجميع وليست من مصاعب الكاتب الشاب فقط؛ تكمن الصعوبة في بناء مشروعه الشخصي الذي أدخله إلى هذا المضمار، رغبته الخاصة في إبداع نصوص أدبية، أو بحثية. الدافع وراء الإمساك بالقلم. وكما هو معروف تنبع الشرارة الأولى لأي كاتب من الانشغال بفعل القراءة وتناميه كفعل أسمى داخل العمق النفسي للكائن، وعلى حسب هذا التراكم المعرفي داخله ونوعه وجودته واستثارته للموصلات العصبية للقارئ. من هنا تنطلق لحظة الكتابة الأولى، من هنا تحديدا ينشأ الولع بالحرف، وهي النصيحة الأولى التي تُوجّه لكل كاتب يبدأ في تحربة كتابة نصوصه الأولى، فبدون التراكم المعرفي العام والخاص بالنوع لن تتخطى الكتابة مجرد خواطر لا ترقى للنص الأدبي الإبداعي، وستظل في دائرة الكتابة الذاتية التي لا ترقى للنشر، وكخطوة أولى، يعد فعل القراءة، ثم القراءة النقدية هو معيار بناء المشروع الفني، لدى الكاتب الشاب. إذا فالأزمة تكمن في ضرورة القراءة وفي نوعيتها وتوجيهها للقراءة النقدية وبناء المشروع، والكاتب الذي لم يمر بهذه المرحلة هو دخيل يكتب جملا مهترئة مفككة لا ترقى لأن تصبح على رفوف المكتبات؛ إذ إن القراءة تشبه مرحلة الطبع والمشابهة في التشكيل، والتقليد ومحاولة عزف أو غناء ما ثبت في الوعي الفني في الموسيقى، كمحاولة أولية لتلمّس الخط وبناء مشروع شخصي يخص المبدع.

 

يبتدئ المشروع الفني لدى الكاتب من اللحظة التي يفهم ويعي وينتقد ما يقرأ، ثم يبدأ في كتابة الخواطر، ويقرر ما عليه أن يقول، ولما وكيف؟ فالتخطيط هو محور أساسي انفعالي بالأساس، ينفعل بالأحلام والعمق النفسي والتجربة الذاتية وكذلك المحيط الاجتماعي وعملية تشريحه. الانفعال بقضايا خاصة أو عامة ومحاولة التعبير عن رواج الأفكار داخله، الأسئلة أو الإجابات المقترحة التي تخص ما انفعل به، من هنا يبدأ تشكّل المشروع الفني وتناميه داخل الكاتب، حينها سيقرر الشكل الذي يمكن فيه صب تلك الأفكار والتعبيرات. وللوصول إلى هذه المرحلة يستلزم، أيضا، تراكما فنيا، معرفيا، ونقديا. يمكّن الكاتب من إبداع كتابه الأول قبل محاولة الاشتغال عليه لتجويده وطرحه للقراءة والنقد لتقييم تجربة سينبني عليها المشروع فيما بعد.

 

وعلى كل ما سبق يمكن القول إن عملية بناء كاتب شاب هي عملية معقدة تحتاج الكثير من المثابرة والعمل الدؤوب، للوصول لمرحلة جزالة التعبير والتي هي كما يعرفها الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين: باعتبار العبقرية عمل دؤوب. عمل لا يتوقف في تحصيل كل المعرفة الممكنة من علوم وفنون، ونقدها لأن الكتابة هي فعل نقدي بالأساس يطرح السؤال الذي يحيل للإجابة، الإجابة التي قد تكون متعة، معرفة أو حلول لقضية خاصة أو عامة. كل تلك الفخاخ والشراك مصطنعة من حول الكاتب الشاب، يمكنه تجاوزها بصناعة رأس يقف أمام علامة الاستفهام الكبيرة، الضخمة التي تقف كجدار بينه وبين النشر، الاستفهام حول جدوى ما يكتب وضرورته وما يمكن أن يضيفه للمكتبة العربية.

 

أحمد محمد فرحات

ناقد ومحرر أدبي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.