حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| د. صالح الرزوق : ” الشرك ” بورا شونغ .

هذه حكاية قرأتها منذ فترة طويلة.

صالح الرزوق

كان يا ما كان في ماضي الزمان رجل يمشي في غابات جبلية مطمورة بالثلج، ومر بثعلبة وقعت في شرك. كان فراء الثعالب يعني النقود، فعزم الرجل أن يقتل الثعلبة لأجل فرائها، واقترب من الحيوان وبيده سكين. رفعت الثعلبة رأسها وتكلمت بصوت بشري قائلة: “أرجوك أطلق سراحي”. جمد الرجل بمكانه. وفي نفس الوقت لاحظ أن سائلا براقا يتدفق من كاحل الثعلبة التي أطبق الشرك عليها. لم تكن الثعلبة تنزف الدم ولكنه شيء يشبه الذهب. وضاعفت طبقات الثلج من صعوبة الرؤية من أول نظرة. ولكنه لاحقا انتبه للمنطقة المحيطة بالشرك، وشاهد المادة البراقة وهي تنبع منها، وبعضها يتجمد في الثلج البارد. التقط الرجل قطعة قاسية واحدة وتأملها عن مقربة. وعضها. هذا ذهب. لا يوجد مجال للخطأ. بحرص شديد، جرف الرجل بإصرار كل ذرة حول الثعلبة. ثم بحرص أكبر ألقى الثعلبة في حقيبته، مع الشرك العائد لشخص آخر، وكل ما تبقى، وعاد إلى بيته.

وما أن وصل إلى البيت، أخفى الثعلبة في مكان أمين في كوخه. وقدم لها الماء والطعام، ليحفظها على قيد الحياة. ولم ينتزع الشرك عنها. ولكنه كان يضغط على الشرك أو يجرح الثعلبة بنصل حاد كي لا تشفى جراحها. وكلما فعل ذلك، كانت الثعلبة تعوي أو تئن بحقد. ولكن المرة الوحيدة التي كلمته بها الثعلبة بلسان البشر كانت لحظة رآها لأول مرة.

سمح الرجل للسائل المتدفق من جروحها أن يجمد قبل بيعه بالتدريج. وباعتبار أنه ماكر كان يعلم جيدا ما سوف يحصل لو أن فلاحا على شاكلته ظهر فجأة وفي جيوبه حفنات من الذهب. وحمل عمدا قطعا ذهبية صغيرة عوضا عن قطع كبيرة، وتنقل من مدينة إلى غيرها

بورا شونغ

ليبيع كميات محدودة كي لا يلفت الكثير من الانتباه. وبالنقود التي جناها من بيع الذهب، اشترى الحبوب والملح والجلود والخشب – المنتوجات العادية التي يمكنه بيعها في سوق قريته. وكان العمل طيبا في بعض الأيام وشحيحا في غيرها. وكانت أسعار المنتوجات تنخفض في بعض الأوقات، وترتفع في سواها. ولكن لم يكن يهتم. فهو يخفي كنزه في كوخه في مدينته، ولا أحد لديه خبر عنه. ولم يكن مجبرا ليعود إلى نقطة الصفر ليبدأ مجددا من العدم. وسواء كسب كثيرا أو قليلا، كانت ابتسامته العذبة والعريضة مرتسمة على وجهه باستمرار، وكان يحالفه النجاح ببيع كل الأشياء في السوق. اعتقد الآخرون أنه إنسان محظوظ ومجتهد. وتنامت سمعته بين زبائنه وكل من تعامل معه، ومثل الجميع كان عمله يمر بمراحل صعود وهبوط، ولكن كانت تجارته تبدو على نحو خاص أنها رابحة في النهاية. وأصبح معروفا في السوق وكسب سمعة تاجر قديم. واتسعت شهرته مثل ثروته. وفي خاتمة المطاف بنى بيتا واسعا واقترن بامرأة جميلة. وبعد أن بنى البيت، هدم كوخه وشيد بمكانه مستودعا واسعا، واحتفظ فيه بالثعلبة مكبلة بالسلاسل في زاوية منه.  وكان جرحها ينزف باستمرار، ودمها يسحب منها بفترات منتظمة، وهو ما تسبب لها بالإعياء، ولكنها لم تمت. وبسبب كشط جلدها القريب من الجرح مرارا وتكرارا، تراجع وانكمش، وبرزت عظامها. ثم أصبحت متكلسة ومهما كشطت الجلد وقشرته لم تكن تسيل الدماء. ثم تحولت لعظم وجلد فقط. وكلما اقترب منها الرجل كانت تزأر بوجهه، وهو ما بوسعها أن تقوم به. فقد فقدت القدرة على العواء والعض. أخيرا، في العام الثالث من زواج الرجل، ماتت الثعلبة. وحزن عليها الرجل حزنا عميقا، ولكن لأنه ربح منها الكثير من الذهب، وكانت تجارته ناجحة، اعتقد أنه سيتمكن من تجاوز المحنة. سلخ جلد الثعلبة الميتة، وصنع من فرائها وشاحا. كانت الثعلبة قد خسرت معظم شعرها خلال احتجازها، ولم يكن فراؤها سارا للنظر، ولكن أسعد زوجة الرجل الجاهلة بالأمر، الحصول على هديتها: وشاحا من فراء ثعلب.

