حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| رياض ابراهيم الدليمي : قراءة في لوحة “غفوة على وسادة الامل” للفنان د. هاشم المياحي .

النص البصري عندما يحيل ما تختزنه الذاكرة الشخصاية منظورية عميقة او ذات ابعاد من زاوية ضيقة أو اتجاهات مختلفة فهنا يحاول الفنان تسليط الضوء على قضيته وشكله التصويري البصري منتجا خطابا جماليا ،

رياض الدليمي

ومن ثم ذات دلالات تأويلية ومعان عدة وبلا تعقيد ، من هنا استطاع الفنان هاشم المياحي  تدوين رسالته الشكلية الجمالية التي اتسمت بالمباشرة ومن غير طلاسم لتناوله موضاعا في غاية الأهمية والحساسية وهو موضوع الطفولة والبراءة والبياض والحلم والأمل .

عندما يتناول الفنان موضوعة الطفل وسلوكه العفوي لابد ان يسترجع كل ذكريات الطفولة ويستحضر حكاياتها ، واذا ما أريد تجسيد عفوية الطفل على بياض اللوحة فعلى الفنان أن يعيش طفولته في هذه اللحظة وهو يلاعب قماشة لوحته .

لوحة الفنان هاشم المياحي ( غفوة على وسادة الأمل )  تأتي ضمن هذا النسق ، فهو اتسق في لحظة زمنية في كنه هذه اللحظة وأخذت فرشاته تداعب الألوان كما يداعب الطفل الدمى ، ألوان ترمز وتعبر عن الحالة الظرفية تجمع بين البياض والزرقة لتعطي مشهدا بصريا تعبيريا فطريا ليكون أكثر صدقا ، وتنتج للمشاهد فعلا دراميا ذات قيمة انسانية وعاطفية كبيرتين .

لوحة هاشم المياحي تجسد السلوك الجمعي للطفولة الذين لا يتوانون أن يعبروا عن ذواتهم دون كلفة أو تصنع ليكونوا أكثر صدقا بالتعبير ودون تفكير أو تأمل أو تخطيط مسبق ، لذا هم كالطبيعة في طقوسها وفصولها تأتي مناخاتها دون اصطناع ومفاجئ وحسب الظروف التي تهيأ لذلك ، فالأطفال كالورود تغفو عندما تغيب الشمس عنها وتذبل عندما ينقطع عنها الندى وتتيبس .

هاشم المياحي

لقد صور الفنان مشهدا متخيلا يمزج بين الواقع المتخيل والواقع المباشر لطفلة نامت وهي ترسم وتستحضر واجباتها المدرسية بحركة تعبيرية تشير الى حالة سلام واطمئنان تعيشه هذه الطفلة ، فخلدت الى النوم دون أن تستكمل رسمتها ، ويبدو أن المرح واللهو في النهار قد أتعبها لذا قد سرقها النوم دون أن تستكمل ما قد بدأته .

ان الفنان عندما يستحضر مشهدا طفوليا لابد أن يكون قد داعب أيام طفولته واستحضرها لما يشعر به من فقدان وحنين الى تلك الأيام التي خلت .

وهذه اللوحة في دلالاتها ومحاميلها انما تشير وتصور من خلال حركة الجسد وايماءاته العفوية الى رسالة أراد الفنان أن يبثها مفادها الى أن الطفولة لابد ان تترك على فطرتها وسجيتها دون أن تلوث بالصنعة والتكلف أو تحميلها عبئا من عندياتنا ، ولابد أن تعيش عمرها دون رتوش منا نحن الكبار وان يسير الزمن كما هو دون تدخل الوالدين الذين يحاولون أن يروا أطفالهم كبارا ، وهذا بطبيعة الحال يشوه العامل الزمني والعمري والسلوكي للطفل  ، ويترك الطفل في قلق وارتباك لأنه لا يعي ما يفكر به الوالدان ، ومن هنا تظهر المشاكل النفسية والاجتماعية لدى الطفل الذي لم يأخذ مديات عمره وزمنه وحيثياته .

لوحة “غفوة على وسادة الامل”

الطفلة التي نامت واستلقت على فراشها وهي ممسكة بقلمها وكتبها الى جنب راسها قد جسدها الفنان في أدق تفاصيلها الصورية واللونية بكل اتقان ، ولقد سلط حزمة ضوئية شديدة على هذه التفاصيل والمكان وكأنه يرسم لنا مشهدا دراميا من خلال تجسيده المحترف لسلوكية الطفل وهو يمارس حريته عندما غلب النعاس عليه هنا أقصد الطفلة التي غفت تحت الانارة الكاشفة ، وهنا تكمن دلالة عفوية الطفل وتلقائيته التعبيرية السلوكية ، حيث نامت الطفلة دون رغبة منها ، والاضاءة الساطعة واختفاء الظلمة هي ذات دلالات قصدية لتجسيد مشهد تعبيريا دلالي عن حالة في مخيلة الفنان وظفها ليصل الى نشوة الرسم ونشوة الاستحضار ويضيء ما اختزنته ذاكرته من ذكريات بروح متفائلة ويكتنفها الامل والحلم بغد جميل ، وخاصة تجد ما نشير اليه هنا من خلال سيميائية الألوان والضوء والمكان والأدوات التي جسدت على السطح التصويري للوحة .

هذه اللوحة تترك في نفس المشاهد الغبطة وتشده بشغف للتأمل والشرود معها والى عوالمها ومرحها ، اذ أن هذا المشهد الذي يجمع بين التصوير والدراما فإنما هي محاكاة للنفس البشرية وملامسة عواطفه وأفكاره ومخيلته  ، قد تمكن الفنان أن يثير الشجون قبل الفرح لما مرّ ومضى من العمر فلابد أن نترك الأمل في نفوس أطفالنا وصغارنا وما افتقدناه ، ولنتركهم يعيشونه بكل تفاصيله .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.