حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| د. حسن الخاقاني : بعد نصف قرن على رحيله.. حسين مردان سيبقى حيّا (ملف/13) .

حسن الخاقاني

لم يستطع الموت الذي غيب الجسد الضخم لمبدعنا الكبير حسين مردان في يوم 4 أكتوبر من سنة 1972 أن يسدل الستار الكثيف الذي أسدله على غيره من الراحلين، فشخصية حسين مردان المشعة، وإبداعه وألقه الساحر في الحياة الأدبية تجتمع كلها لتزجي الحياة لذلك القلب الطيب الذي اشتهر به “أبو علي” في حياته الصاخبة القصيرة التي أمضاها في بغداد متأبطا همّه الشخصي والاجتماعي ووحدته النفسية والإبداعية وهو يذرع شوارع العاصمة جيئة وذهابا من دون الركون إلى مستقر من قلق مقيم في نفسه المشرئبة إلى منابع الحياة والمحاصرة بنوازع الموت التي تزيد عليه الخناق بما انطوى من عمره السريع سنة بعد أخرى.

كان الموت هو الهاجس الأكبر الذي طارد الشاعر من أول شبابه، لكنه كان يهرب منه بالشعر، أو السكر، أو القهقهات الصاخبة التي تبدد صمت المكان، وكان قلبه الأبيض الطيب جواز مروره الممهور بمهر المحبة والود البريء إلى قلوب الزملاء والمحبين.

وعلى الرغم من تلك الشخصية الفذة التي تستشعر العظمة والكبرياء فقد كان حسين مردان قريبا جدا إلى نفوس زملائه وأصدقائه، بريئا براءة الأطفال، بسيطا غاية البساطة، وكان أدبه – شعرا ونثرا – تعبيرا صادقا عن تلك الشخصية المضمخة بعطور القول الشعري العميق موزونا جاء هذا الشعر أو خلوا من الوزن في شكل “نثر مركّز” كما كان يسميه، يمتزج فيه الموت بالحب بشكل غريب، يقول في إحدى مقالاته ذات الصبغة الشعرية:

(وفجأة أقبلت قامة بيضاء ذات رقة غزالية، وعلى بعد خطوتين من يدي كانت قد وعدتني برؤيتها وأخلفت! ومع ذلك ففي سبيل غمزة واحدة منها أخترق مئة خندق للموت..

الشاعر الراحل حسين مردان

وقذفت بوجهي العابس نحوها، فلم ترتعش! كتلة كافور ميت. وصدت تجاه صرخاتي التي كنت أسكبها عند قدميها، وشعرت بأنها تعيش قرب شاطئ بعيد جدا، فانكسر القنديل في روحي.. يا إلهي لماذا لا أستطيع أن أحب امرأة واحدة فقط.. ووضعت المنشار على حافة كبدي وتحفزت لمداعبتها من جديد، ولكنها وقفت كمعضد من فضة وذهبت دون أن تترك لي طيف ابتسامة أو علامة ود.. وأحسست بأن أعضائي تذبل وتقع حولي..آه أيها الوجه. يا وجهي البغيض إنك لم تخلق لملامسة عطور الفساتين فاجمع آهاتك ولتعد إلى مقرك في قاع البئر.)

كان قلب حسين مردان هو دليله في العشق والحياة، به يسير، وبأمره يأتمر، فكان لهذا القلب السطوة المطلقة فهو الذي يقوده في دروب الحياة المتشابكة، وهو الذي يملي عليه هذه العواطف المتضاربة، فتجمع في لحظة واحدة بين ثنائيات متناقضة: الموت والحياة، اليأس والأمل، الحزن والفرح، بطريقة لا نجد لها مثيلا عند سواه:

(منذ الصباح وأنا أتجول في قلبي، بحثا عن ذكرى أو شبح، عن رجفة حارة أو لوعة. لا شيء غير قالب من جليد وظل غزالة تبتعد وتغيب في عتمة الأعماق، وكلما أرسلت كفي ليحفر في داخلي ويمسك بعطر أغنية أو لمعة ضوء، عاد وقد امتلأ بالغبار والطين! فإلى أين ذهبت تلك الوجوه والمناظر والكؤوس المترعة؟ وأين اختفت غابات الريحان والطيور وجداول الضحك؟

لقد أكلت نصف العالم ولم أزل فارغ العينين! وها أنا أغسل وجهي وكأنني لم أحطم ألف بناية من زجاج. ولكنني لن أسقط فوق حافر اليأس مادام القلم في الدواة.)