وحملت المرأة بعد فترة غير طويلة. ولأنهما كانا بلا أولاد لثلاث سنوات منذ الزفاف، غمرت البهجة الرجل وزوجته، بانتظار المولود. وفي أعقاب عشر شهور، وضعت الزوجة توأما: ولدا وبنتا. رأى الولد النور أولا، وتبعته البنت ثانيا. ونظر الاثنان للمولودين الجديدين، وبلغت سعادتهما أعلى ذروة ممكنة تحت سماء الإله الطيب. وبغض النظر عن أنهما توأمان من بويضتين، كان الولدان لا يختلفان عن الأشقاء بشيء. ولكن في أحد الأيام، قرابة وقت تعلم المشي، سمعت الزوجة فجأة، أحدهما يصرخ من الغرفة المجاورة. وحينما اندفعت إليها، شاهدت الصبي يهاجم البنت ويعضها. وتوقعت أنه عراك مألوف بين الأخوة، ولذلك باعدت ما بين الاثنين، وعنفت الولد، وواست البنت. واهتمت برقبة البنت المجروحة، ثم لاحظت أن الصبي يمتص الدم من تحت أظافره ومن حول فمه، كأنه يريد شرب كل قطرة دم.

في المساء أطعمت الأم مولوديها، وأودعتهما السرير، وأخبرت الرجل بالمشاحنة حينما عاد إلى البيت. وحينما كانت تزف له الخبر، سمعا صرخة تجمد الدم. وأسرع الاثنان إلى غرفة الطفلين. وكانت البنت ترتعش من الخوف وتصارع لتحرر نفسها بكل قواها، كان الولد يعض الخدوش التي خلفها على رقبة أخته في اليوم السابق، وينشب أظافره الصغيرة بها، ويمتص بسرعة الدم النازف من رقبتها. وقفت المرأة بينهما وحضنت ابنتها وأبعدت الصبي عنها. قفز الولد على أمه وعض ذراعها، وفاجأها ذلك، ورغم ألمها، احتفظت بابنتها بعيدة عنه، وبطريقة عفوية أبعدت الصبي عنها. ولكن أظافرها انغرست في جبينه. حاول الرجل تكبيل الصبي بعيدا عن زوجته، ولاحظ شيئا يلمع على جبينه. وانتبه أن الجرح الطويل ينزف بسائل له لمعان مألوف مثل لون الذهب. حاولت زوجته تعزية ابنتها الجريحة، واحتضن الأب ابنه وتحسس جرحه بأنامله. لم يكن الجرح عميقا، وكان السائل الذهبي يرشح منه ثم توقف.  واستمر الصبي بشرب دم أخته من تحت أظافره ومن حول فمه بطريقة نهمة، حتى توقف نزيف الذهب من جبينه. وحالا أدرك الرجل معنى ما يجري.

بعد ذلك كان الرجل يرافق ابنه بجولات في الخارج. واعتقدت المرأة أن الولد موفور النشاط ويهاجم أخته في فورات مزاجه، ولذلك رحبت بجولاته مع أبيه ليلعب ويلهو. وبالطبع كانت نية الوالد مختلفة قليلا عن أفكار زوجته. فحينما ينفرد مع ابنه، كان يطعمه دم حيوانات مختلفة. وكان الولد غير متلهف على دم الكلاب. ولكنه شرب القليل من دم البقرة والخنزير قبل أن يلفظه. وشرب جرعتين من دم الدجاج، ثم التفت برأسه ولم يرغب بالمزيد. وبعد كل وجبة، كان الرجل يجرح منطقة في جسم ابنه، في مكان غير ظاهر. ويرى أن دم الصبي قرمزي مثل دم أي ولد آخر. وكان يبكي، مثل كل الأولاد. ولكن لم تكذب عينا الرجل عليه. حينما خدشت الأم جبين ابنها، لتبعده عن أخته، تدفق بكل تأكيد من الجرح سائل ذهبي. قدم الرجل لابنه دمه شخصيا. في هذه المرة لعقه كله. ومع ذلك كان الدم الذي يطرحه الجرح أحمر. وبكى الولد بصوت أعلى. وغرق الرجل بالتفكير. كان طفلاه يكبران ولكن تجارته تبور. وبعد موت الثعلبة، لم يكن يبيع كالسابق. والثروة، التي اعتقد أنها لن تفنى، تلاشت. ولم يعد لدى الرجل القدرة على اتخاذ قرار صائب. وداهمه القلق وأصبحت قراراته ارتجالية، وكان يندم على سوء بصيرته بعد كل قرار. ودفعه هذا الندم لاتخاذ قرارات متعجلة – وسقط بدورة خانقة لا تنتهي. وكان من أجل بيته، ومن أجل مستقبل الولدين، بحاجة للنقود. وفكر: بما أن الأب يكدح، على الابنين تحمل بعض أعباء العائلة. وكلما غابت الزوجة عن البيت، كان الرجل يتسلل إلى غرفة ابنيه حالما يمكنه ذلك. غير أن زوجته كانت حريصة ومجتهدة بشؤون البيت – ونادرا ما تغيب عن بيتها، ولم تهمل تفقد غرفة مولوديها لتلبية احتياجاتهما. ولا سيما بعد هجوم الأخ مرتين على أخته. فقد حضها ذلك على محاولة الاحتفاظ بكل ولد في غرفة مستقلة. ولم ترفع عينيها الخاشعتين عن ابنتها. وفي النهاية توجب على الرجل حمل الاثنين خفية إلى المستودع، وفي هدأة وسكون الليل، حينما تغرق الزوجة بالنوم. وهناك في أعماق زاوية مظلمة، بنفس المكان الذي كان يأسر فيه الثعلبة، كان يكمم فم ابنته، كي لا يسمع أحد استغاثاتها الملهوفة، ثم يقدمها لابنه. وبمجرد أن يشبع الابن، يكمم فمه كي لا يصرخ، ويجرحه في مكان غير ظاهر للعيان. ثم يجمع، قطرة بعد قطرة، السائل الذهبي المتدفق من جسم ابنه، وهكذا تغمر قلبه مشاعر الطمأنينة ويستعيد آماله بمستقبله. وكانت الزوجة تستغرب من الجروح الكثيرة الموجودة على جسمي الولدين. ولكن كان الرجل يخفف من قلقها، ويقول إن الأطفال تضر نفسها أثناء اللعب دائما. فتقول الزوجة: ولكن… وتنظر بخوف لولديها. وكانت الابنة غالبا ما تبدو ذات تعابير مرعوبة، وترتعش بوجود الآخرين، وتبكي وتستنجد كلما اقترب منها أبوها. ثم ظهرت غضون منتفخة تحت عيني الابن الواسعتين والمفتوحتين مثل عيني حيوان كاسر. وكانت حدقتاه تدوران في محجريهما، وهو يعض على شفتيه. ثم في أحد الأيام استيقظت الزوجة في منتصف الليل، ورأت أن زوجها ليس بجانبها على السرير. فبحثت عنه في أرجاء البيت، وتفقدت غرفة الطفلين، وراعها أنهما غير موجودين. وجن جنونها من الخوف، ونادت على ولديها بالاسم، وخرجت من البيت وعادت إليه عدة مرات، قبل أن تسمع صرخة مكتومة من ابنتها، آتية من جهة المستودع. وهناك رأت مشهدا فاق توقعاتها. كانت ابنتها ترتعش بعنف مستلقية على الأرض وابنها يقرض ويمتص ساقها. وكان زوجها جالسا القرفصاء وراء الابن، وبيده صحن وضعه قرب جسم ابنه. وقفت الزوجة المصدومة مشلولة عن الحركة لدقيقة قبل أن تسمع صوت ابنتها الضعيف يقول “أماه”، ويعيدها إلى وعيها. حملت الزوجة بين ذراعيها ابنتها بسرعة. وأبعدت ابنها الذي لا يزال ملتحما بساق أخته يحاول شرب دمها، وهرعت إلى الباب. ولكن زوجها حال بينها وبينه. كان يريد استعادة ابنته ليحصل على المزيد من دماء ابنه. ولم يسمح لها بالمغادرة وهي تحمل منبع ذهبه معها. وقاومت الأم بكل قدراتها، لتحمي ابنتها من هجوم زوجها. وكانت البنت تبكي وتصيح وهي في وسط المعركة بين الأم والأب. ثم انتزع الرجل البنت من ذراعي أمها، ففقدت توازنها وسقطت على ظهرها. وارتطمت مؤخرة رأسها بالشرك الذي كان يأسر الثعلبة منذ سنوات بعيدة.