كان يمكن لهذه الثنائيات المتناقضة أن تسير بهذا الرائي الفذ نحو التناقض والتصادم بعد الصراع، لكن حسين مردان، وعلى شيء من طرائق نيتشه في التفكير، يوحد بين الثنائيات، ويوائم بين المتناقضات، ويلوي عنق الصراع بينها إلى منطقة وسطى من التصالح المأساوي، والاتفاق الوجداني، فيبدو هو الضحية المستسلمة من دون حراك:

(وأخيرا سقط النيزك على شفة الملاك، واحترق البلور، وعاد الحلزون إلى قوقعته المظلمة، يستعيد ذكرى القمر الأسمر الذي اختفى. وها هو الحالوب ينزل على كل شلو حار، ولم يعد هناك أي فرق بين الضحك والبكاء.. لو حفرت جسدي كله لما غضبت! ولكنها أرادت السير فوق جبيني فقذفت بجمالها إلى المحاق. لقد تهاوت الرتوش وتوارى ذلك العطف المصطنع.. وا أسفاه.. أهكذا تموت الألوان في لحظة. لقد كانت رؤيا خاطفة. ولست بنادم لخروجي من حلقة الأفيون.. وعلى جذع ملطخ بالقار سأصلب كل ما تبقى من عطرك المخادع. وسأدق مسمارا من الفولاذ في كل عين تحاول الرجوع إلى وجهك. لقد انزاح الدخان ولم أجد في القمقم غير الفحيح. فلن أقطع كالعباس كفي من أجل الوصول إلى الماء. وسأذبح أعضائي واحدا بعد الآخر لو ارتجفت لرؤياك. فأنا السيد عندما يسيل دم الكبرياء. فإلى حد السكين كل بنان يهزأ من شموخي.. لقد مات غصن الريحان وسيأتي من يحمله ليرمي به في الموقد..).

غير أن هذا الاستسلام لم يكن سوى سطح خارجي خادع يغلف باطنا ثائرا، فقد رافق التمرد حياة هذا التنور الفائر منذ الطفولة يوم أدرك مبكرا أن لا جدوى من تمضية الوقت أو تضييعه في حياة رتيبة قاتلة فكان شعلة من قلق تحاول أن تضيء، أو تحترق، أو تفجر، لا أن تظل ساكنة هامدة مختبئة في ظل زائل، فجاءت الطفولة المشاكسة:

(كنت ثالث طفل لأم قاسية جامدة العاطفة، وأبٍ سكير ضعيف الإرادة رقيق الشعور إلى حد الإفراط، فجئت مزيجا من الضعف والقوة وخليطا عجيبا من الرقة والقسوة، وقد حاولت كثيرا أن أوفق بين متناقضاتي فلم أستطع لذا كنت “مشكلة العائلة” التي لا تحل حتى قررت والدتي بالاتفاق مع شقيقتي الكبرى بطردي من البيت باعتبار أن ذلك هو العلاج الوحيد لكي أصبح رجلا قويا في المستقبل. ومنذ ذلك اليوم بدأ ينمو بأعماقي ذلك “المسخ البشع” الذي تمخض أخيرا عن “حسين مردان” “الشاعر الملعون”).

لقد اختزن حسين مردان جرثومة التمرد في نفسه الحبيسة في جسد عجز عن النهوض بمرادها، وظل وفيا لتلك النزعة الكامنة فيه يظهرها في أدبه، وفي طريقة عيشه العابثة مظهرا، الجادة أصلا وفعلا، فلم يأبه لمظاهر الحياة المنظمة أو المقيدة بجداول مقننة أو مواعيد عمل منظمة، لقد خلق حرا يكره القيود ويسعى بكل قوته واندفاعه البريء ليتنشق مزيدا من عبق الحياة فيعب من أنفاسها وكأنه في سباق مع شبح الموت الذي ظل يطارده في حله وترحاله، وظل طائر القلق يحوم حول رأسه – أو قل في رأسه – حيثما أقام أو نام فأسلمه كل ذلك إلى نوع من حياة التشرد والقلق والخوف من المجهول الذي يتشكل بأشكال مخيفة تطوق عنقه وتضغط على قلبه وعواطفه كأنها وطواط ضخم ليس للشاعر من مخالبه المفترسة خلاص:  

(لقد كانت حياتي سلسلة متصلة الحلقات من العبث المنهك، حتى استحال كل شيء فيّ إلى رماد عديم اللون، ففقدت السيطرة على دمي وانطلقت أرشه على كل شفة، وكنت أظن أني في طريقي إلى القمة، ولم أدر ِقط أني أهبط في فرج هاوية مظلم.. لقد أردت أن أملأ حياتي فإذا بي أضيف ألوانا جديدة من القلق إلى قلقي الأسود القديم، القلق هذا الغول الذي له ألف وجه، أيقتله الحبّ؟ إني أشك في ذلك وأعتقد أن الحب هو استمرار التفكير بشيء معين..!؟ وهل من السعادة أن نفكر دائما بشيء واحد لا يتغير.؟ أقول أحيانا لا شيء في الحياة يستحق التفكير، ومع هذا أفكر بكل شيء. وقد أفكر ساعة كاملة في شكل الحذاء الذي أنوي شراءه عند نهاية الشهر..)