كان للشرك أسنان مدببة من الفولاذ ليمنع أشرس الوحوش من الهرب إذا ما وقعت فيه. ونفذت هذه الأسنان في رأس الزوجة ورقبتها. وصنع الدم المتدفق منها بركة فوق أرض المستودع. فزحف الابن بسرعة وشرع برشف دم والدته كما لو أنه جائع. أما البنت التي لاحظت بعينيها موت أمها، فلم تبك، وابتسمت، ولم تتكلم مطلقا.

وسع الرجل بيته، وأقام غرفة في أعماق البناء الجديد، وأودع فيها ابنته الهادئة والبكماء. واكترى الخدم للطهي والتنظيف ورعاية ابنته.  وأخبرهم أن زوجته توفيت فجأة بعد مرض وبيل، وورثته الابنة عنها، وهو سبب صمتها.  وكما اعتاد من قبل، كان في كل ليلة، بعد أن ينصرف الخدم استعدادا لليوم التالي، يرافق ابنه إلى غرفة ابنته. كانت البنت لا تصرخ ولا تتحرك، وتترك أخاها ليجرحها ويمتص دمها. وكانت تكتفي بالنظر إليه دون أي تعبير وبوجه شاحب. لم يرفع الرجل عينه عن ابنته وابنه. وكلما توفر المزيد من الدم ليشربه ابنه، زاد لمعان الذهب الخالص وتضاعفت الكمية التي يمكن تجميعها. ومع نمو جسم ابنه، أصبح بحاجة لمزيد من الدم. ولكن كان الرجل يعلم أنه عليه أن يخفر ابنه كي لا ينفرد بابنته، فلربما شرب دمها كله وتسبب بموتها. وكان الرجل بحاجة لابنه، والابن بحاجة لأخته ليستمر على قيد الحياة. ولهذا السبب لم يسمح له بالانفراد بأخته في غرفتها، وكلما رافقه إلى تلك الغرفة، كان يراقب بحرص شديد حالتها وكمية الدم التي يشربها الابن. وازدهرت تجارة الرجل، وبقيت ابنته ذات الوجه الشاحب محبوسة في غرفة مظلمة. كبر الولد والبنت. كان للبنت جلد أبيض وعينان واسعتان سوداوان في وجه كئيب محروم من الانطباعات ويتوجه شعر أسود براق ينسدل على ظهرها مثل شلال. وأصبحت بنتا جميلة، ولكنها سلبية، وباردة، وذات جمال مريض. كان وجود ابنتها مختلفا عن بقية البنات العاديات اللواتي لهن عمرها، ومع ذلك مثل غابة مظلمة تحت نور القمر، كانت محرومة من العاطفة ويحيط بها غموض وإبهام يزيد من إغواء جمالها. أما الابن فكان يتحاشى نظرة والده النفاذة، ثم بدأ يزور غرفة اخته بغياب والده. ولكن ليس لشرب دمها.

وبدأ الرجل يعبر محيطات ويسير في جبال ليبيع ويشتري، وأصبح تاجرا عظيما. وتوقف عن إلحاق جروح بابنه، ومشاهدة الابن وهو يمتص دم البنت. وكان يسافر بعيدا ليعتني بتجارته، ولكن حينما يحصل على النقود من الذهب كان يستمتع بجو خيالي غريب، ويتناول أطعمة شرقية مع شراب شرقي. ويعاشر النساء المثيرات. وبدأ يهمل حياته المنزلية، ويهتم بتطوير تجارته. وكانت الليالي تمر والابن والابنة وحدهما في البيت الواسع والمظلم. وعندما رجع الرجل في أحد الأيام، لاحظ أن ابنته حامل. وكأنه تلقى لطمة على رأسه وهو يشاهد ابنته الحامل. وتحول ذلك إلى غضب قاتل. ولم يحرك صياحه وجنونه ساكنا في البنت، واكتفت بالنظر له دون أي تعبير. وزادت لا مبالاة البنت من جنونه. فرفع يده ليضربها، لكن ابنه الواقف بجواره، قبض على معصمه. ولاحظ أن ابنته الساكنة متفاهمة مع ابنه، الذي وقف بينهما، فامتلأ عقله بالشك، ولكن لم يكن سهلا عليه الإقرار بأي شيء. وهرب من غرفة الابنة. ثم جلس في مكتبه، وتمالك نفسه، وحاول أن يفكر بعقله لا بقلبه قدر الإمكان. كان الوقت قد تأخر على الإجهاض. ولو قام بخطوة واحدة مخطئة وجرى شيء لابنته، ستحل عليه كارثة. وبهذه الطريقة، تابع التفكير بابنته كمصدر لطعام ابنه، والذي كان بدوره مصدرا للذهب الذي يملأ به محفظته. ولكن كان لديه نقطة واحدة لمصلحته، أن البنت لم تغادر البيت. وعاشت حياتها في داخل بناء واسع في غرفة ضيقة ومظلمة، ولم يكن أحد يعرف عنها شيئا. فهي لم تكلم أحدا، ولم يكن متأكدا أنها تعرف أي لغة، أو لديها فكرة عن العالم الذي تعاقبت أيامه عليها. وحتى لو وضعت الطفل، يصعب تصورها بصورة أم صالحة. وكان أفضل شيء يفعله هو التخلص من المولود في مكان بعيد، على أن لا يسمعوا أخباره، وإيداعه بعهدة أشخاص يمكن أن يعتنوا به أفضل من ابنته الصغيرة. وهذا أفضل للطفل، واتخذ الرجل قراره وعزم على التنفيذ.

ولكن ماذا عن الابن.. ماذا يفعل بشأنه؟

كان عليه فصله عن البنت.

وكان الرجل بحاجة لابنه، فتجارته تنتعش الآن. غير أن أحدا لا يضمن المستقبل. وربما يأتي يوم تعوزه فيه النقود، وكما يعلم أي تاجر، لا يوجد شيء يقلل من مكانة النقود الوفيرة، وليكون لديه نقود كافية بين يديه لتوسيع تجارته، هو بحاجة لابنه وابنته..