وقد تجلى كل هذا النزوع تحو الحرية في الابداع فجاءت كتابات حسين مردان تجري وحدها خارج الأنساق المألوفة سواء كان ذلك في المضامين أم الأشكال، ففي نطاق الشعر صدم بقوة وجاس بعنف مسلمات الكيان الاجتماعي الراكدة عندما أخرج ديوانه الأول بعنوان مثير مستفز هو “قصائد عارية” متحديا بذلك نظاما اجتماعيا وسياسيا في أعز ما يملك، وما هو بالحقيقة سوى شخص فرد مكشوف الظهر ليس له من يسنده في حياة الغاب هذه، فسيق إلى محاكمة كادت أن تودي به إلى نهاية مأساوية مبكرة لولا أن تداركه بعض العطف والرأفة من لدن معجبيه، فلم يرتدع ولم يذبل فيه حماس التحدي بل عاد بأقوى وأشد مما كان فقدم ديوانه الثاني بعنوان سوريالي هو: “اللحن الأسود” مصرا على رفع راية الانحياز إلى الحرية في وجه الخصوم. 

وإذا كانت سمعة حسين مردان قد اتسع صيتها من هذين العملين المتفردين فإنه يتفرد أيضا في رؤيته الفنية للكتابة إذ بهر المتلقين بما كان يلقيه إليهم مما سماه:”النثر المركّز” بشكل مقالات عدها بعض النقاد سابقة ناضجة في ميدان قصيدة النثر العراقية والعربية، وكان ينطلق في رؤيته من اعتقاده بأن لا موجب لحضور الوزن في الشعر – وهو رأي أرسطو من قبل – إذ الوزن لا يصنع من الكلام شعرا، وافتقاد الوزن لا يخلي الكلام من الشعر:

(فالوزن ليس هو العلامة الفارقة للشعر وإنما هو وضع الكلمة والجو الذي ترسمه للقارئ لأن الموسيقى التي تلعب بالحواس وتطرب الروح لا توجد في البحور والأوزان وإنما هي تكمن داخل الكلمة نفسها، لأن الكلمة هي ارتباط نغمتين ببعضهما فقد يبدو الحرف المجرد شيئا جامدا ولكنه في جوهره حركة بالإضافة إلى أنه صوت “نغم” له رنين خاص يرسم في تموجاته المستقيمة “شيئا ما” غير محدد.. وعند ارتباطه بحرف آخر يحدث تفاعل لغوي يولد منه كائن حي له مقوماته وله معناه وله نبضه الموسيقي المعين، وهذا الكائن الجديد هو الكلمة.. والكلمة ذاتها تتمدد ويتسع أفقها عندما تشتبك اشتباكا عضويا بكلمة أوكلمات أخرى.)

هكذا يسبق حسين مردان تقاليد عصره ومعطياته القارة فيتجاوز المألوف بغير المألوف، وقد حاول بكل ما أوتي من قدرات أن يحفر مساره الخاص في الحياة فاحتوى نفسه، وركز في شخصيته سمات إبداعية متميزة لم تقتصر على ميدان واحد، فهو الشاعر في شعره ونثره، وهو الناقد المجادل، والمحاور المتمكن، والعقل القادر على استشراف مآلات الحياة بكل تشعباتها، ولكنه يبقى في مقابل ذلك ذا القلب الطيب، والنفس السمحة، التي تسحرها النظرة العابرة، وتستكين إلى الدمعة الصامتة، أو الضحكة الصاخبة التي تمزق سكون الصمت ليبقى صوته يرن في أذن الزمان، حيا متجددا في ذاكرة الثقافة الحديثة، فهو المبدع الكبير حسين مردان الذي يستحق منا أن نقف له في سوح إبداعه وقفة تقدير وإجلال ونحن نحتفل بمرور نصف قرن على رحيلة الجسدي المأساوي وخلوده الإنساني المتفرد. 

ملاحظة:

(لي عنه كتاب بعنوان: طبق العسل.. في أدب حسين مردان.. أرجو أن أجد من يساعد على طبعه)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    لم يسبق لي ان قرأت سعر مردان. وبحثت عن نماذج من شعره و لكن للأسف المصادر بخيلة جدا.
    انما بالنسبة لهذه الخواطر المركزة المتضمنة في هذه العجالة يبدو لي قريبا جدا من مفهوم الكتابة الذي شاع في حلب – سوريا.
    و احدد اثنين هما ابن حلب القديمة وهو القاص مظفر سلطان الذي نشر الكثير من مقالاته الشعرية في الضاد لسان حال المهاجرين في الأمريكيتين.
    واورخان ميسر الذي ينتسب بأصوله المبكرة الى تركيا. و ترك لنا بوفانه كتابا واحدا بعنوان سريال.
    كانت حلب أقرب من غيرها للتجديد بسبب قربها من تركيا و محاولة الافلات من تقاليد الأصول العثمانية للتعبير عن خصوصية تحاربها تركيا بكل قواها. ثم لزيادة عدد العنصر المسيحي فيها و علاقاتهم بالعالم الجديد. هذا غير الارمن الذين فروا من تركيا ورووا انا روايات يشيب لها الولدان.
    اتمنى طباعة كتابك فهو حق للرواد و حفاظ على الذاكرة من الضياع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.