ووازن الرجل أموره لبعض الوقت. ثم وظف نقوده ومعارفه للبحث عن طبيب ممتاز. وباعتبار أن لديه ما يكفي من النقود، سهل عليه الوصول إلى طبيب ماهر ومتكتم. وإذا كان المبلغ الذي طلبه الطبيب فاحشا، فهو بالنسبة للرجل، لا يزيد على كوبين من دم ابنه. وبما أن كل شيء نتيجة خطأ ابنه، كان جاهزا لتحميل المسؤولية للابن، وجمع المزيد من الذهب منه، وبما يفوق نفقات الطبيب. ولم تشعر البنت بالدهشة حيما قابلت الطبيب الغريب. ولم ينم وجهها الشاحب عن أي عاطفة طيلة الوقت. ولكن حالما فتح الطبيب حقيبته، وأخرج زجاجاته ومشارطه الطبية، بدأت البنت بالعويل. كان صوتا مرتفعا كاد أن يهدم سقف البيت. وكل من كان بالغرفة – الرجل والطبيب والخادمة التي أتت لتقديم المساعدة – سدوا آذانهم وانهاروا على الأرض. وتكسرت الزجاجات الطبية، وتهشمت إلى قطع صغيرة. وحينما تماسك الرجل كان ابنه واقفا على عتبات باب الغرفة. ولاحظ الابن وجود الغريبين في غرفة أخته، وحاول أن يقتحم الغرفة. لكن الرجل اعترض طريقه. والتفت الرجل برأسه وحث الطبيب كي يبدأ بعمليته. ولأن الزجاجات كلها تحطمت، لم يستعمل الطبيب المخدر وحمل مشرطه. وحاولت الابنة أن تهرب، ولكن منعها وزن الطفل من التصرف كما يجب. وفي غمرة ارتباكها ساعدت الخادمة في تثبيتها بقوة. ووضع الطبيب مشرطه على بطن البنت. وصاحت البنت بصوت حاد تقول:” دعوني”. ودفع الرجل ابنه خارج الغرفة وأغلق الباب. وعاد أدراجه إلى ابنته. فوقعت عينها بعينه وصاحت بصوت أعلى: “دعوني وشأني”. ولاحظ الرجل بريق عيني الثعلبة الذهبية على وجه ابنته الكئيب. وغرس الكبيب المشرط في بطنها. فهزت صرختها البيت مجددا حتى ارتعشت أساساته. وخلال هذا الوقت حطم الابن باب شقيقته التوأم، وكان الطبيب على وشك إخراج الطفل من بطنها ومن الرحم الذي يرقد فيه. وكان الدم يغطيه ويداه تحفران بالمشرط في داخل البنت، ولم تعد للطبيب هيئة بشرية. ودخل الابن من الباب ووضع أصابعه في بلعوم الطبيب. واقترب الرجل ليمنعه، لكن الابن صاح صيحة حيوان جريح، والتفت نحو أبيه ليقاومه. أما الخادمة فقد تراجعت أمام صراخ البنت وهربت. وسقط الرجل على الأرض، وارتطم رأسه بها. وجلس الابن على صدر أبيه وشد وثاقه. فتح الرجل عينيه مجددا. وكان الدم يسيل من السرير، وقد أغرق الأرض التي يتمدد عليها. وقابلت عيناه نظرة ابنته البيضاء والجامدة، وكان جسمها باردا، وبطنها مفتوحة للهواء. بعد جنازة ابنته، هجر الرجل عمله، وحبس نفسه في بيته. ولم يجد ابنه ولا المولود الصغير. ولم يشارك الابن في جنازة أخته التوأم. وفي البداية اعتنى الخدم بالرجل. وكل ما نما لعلمهم أن ابنته ماتت بعد صراع طويل مع المرض، ثم غادر ابنه البيت مصدوما بوفاتها. وحينما حاولت الخادمة السابقة اقتحام البيت، وهي تصيح وتثرثر بأخبار غريبة وأرادت أن تشق طريقها إلى غرفة البنت المتوفاة، طردوها من عتبات الباب. ولم يمر وقت طويل، حتى ذاعت قصص عن رؤية الخدم لأمور غريبة في البيت. أولا انتشرت إشاعة عن رؤية “شيء” يحوم حول غرفة البنت الميتة. ثم لوحظ في الممرات، وفي غرفة نوم الأب، ولاحقا في مربع الخدم، والمطبخ، وقرب الحظائر. وكان ذلك “الشيء” جميلا. وهو بريق ذهبي رقيق يغيب بالتدريج، ويخلف وراءه ضبابا لماعا خفيفا. وهذا الضباب الذهبي بارد وأشهب اللون، ويدعو المرء للاقتراب وتأمله، أو أن يمد يده فيه كلما أصبح بمتناوله. وكل من يغويه الضباب الذهبي الفاتن يصيبه الجنون.

وما أن ينحني أي شخص ويلمس الخط الذهبي المرسوم في الممر، يجمد النور المشع الأصفر والبراق ويستدير. فتشاهد عيونه وفمه. مع لطن مشقوقة تنزف، ويدين ممدودتين وطويلتين لونهما أبيض. ولهما أصابع طويلة بيض مثل نور القمر و باردة كالثلج الذي بغطي الجبال في الشتاء. وكانت هذه الأصابع  تخترق من يكون أمامها ببنما الطيف يدمدم: طفلي… أين هو…

وحينما يقيد الرعب والبرد أي ضحية، يصيح شبح الابنة بصوت يهز أرجاء الببت قائلا: طفلي… أين هو…

وحتى بعد اختفاء شبح الابنة، تجمد نظرات الضحايا، والواقعين تحت إغواء البريق واللمعان الذهبي، على الفضاء مع صياح وثرثرة عن شبح من الذهب، أو أن الضحايا يعصرون أيدبهم  ويخدشون وجوههم ويتابعون الصياح عن ضرورة غسل الدم، أو الوقوف في ضوء القمر وهم بعولون قائلين:” هذا ذهب، إنه ذهب”. ويتبع ذلك القفز من النافذة، أو الفرار بصمت مطبق إلى الغابة في منتصف الليل لتجد الضحية ميتة في الصباح اللاحق، ورقبتها في شرك كان منصوبا للثعالب.

وسقط الخدم تباعا. إما لحق بهم الجنون أو اضطروا للمغادرة، أو اختاروا الانسحاب. وفي ذلك الببت الرحب، بقي الرجل وحيدا. وفي كل ليلة، كان شبح ابنته الذهبي الشفاف يزوره وهو في سريره، وينزف من عينيه وشفتيه وبطنه المشقوقة، ويسأله نفس السؤال، مرارا وتكرارا: طفلي… أين هو..

ولكن الرجل لا يعرف مكان الولد، ولذلك لا يمكنه أن يجيب عليها. فيكرر شبح الابنة السؤال: مولودي.. أين هو..

حتى بزوغ الفجر، يقف شبح ابنته الذهبي والشاحب، بوجهه الدامي، قرب السرير، وكما فعلت يوم موتها، تقطر دما باردا من بطنها المفتوحة، وتغمره به، وهو مسجى في سريره، وتكرر السؤال مجددا: طفلي… أين هو..

وبعد عدة شهور قليلة من فرار آخر خادم، دخل القريون إلى المبنى، يدفعهم الفضول ونداء الواجب ليقوموا بشيء ما من أجل راحة هذا البيت غير المحظوظ. فشاهدوا الرجل على سريره، مجرد عظام وجلد، ولكنه حي بأعجوبة.

قال لهم: “أرجوكم اسمحوا لي بالخروج”.

وكانت هذه آخر كلماته، كما تروي الحكاية التي تناقلتها الأجيال.

ولكن يوجد حاشية. بعد عدة سنوات، في مكان بعيد عن البيت – على سبيل المثال لو أن موضع البيت في الشمال الغربي، مكان الأحداث المتبقية قرية في الجنوب الشرقي – ظهر شيء غريب بين الجبال، وذلك في ليلة شتائية متأخرة. وكان أثرا طويلا على الثلوج.

كما نعلم النهار قصير في الشتاء ويخيم على المرتفعات الظلام بسرعة. ولكن هذا الشيء كان يلمع قليلا. وعلى الجبل المغطى بالثلوج من الداخل، جلس الشيء محدودبا وكان يتحرك بحذر كأنه مشغول بمهمة.

والشخص الذي شاهد ذلك، عاش طيلة حياته في قرية بالجوار، وكان يزور الجبال، لكن لم يشاهد ما يشبه ذلك من قبل. فاقترب بسبب الفضول من وراء الشيء الباهت، ونظر لما كان يفعله. وبعد قليل صاح وهرب من الممر الذي جاء منه. وحسب رواية القرويين، كان الشيء صبيا صغيرا. بحوالي الخامسة أو السادسة من عمره، وقد أقعى وهو يصنع شيئا في سفوح الجبل المعتم. ومهما كانت الأسباب كان جسم الصبي يشع بريقا ذهبيا خافتا، وهو الضوء الذي لفت انتباه القروي وسمح له بمشاهدة الولد يلتهم طعامه أثناء اقترابه منه. كان يأكل جسم شاب. فقد شق الصبي بطن الرجل، وغمس يديه فيها، وحمل قطعة من الذهب، وكان يأكلها بنهم. وبدا جسم الشاب كما لو أنه ميت منذ مدة، فقد كان أبيض كالورق. وحوله بقع براقة وذرات من الذهب.

وبسبب تلك الكتلة الذهبية، كانت نقاط الذهب المنتشرة، والولد الذي يلمع قليلا، يشكلان مشهدا جميلا بمقاييس عالم آخر، ولم يكن عند القروي أية فكرة مسبقة عما كان ينظر إلبه، ولذلك أسرته هذه الفكرة وخلفت لديه ذاك الانطباع. وحتى بعد اقترابه ورؤيته للشاب، ببطنه المشقوقة، لم يكن القروي متأكدا إذا كانت تلك الجثة المغطاة بالذهب، هي فعلا جثة رجل. نظر الولد الجالس القرفصاء إلى القروي الذي دنا منه. لم تكن في عينيه عاطفة. وبدون أي تبدل بتعابيره وبدون أي كلمة، حمل قطعة ذهب صلب بارد إضافية من بطن والده، وألقاها في فمه. وحينما فتح الصبي فمه، لاحظ القروي أنيابا حادة مثل أنياب الثعلب أو الذئب. قبض الرجل ذو البطن المشقوقة كاحل القروي. وصاح: اسمح لي بالانصراف..

وتقريبا تعثر القروي وارتبكت قدماه.

وتكلم الرجل صاحب البطن المشقوقة مجددا بصوت يشبه تكسر الجليد في بحيرة متجمدة.

قال: اتركوني..

وتابع الولد ذو البريق الذهبي النظر دون إحساس إلى القروي، وفتح فمه قليلا، وكشر عن أنيابه المشحوذة.

انتفض القروي ليخلص نفسه من قبضة الشاب، واستدار، وهرب لينجو بحياته. وحينما بلغ بيته، لاحظ أن المكان الذي قبض عليه الشاب من سرواله كان موشوما بالذهب. وبرفقة قرويين آخرين عاد بعد مشرق الشمس إلى مكان الصبي الذي رآه، ولكن درب الجبل كان طينيا بسبب ذوبان الثلوج، ولم يجد أثرا للصبي الذهبي ولا للرجل ذي البطن المشقوقة.

الترجمة عن الكورية Anton Hur

بورا شونغ  Bora Chung

كاتبة وأكاديمية من سيؤول. وصلت بكتابها “الأرنب الملعون” إلى القائمة القصيرة بجائزة مان بوكر الدولية. وهذه القصة أحد فصول هذا الكتاب.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنــــا
| رياض ممدوح جمال : “سيد المنزل” للمؤلف ستانلي هيوغتون .

                   (ستانلي هيوغتون حصل على شهرة كبيرة …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. صالح الرزوق :  الجدة والدبابير والبطيخ الأحمر/ زاخار بريليبين .

 كانت الجدة تأكل البطيخ الأحمر. وهو طعام رائع في شهر آب. وكانت عائلتنا الكبيرة والحنون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.